أقول: إذا كان هذا هو وضع اللوطيين في الحضارة الغربية . . فنحن -المسلمين - قد نبأنا الله بما حل بقوم لوط (عليه السلام) . . بل وأرادوا إخراج نبيهم لوط وأتباعه من قريتهم . .. أتدرون ما جريمتهم ؟! لأنهم أناس يتطهرون !! ... تمامًا كما تصنع الجاهلية المعاصرة حيث تسمي من يتطهر من هذه الأوحال بالرجعيين والمتطرفين . . لقد أنزل الله بهم عقابه الذي لا يرد فجعل عالي قريتهم سافلها وأمطر عليهم حجارة من السماء . قال تعالى: (( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ) ) [ هود:82] ، ولما كان قوم لوط في دول الحضارة الغربية قد أمنوا مكر الله وأمنوا عقاب القانون الذي أصبح يحميهم ويكفل حقوقهم المزعومة .. . فقد أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فلم يخسف بهم الأرض ، كما فعل بأسلافهم بل سلط عليهم جندًا من جنوده ، سلط عليهم جرثومة هذا المرض المرعب الذي تنفطر له القلوب هلعًا . . . فالله سبحانه بالمرصاد ولا يهمل الظالمين ولا يغفل عنهم . . . وإنا لنجد في انتشار هذا المرض بالذات وغيره من الأمراض الجنسية في بلاد الغرب ، والتي تؤدي بأصحابها أخيرًا إلى الموت مصداقًا لحدث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه بريدة (رضى الله عنه) إذ يقول: « ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت ، ولا منع قوم قط الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر » (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير رجاء بن محمد ، وهو ثقة) .
وهل شيء في بلاد الغرب أظهر من الفاحشة، وهل يحظى شيء، بقدر من الإعلان والإعلام كما تحظى به الفاحشة؟! أليست تعلن في أجهزة التلفاز بأشرطة الفيديو وعلى المسارح وعلى شواطئ العراة؟... أليس الملايين من البشر يقصدون هذه البلدان سنويًا بحثًا عن هذه البضاعة المزجاة؟..
إذًا؛ هذه سنة الله التي لا تتخلف في القوم المجرمين، فلم يكن مرض الإيدز القاتل معروفًا قبل بضع سنين، وما ظهر إلا بعد أن أصبح للشذوذ قنواته الرسمية والقانونية التي يُمارس من خلالها .
ولعل أكثر ما يرعب علماء الغرب وأطباءه بصفة خاصة هو ذلك المرض الذي يكتنف (فيروس) هذا المرض، حيث فشلت كل الوسائل المتقدمة التي استخدمت حتى الآن للكشف عن ماهية هذا الفيروس وسبل مكافحته... بل ويزيد الأمر خطورة انتقاله حتى لغير الشاذين ومدمني المخدرات ... وإلى أن يتوصل العلم الحديث والتكنولوجيا المتطورة إلى اختراق هذا الغموض وحل هذه الرموز وإيجاد العقار الواقي ... إلى أن يحدث ذلك سيبقى الفزع والرعب جاثمًا على قلوب الغربيين وهذا في حد ذاته عقاب من الله القائل عن حجارة قوم لوط (( ومَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) ) [هود:83] .
ونحن على يقين من أنه ما لم يقلع الغرب -ولن يقلع - عن هذه الفواحش فإن الإيدز لن يكون آخر وباء ينتشر بين صفوفهم . . بل إن سنة الله ماضية إلى قيام الساعة (( ومَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى ) ) [طه:124] وصدق الله العظيم إذ يقول: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإذَا هُم مُّبْلِسُونَ ) ) [الأنعام:44] .
نعم أبواب كل شيء من الخيرات والأرزاق استدراجًا لهم ومن الأمراض الفتاكة والخمور المهلكة والمخدرات القاتلة ، ومن القلق النفسي والاضطراب العصبي والرعب والجرائم ... الخ .
وهذا بخلاف فيما لو آمنوا واتقوا لأصبحت هذه الخيرات والأرزاق بركات عليهم ، كما قال الله تعالى: (( ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ ) ) [الأعراف:96] .
فليقف دعاة الأخذ بهذه الحضارة مع أنفسهم وقفة تأمل وتفكر ، وليعلموا أنهم إنما يدعون إلى مثل هذه الأمراض والإفرازات . . وإلا فنقل محاسن الحضارة الغربية من تقدم صناعي وقتني لا غبار عليه ... لكن دعاة هذا النوع من الحضارة - اليوم - قليل بين أبناء المسلمين ...
أطفال الحضارة المعاصرة... نحو الهاوية
إن ظاهرة الاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال في دول الحضارة المعاصرة تكاد تملأ سمع العالم وبصره منذ سنوات، وخصوصًا من يقدر له أن يعيش في مثل هذه الدول المتحضرة !! .. هذه الاعتداءات تشمل الضرب الجسمي الوحشي، التعذيب بالآلات الحادة، إطفاء السجائر بأجسام الأطفال الرقيقة، السجن في أماكن مظلمة، ربط الطفل في زاوية من زوايا البيت لفترات قد تتجاوز الأشهر ، بل أحيانًا السنوات !! هذا عدا الترك والإهمال بكل معانيه [ الصحية-التغذية - التعليم والتربية .. الخ ] ، والإهانات العاطفية، بيع الأطفال مقابل مبلغٍ من المال ، الطرد والإبعاد عن المنزل في سن مبكرة جدًا .. إلى آخر هذه الأساليب الوحشية المفزعة..
وقد يدهش المرء عند سماع مثل هذه الحالات المذهلة من التعذيب، وقد يصف هذه المجتمعات بالوحشية والبهيمية .. لكنه سرعان ما يتضح له خطأ هذا الوصف والتشبيه إذا علم أن ما يتعرض له أطفال الحضارة المعاصرة من أساليب التعذيب والتفنن فيها إنما يحدث من أقرب المقربين منهم، ممن يقوم على رعايتهم وتربيتهم، بل - وفي كثير من الحالات -من آبائهم وأمهاتهم .. نعم إن الوحوش الكاسرة لتعطف على صغارها بدافع الفطرة التي فطرها الله عليها، والرحمة التي أودعها في قلوبها تجاه صغارها .. بل وأحيانًا تجاه أبناء جنسها .
فليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضًا عيانًا
إن هذه الوحوش لتدفع عن صغارها كل سوء ، وتكدح من أجل تأمين الرزق لها ، وتوفر لها المكان الآمن ، وهي مع ذلك مستعدة للتضحية بحياتها من أجل أن يبقى صغارها ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى دليل ولا إلى كثير من الإيضاح .. ولكن ما لا تتقبله العقول السليمة، ولا الفطر القويمة أن يقوم من كرمه الله بالعقل والفهم والإدراك بمثل هذه الأساليب الوحشية - مع التحفظ على هذه الكلمة - ويصب صنوف العذاب على من؟ على أطفاله وفلذات كبده .. ولو كان الأمر متعلقًا بأطفال غيره أو بأطفال من دول العالم الثالث لهان الأمر، خصوصًا إذا تذكرنا العقلية الاستعمارية التي يتمتع بها كل من الغرب الرأسمالي ، والشرق الملحد ، والتي لا تزال كثير من الشعوب تعاني منها أو من آثارها .
ولنأخذ أعرق هذه المجتمعات مدنية وتحضرًا ، كشريحة من شرائح المجتمع الغربي المتحضر نجري عليها هذا البحث - أعني المجتمع الإنجليزي - فالحكومة البريطانية تستعد الآن لإصدار"كتاب أبيض"يتعلق بمشروع قانون حماية الطفولة المزمع طرحه على مجلس العموم ، وقد وعدت الحكومة بأن تأخذ في الاعتبار اقتراحات وصفت بأنها"دراماتيكية مثيرة"لأنها تعطي الطفل الحق في أن يطلب قضائيًا الانفصال عن أبويه إذا تعرض للإساءة من جانبهما [الشرق الأوسط 4/11/1986] .