فهرس الكتاب

الصفحة 2230 من 2255

بإيجاز، حيث لا يسمح المجال بالاستفاضة في موضوع يحتمل المزيد، فإن التوحيد كما يقول الدكتور إسماعيل الفاروقي - رحمه الله - في كتابه (جوهر الحضارة الإسلامية) "هو الذي يعطي الحضارة الإسلامية هويتها، هو الذي يربط بين أجزائها، هو الذي يطبع كل ما يدخل إليها من عناصر فيؤسلمها ويطهرها فتخرج من عبورها في التوحيد متجانسة مع كل ما حولها. قديمًا وحديثًا كتب مفكرونا آراءهم في جميع الميادين تحت عنوان التوحيد، وذلك لأنهم رأوا فيه المبدأ الأكبر الذي يشمل جميع المبادئ الأخرى، ورأوا فيه القوة الكبرى التي تفجرت عنها جميع المظاهر المكونة للحضارة الإسلامية"التوحيد هو الشهادة عن إيمان بأن (لا إله إلا الله) هذه الشهادة السلبية في مظهرها، والمختصرة اختصارًا لا اختصار بعده، تحمل أسمى المعاني وأجلها. فإذا أمكن التعبير عن حضارة برمتها بكلمة واحدة، إن أمكن صب كل الثراء والتنوع والتاريخ في أبلغ الكلام وهو أقصره طولًا وأكثره دلالة كان هذا في (لا إله إلا الله) عنوانا للتوحيد وبالتالي للحضارة الإسلامية.

حضارة القدس الإسلامية في مواجهة الهجمة الصهيونية (1/2)

الثلاثاء:13/03/2007

(الشبكة الإسلامية) أ.د عبد الحليم عويس

مسجد قبة الصخرة

منذ خمسة آلاف سنة دخل العرب إلى فلسطين، فمنذ الهجرة السامية الأولى القادمة من الجزيرة العربية، والعرب يعيشون في فلسطين يتنقلون من طور حضاري إلى طور آخر ومن دولة إلى دولة أخرى، وفيهم عرب فينيقيون في الدولة الفينيقية، وفيهم عرب كنعانيون في الدولة الكنعانية، وتدل المخطوطات الإفريقية التي عثر عليها في الأردن أن أغلبية السكان في زمن الرومان كانوا عربا وقد أنشأوا في القرن الرابع الميلادي مملكة الأنباط في جنوب فلسطين.

أما الإسلام فهو الذي دخل فلسطين عام 636م تقريبا (15 هـ تحديدا) والإسلام عندما جاء لم يأت بناء جديدا يهدم الأبنية القديمة بالجملة، وإنما جاء إصلاحا وتكميلا وتصحيحا، حيث يعد الإسلام الأنبياء جميعا أصحاب رسالة واحدة قوامها توحيد الله وعبادته حق عبادته، وإقامة حياة الناس على الحق والعدل والخير، وحيث يعد الإسلام نفسه أيضا دين كل الأنبياء فكل الأنبياء كانوا مسلمين ودعاة إسلام: ( مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرَانِيًّا ولَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) . (ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ . أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبَائِكَ إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .

ومن هنا جاء دخول الإسلام إلى بيت المقدس دخولا طبيعيا بالنسبة للوجود العربي الثابت في فلسطين ودخولا طبيعيا بالنسبة لمعنى الإسلام ورسالة الإسلام.

وفي ضوء هذه المعاني جاء عمر إلى بيت المقدس خاشعا متبتلا مستجيبا لرغبة المهزومين في القدس حين شرطوا أن يحضر الخليفة بنفسه ومعطيا لهم الوثيقة العمرية أو العهدة العمرية التي تعد بكل مفرداتها من أعظم وثائق الفتوحات في التاريخ كله.

إن المؤرخ (رابوبوت) يصف مقدم عمر إلى القدس وصفا رائعا يجسد لنا المعاني التي ألمحنا إليها... يقول:

"أما سكان أورشليم الذين اعتادوا أن يروا الأباطرة البيزنطيين في أبهتهم وأرديتهم المطرزة بالذهب فقد كان مرآهم للخليفة مشهدا رائعا ذلك أن خليفة النبي كان يرتدي بردة رثة من وبر الإبل وقد اخترق أورشليم على بعير يحمل كل أمتعته وما يكفيه من تمر ليوم واحد فكان هذا التناقض بين بساطة المنتصر وتقشفه وبين الهوس الباذخ الذي تعود على الظهور به ليس الأباطرة البيزنطيون وحسب بل ممثلوهم من ولاة الأقاليم كان هذا التناقض مذهلا لم يلبث أن أحدث تأثيره العميق في شعب حانق على حكومة كانت في نظره استبدادية جشعة."

