فهرس الكتاب
والمقصود بالصالحين أي: من وحد الله التوحيد الخالص، ونظر إلى أوامر الله فاتبعها، ونظر إلى نواهيه فاجتنبها، وكان عمله خالصًا لوجه الله ـ سبحانه وتعالى ـ فلم يصر على فعلِ صغيرةٍ، فضلًا عن الكبيرة، ولم يصر على تركِ واجبٍ فضلًا عن الفرائض، وكان مكثرًا من النوافل والمستحبات، مستخفيًا بعمله قدر الإمكان، لا يطلب الأجر والثواب، ولا الإطراء والثناء إلا من الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
وهكذا كان دَأبُ الصالحين: فقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حاتم الرازي قال: «حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا سريَّة مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادَفَنَا العدو، فلما التقى الصفان، خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل، فطارده ساعة، وطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكُمّه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يُشنّع علينا (يعني يفضحنا) » (4) وهذا كثير جدًا في أخبار الصالحين.
وقد كان القادة من أهل الإسلام يعتنون بهذا النوع من السلاح أيما عناية.
وحين أبطأ على عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فتحُ مصر؛ كتب إلى عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: «أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر! تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله ـ سبحانه ـ لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف، إلا أن يكون غيّرهم ما غيّر غيرهم، (وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد ـ رضي الله عنهم ـ) فإذا أتاك كتابي هذا، فاخطب الناس، وحضهم على الصبر والنية، وقدَّم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومُر الناس أن يكون لهم صدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة؛ فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة وقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وليسألوه النصر على عدوهم» . فلما أتى عَمْرًا الكتابُ، جمع الناس، وقرأ عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا، ويصلوا ركعتين، ـ ثم يرغبوا إلى الله ـ سبحانه ـ ويسألوه النصر... ففتح الله عليهم (5) .
ومن هنا نهمس في أذن كل مسؤول ممن ولاه الله أمرًا من أمور المسلمين، وخاصةً قادة الجيوش الإسلامية، فنقول: اعلموا أن أوجب الواجبات عليكم، أن تربّوا جنودكم على تقوى الله، وطاعته، مبتدئين في ذلك بأنفسكم، ومن هو دونكم، فإن أنتم فعلتم ذلك نصركم الله على عدوكم، ومكن لكم كما نصر أسلافكم ومكن لهم... وإن لم تفعلوا كنتم سبب تخلف النصر عن أمة الإسلام، وتمكين الأعداء من أمتكم، وبؤتم بإثم ذلك، ثم يستبدلكم الله بقوم يحبهم ويحبونه؛ فيجعل الله النصر والتمكين على أيديهم. فكونوا أنتم أولئك يكتب لكم النصر... و {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .
وهذا بالطبع لا يعني الاستغناء عن الأسلحة التي تصنعها الحضارة، لقول الله ـ تعالى ـ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] . صدق الله.
(1) جامع البيان 2/201. (2) جامع البيان 2/204.
(1) معارج القبول 1/206. (4) البخاري رقم 4054، ومسلم 2306.
(2) فتح الباري 7/311 ـ 312. (5) الفتح 7/455.
(3) البخاري رقم 3995، والفتح 7/395. (6) البخاري رقم 3992، والفتح 7/395.
(1) مسلم 1763. (3) أخرجه أحمد 1/117، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(2) البخاري رقم 4117، والفتح 7/518. (4) تفسير ابن كثير 2/414، طبعة العبيكان.
(1) فتح القدير للشوكاني 5/322. (5) رواه الإمام أحمد، وهو في سلسلة الصحيحة برقم 1604.
(2) البخاري 1481، ومسلم 1392. (6) مجلة البحوث الإسلامية العدد 51، ضمن تصحيح للشيخ ابن باز رحمه الله.
(3) مختصر مسلم 450. (7) تأملات ابن القيم في الأفعى والأفاعي ص 273.
(4) مسلم 1788، ومختصر البخاري 4123، ومختصر ابن كثير للرفاعي 3/480. (8) فتح القدير 2/252.
(9) أشراط الساعة ليوسف الوابل 381.
(1) تفسير ابن كثير 3/375. (4) رواه الترمذي، انظر: (صحيح الترمذي للألباني برقم 2185) .
(2) مجمع الأوائل 6/133. (5) صحيح ابن ماجه للألباني رقم 3269.
(3) فتح القدير 2/587.
(1) البخاري رقم 6502. (3) التدابير الواقية من الزنا في الفقه الإسلامي ص 72.
(2) صحيح الترغيب والترهيب للألباني 764. (4) الطرق الحكيمة ص 259.
(1) تفسير ابن كثير 1/275.
(2) تفسير ابن كثير 2/224.
(3) البخاري 327.
(1) فتح الباري 4068.
(2) شرح النووي لمسلم 18/360.
(3) تاريخ الطبري 3/47.
(4) حياة الصحابة 4/77.
(5) صحيح مسند الإمام أحمد 21/30، 36.
(1) صحيح مسلم 1763.
(2) الفتاوى لابن تيمية 11/277.
(3) الفتاوى لابن تيمية 11/278.
(4) سير أعلام النبلاء 8/393، صفة الصفوة 4/128.
(5) حياة الصحابة 4/474.
فقه الواقع في العمل الإسلامي ضرورة حضارية
د. عبد الكبير حميدي
-مقدمة في الموجبات:
لماذا يجب أن نفقه الواقع؟
فقه الواقع ضروري لأي تخطيط، وإلا ضاع الهدف؛ لعدم تحديد المنطلق.
وفقه الواقع ضروري لأي دعوة إصلاحية، وإلا وضع الشيء في غير موضعه، وأُسنِد الأمر إلى غير أهله.
وبما أن العمل الإسلامي اليوم بكل أشكاله وألوانه يمر في مرحلة غاية في الدقة والحرج، كأنها عنق زجاجة أو سّمُّ خِيَاط، في ظلِّ الجولة الراهنة من الحرب الصليبية ـ الصهيونية ـ على الإسلام، تحت مسمى «الإرهاب» ؛ حيث اتخذت أمريكا والغرب ومن ورائهما الصهيونية العالمية الحركةَ الإسلاميةَ، بكل اتجاهاتها وتياراتها؛ بما فيها تيار الوسطية والاعتدال، هدفًا مباشرًا ومعلنًا لحملتها العدوانية المسعورة. وقد وجدت الأنظمة العميلة الحاكمة في العالم الإسلامي في تلك الحملة فرصة لتصفية حساباتها التاريخية مع الحركات الإسلامية؛ فانخرطت هي الأخرى في حرب العمل الإسلامي، والتضييق عليه، وتجفيف ينابيعه بشتى الطرق والأساليب؛ كالحملات الأمنية والتشهيرية الهوجاء، وإصدار القوانين التعسفية التي تخنق الأنفاس وتصادر الحريات، وإطلاق أيدي المخابرات وأجهزة القمع في الاعتقالات والمداهمات، تحت طائلة التهم الجاهزة، ودون حاجة إلى أدلة أو إثباتات.
وبما أن الأمر كذلك فقد صار تجديد العمل الإسلامي فريضة شرعية وضرورة واقعية، ولا سبيل إلى ذلك بغير فقه الواقع الدولي والإقليمي والوطني الجديد، ذلك بأن تجديد بناء الأمة، وإقامة الدين؛ التي هي الهدف الاستراتيجي للعمل الإسلامي المنظم، يتطلب:
ـ فِقهًا لما به يكون التجديد ـ وهو الدين ـ مُمَّثلًا في القرآن والسُّنّة.
ـ وفقهًا لما له يكون التجديد ـ وهي الأمة ـ ممَّثلة في واقع المسلمين.
ـ وفقهًا لكيف يكون التجديد ـ وهو المنهاج ـ ممّثلًا في كيفية تنزيل الدين على الواقع وإحلاله فيه.
وكل ذلك مرتبط بالواقع بشكل ما من الارتباط. وإذا جاز تصور تحصيل الفقه الأول بمعزل عن الواقع فإن الفقهين الآخرين لا يستطاع تصور تحصيلهما دونه؛ فوجب الانطلاق من «فقه سديد» للواقع في أي محاولة للتجديد الصحيح.