4/ إن من شأن الاعتداء على الشعوب المستضعفة أنه قد يؤثر ثقافيًا وروحيًا وعلى الشعب المعتدي نفسه. إن أهم ما يعتز به الغرب - ولا سيما أمريكا - ويتباهى به هو قيمة الحرية والديمقراطية، لكن في الوقت الذي تسوغ فيه إدارة بوش غزوها للعراق بأنه من أجل تحريره وإسباغ نعمة الحرية والديمقراطية عليه، فإنها إضطرت في سبيل ذلك إلى تقييد حرية الشعب الأمريكي نفسه، حتى إن بعضهم ليقول اليوم إن هذه الإدارة لا تؤمن بحرية ولا تتقيد بديمقراطية. والأمريكان والإنجليز لا يختلفون مع رؤسائهم فقط بل إنهم ليتهمونهم بالكذب والغش، وقد ألفت في أمريكا كتب كاملة عناوينها أكاذيب بوش. وهذا من شر ما تبتلي به أمة، وقديمًا قال زياد إن كذبة الأمير بلقاء. هذا مع أن الرجل الذي نظر للإمبريالية الجديدة كان يرى أن يكيل المعتدون بمكيالين يتعاملون فيها بينهم بالصدق والأمانة الشفافية، فإذا اتجهوا إلى غيرهم عاملوهم بالكذب والغش، ويأبى الله إلا أن يكون لمكيال واحد"قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا"وكان من آثاره الخلقية السيئة ازدياد الشعور بالغرور لدى الزعماء القائمين لهذا الاعتداء ولدى الجماهير المؤيدة لهم. وما أكثر ما سمعت المسلمين المتصلين بكتاب ربهم يرددون بهذه المناسبة قوله تعالى عن عاد قالوا من أشد منا قوة. أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة؟
5.وكما أنه كان لهذا الغزو ذلك الأثر السيئ داخل أمريكا، فقد كان له أثر مماثل، بل أشد خارجها. لقد صار كثير ممن كانوا معجبين بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية يتشككون اليوم في صدق أمريكا بالالتزام بها، حتى إنه لتدور في بعض الدول العربية طرفة تقول إن العلمانيين يقولون نحن كنا نريد أن تكون مثل أمريكا كن اكتشفنا أن أمريكا في التي تريد أن تكون مثلنا.
6/ مما ذكره هذا المنظِّر من أسباب لا تساعد على الإمبريالية الجديدة، وهو أمر يتعلق بموضوع القوة اللينة، أن الشعوب الغربية لم تعد تقبل مثل هذا الاعتداء، بل إنها لتعده متناقضًا مع حقوق الإنسان التي صارت جزءًا من ثقافتهم.
7/ إننا نعيش في عصر يسمى بعصر المعلومات، وهو أمر لا يساعد على الأمر الإمبريالية لأنه كان من بين أسبابها المشجعة عليها جهل الأمم الغربية بالشعوب الأخرى، واعتقادهم بأنهم أقرب من يكونون إلى الحيوانات التي لابد من غزوها لغربيتها وتعليمها وتطويرها. أما الآن - ومع أن شعبًا كالشعب الأمريكي ما تزال غالبيته العظمى تجهل العالم الخارجي فإن أعداد كبيرة من مثقفيه بدأت تعرف كثيرا من هذه الشعوب وتقدرها. يحدثني بعض الشباب المسلمين في أمريكا أن من أكثر الناس تقديرًا للمسلمين، احترامًا لهم أجيال جديدة من الأمريكان الذين اختلطوا بالطلاب المسلمين أثناء الدراسة.
8/ مما يساعد الحضارة الغربية ويزيد من قوتها، كون أقطارها اقتنعت بعد تجارب كثيرة أنه لابد لها من أن تتعاون تعاونًا يكاد يصل حد الاتحاد. فهي كلها ذات نظم سياسية واقتصادية وإلى حد كبير تعليمية متشابهة، ومع أن أهلها يتحدثون لغات مختلفة إلا أنهم يحرصون على تعليم كثير من أبنائهم لغات بعضهم بعضًا. فأوروبا الآن تسير نحو اتحاد تتخلص فيه من مفهوم الدولة الوطنية التي بلتنا بها ، ومن مفهوم الحدود الوطنية والمصلحة الوطنية الضيقة. وهنالك تعاون وثيق بين جانبي الأطلسي، ولا سيما أمريكا وبريطانيا. ومما لا شك فيه أن هذا التعاون الوثيق مما يزيد من قوتها في مقابل القوى العالمية الأخرى.
الإسلام والتحديث
التحديث: وصفه، تداعياته وآثاره
د. غازي صلاح الدين العتباني
أول ما يواجه المرء من صعوبة في هذا الموضوع هو المصطلح. إذ يتردد المرء بين استخدام لفظة"التحديث"أو لفظة"الحداثة". والأفضل في نظري استخدام لفظة"التحديث"لأن زنة التفعيل تفيد فعلًا نشطًا ومتجددًا وقاصدًا. وما نحن بصدده يتعلق بالفعل الهادف الذي يحركه المجتمع أو على الأقل تحركه الطليعة التي تقود المجتمع الناهض. وبرغم ذلك يبقى مجال لاستخدام لفظة"الحداثة"لوصف مجمل الظواهر الخارجية التي تتولد من عملية التحديث، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاتجاهات والتفاعلات الداخلية التي هي جوهر عملية التحديث.
وإذ يصعب الاتفاق الفيصل على تعريف دقيق للتحديث، يبدو أنه لا مهرب من شيء من التعقيد عند محاولة وصفه باختصار ربما أخلّ بالمضمون. وقد نقترب كثيرًا من وصف التحديث إذا قلنا إنه"اضطراد تكيف المؤسسات المصاحب لتشكل وظائف الحياة المتغيرة باستمرار مع تنامي المعرفة. تلك المعرفة التي ترافق التقدم العلمي والتقني والتي تجدد تحديات الحياة وتعيد تعريف علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي". والمؤسسات المذكورة في بداية العبارة تشمل المفاهيم، والمناهج، والشخصيات المعنوية كالتنظيمات، ومؤسسات الدولة والمجتمع.
إذن فدالة التحديث هي تنامي المعرفة التي تعيد تشكيل مفاهيم الإنسان وتحدياته باستمرار. والتحديث بذلك ليس ظاهرة طارئة، بل هو ظاهرة متجددة في التاريخ ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالحضارة الغالبة، في حقبة ما، بسلطانها المادي أو المعنوي أو بكليهما. ولربما اتسع وقع جوهر الحضارة على عملية التحديث، أو ضاق، تبعًا لمدى نفوذ تلك الحضارة واتساع رقعتها. فالحضارات الصينية و الهندوسية باعتبارهما حضارتان إقليميتان قادتا التحديث في رقعة أضيق من التي نفذت إليها الحضارة الإسلامية أو الرومانية.
من الطبيعي إذن أن نجد أقوى مظاهر التعبير عن التحديث المعاصر في الغرب. وهذه هي الحقيقة التي تمثل عقدة مفتاحية للعقل المسلم عند تعامله مع مسألة التحديث، ومن الواجب وضعها في أبعادها الصحيحة عند تناول القضية بصورة موضوعية.
لقد ولّد التحديث المعاصر في الغرب مفاهيم وأنماطاَ ونظمًا ما تنفك تتجدد وتتطور بوقع العلم والتكنولوجيا. تمتد تلك الأنماط من الحيز الشخصي للإنسان، إلى أسرته الصغيرة، إلى مجتمعه الواسع، إلى الدولة، إلى العالم بأسره، بل إنها أخذت تتعدى شيئًا فشيئًا إلى بدايات الكون المحيط. ولقد أوجد ذلك حقائق وسنن جديدة في خاصة حياة المرء، وفي علاقاته بالأفراد المحيطين به، وفي علاقات الجماعات فيما بينها داخل القطر الواحد أو ما وراء الأقطار، وفيما بين المجتمعات والدول، وفي علاقة الإنسان ببيئته.
بهذا التولد والتجدد الذي يمضي بصورة متسارعة، أخذت تتهاوى الحقيقة المطلقة أو الثابتة كما أخذت تتبدل المعايير والثوابت فصارت النسبوية منهجًا في النظر والحكم على الأشياء والمسائل. (النسبية هى حالة واحدة، والنسبوية هي النظرية أو السنّة أو المنهج العقلي أو القاعدة المضطردة التي تمضي عليها الأحوال) . وبذلك بدا أنه لا يوجد حق واحد، بل الحق متنوع، وكل سؤال له إجابات متعددة بلا تناه. وعلى صعيد المعرفة والعلم لم يعد هناك مبدأ نهائي واحد متفق عليه، كما أنه على صعيد المجتمع لا يوجد نموذج واحد للأشياء، وعلى صعيد النظم لا يوجد مثال واحد.