وبمقتضى الوثيقة العمرية أعلن السلم العام والأمن العام للأشخاص والأموال والعبادات وللعباد في أديرتهم وكنائسهم وهنا أيضا يشهد رابوبورت وهو يكتب في مؤلفه"تاريخ فلسطين"من وجهة النظر اليهودية:"يجب أن نعترف بأن إعلانا كهذا في بداية القرن الوسيط (قد التزمت به كل الجيوش الإسلامية بعامة) هو إعلان حافل بالإنصاف فهو يتنفس عدالة وتسامحا وما استطاع أباطرة بيزنطة ولا أساقفة الكنيسة أن يعبروا مطلقا عن مشاعر من هذا القبيل باسم ذلك الذي دعاهم إلى دين الحب."

ومنذ الفتح، وما تبعه من سلام وأمان وعدل وإنصاف ـ بدأت الخطوات الإسلامية العملية لتحضير القدس وفلسطين وتعميرها وإزالة آثار الظلم الروماني منهما وكان الخليفة عمر بن الخطاب أول من بدأ تحضير بيت المقدس ونشر الإسلام وتعليم العربية بها وقد أقام رضي الله عنه الدواوين وقام بتقسيم البلاد إداريا وترتيب البريد وإنشاء الحسبة وصك النقود النحاسية، على أحد وجهيها عبارة (محمد رسول الله) ورسم سيف وعلى وجهها الآخر (إيلياء) و (فلسطين) وحرف (ميم) والهلال.

وقد أقيمت في فلسطين الطرق الجديدة، مثل طريق القدس - أريحا، وطريق القدس - الرملة ، وانتشرت المساجد والمدارس التي كانت تعكس على مر العهود الإسلامية مدى الرعاية والعناية التي حظيت بها فلسطين.

ونحن نرى هذا الاهتمام بشكل واضح في تاريخ المساجد في القدس، حيث تقترن به أسماء الخلفاء والولاة والسلاطين عهدا بعد عهد من عبد الملك بن مروان وابنه الوليد إلى الخليفة المنصور العباسي إلى الملك الظاهر الفاطمي إلى صلاح الدين الأيوبي الذي طهر المسجد الأقصى بعد أن حوله الصليبيون إلى كنيسة واسطبل، وطهر مسجد الصخرة الذي جعلوه مذبحا لهيكل الرب المقدس ، ثم إلى السلطان قلاوون وقنصوة الغوري وسليمان القانوني، وعبد الحميد الثاني العثماني، حتى تصل القائمة التاريخية الإسلامية إلى الحاج محمد أمين الحسيني مفتى فلسطين.

وتتكرر هذه الصورة باستعراض تاريخ المدارس ودور تعليم القرآن والحديث.. حتى أنه كان في بيت المقدس وحدها قبل عدة قرون (240) مسجدا ، (10) دور لتعليم القرآن (7) لتعليم الحديث، (20) مدرسة، (70) زاوية للتعليم والعديد من الأسواق كما يروى الرحالة التركي"أوليا تشلبي".

وشهدت فلسطين في العهد العثماني عناية خاصة، بدأت بسليم الأول المتوفي (1520م - 926هـ) الذي أمر بتجديد بناء السور وسليمان القانوني المتوفي (1566م - 974هـ) الذي أقام الطريق وسك"الفضة العثمانية"وامتدت إلى السلطان مراد الذي عمل على استتباب الأمن، وحتى السلطان عبد الحميد الثاني جزاه الله خيرا (عزل عام 1327م هـ ـ 1909م) وما واجهه من جهود الدول الكبرى وجهود الصهيونية العالمية لفتح السبيل أمام اليهود للهجرة إلى فلسطين، وما كان من مواقف الرفض والإباء التي يعدها المؤرخون المنصفون من أكبر أسباب عزله. ومن الأسباب الفاعلة في سقوط الخلافة العثمانية.

الجغرافيا السكانية للقدس:

تعد الفئات الإسلامية والقبائل العربية التي استوطنت القدس بعد الفتح الإسلامي على الرغم من وجود العرب الكنعانيين بفلسطين من الألف الرابع قبل الميلاد، وقد أصبح العرب غالبية كبيرة بعد الفتح الإسلامي فزادت نسبتهم عن 90% من سكان القدس في كل عصور تاريخ الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت