فهرس الكتاب

الصفحة 846 من 2255

وإن كانا بكرين: فالجلد مائة، والتغريب عاما.

وفي هذا التغريب شعور بالوحشة، والوحدة، والكآبة، والبعد عن الإلف، والقرابة؛ لعله يتذكر حال مولود يجيء من هذا الطريق، فيعيش في: وحدة، وكآبة موحشة، وبعد، وغربة، وانفصال عن القريب.

ليتذكر كل من تمنى أو أراد فعل فاحشة: أن من الآثار الموحشة لفعله: الإساءة إلى طفل وإنسان، يعيش أبد حياته كسير النفس، مليء الحزن، يدعو باللعنة والانتقام ممن تسبب في حاله.

ليتذكر هذا كل فتى وفتاة، وكل رجل وامرأة..

وليتذكره كل من أسهم ولو بشكل غير مباشر في هذا الجرح.

أيها المستهين بالأعراض، الهاتك لستر الغافلات: هل شعرت بألم هذا الطفل أو الطفلة ؟.

أيتها المستهينة بالعفة، المتلاعبة بنفسها: هل شعرت بألم هذا الطفل أو الطفلة ؟.

هل شعرتما بالجرح الذي في نفس هذا المجروح المسكين البريء، الذي سيكبر، ويكبر الجرح معه ؟.

هل علمتما من كان الذي جرحه، فحطّمه، فجعله كسير النفس، معذبا، يتلوى ألما ؟.

* أنتما ..!!.

حلية الطبيب المسلم

تأليف/ د.وسيم فتح الله

حلية الطبيب المسلم

مقدمة:

الحمد لله علّام الغيوب، والصلاة والسلام على طبيب القلوب، بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وفضله بالشريعة الخاتمة وأكمل به الدين، فكان من كمال شريعته أن جمع إلى طب القلوب عافية الأبدان، وأيده بمعجزةٍ خالدة هي القرآن، فكانت آياته لقلب مَن تدبرها هداية، ولمن استشفى بها بإذن الله دواءً وحماية، فاستغنى المسلم عن التلفت يمنة ويسرة، وباء مَن تحول عن دين المصطفى بالحسرة،:"وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا"1

أما بعد،

فلقد منَّ الله تعالى عليَّ بعد الإسلام بتعلم مادة الطب، وزادت منَّته جل وعلا لما صرفني عن التلهي بظواهره إلى تدبر جوهره، ثم تأملت في ثغراتٍ عديدة ظلت تتبدى لي تباعًا منها ما يتعلق بصيغة تدريس الطب في بلادنا، ومنها ما يتعلق بدواعي طلب هذا العلم بين أبناء جلدتنا، ومنها ما يتعلق بصيغة العلاقة بين الطبيب المسلم ومريضه، ومنها ما يتعلق بمواجهة التحديات العقدية والمنهجية التي يمليها واقع التقدم المادي للكفار، سواءٌ أكانت تحدياتٍ ناجمة عن النوازل الطبية والوقائع المستحدثة التي تحتاج إلى جهدٍ عظيمٍ في تكييفها وتخريجها على مناطات الحكم الشرعي، أم كانت تحدياتٍ ناجمة عن كون مجال الطب سهمًا من سهام قوس التغريب والغزو الفكري والعقدي للمسلم فردًا ومجتمعًا وأمةً، وغير ذلك من الثغرات التي تحتاج منا النظر إلى جنسها ومجموعها كخطوةٍ أولى للتعامل معها قبل الاستطراد في سرد جزئياتها وتفاصيلها لتمهيد التعامل معها.

إن طبيعة التحديات التي تواجه الطبيب المسلم اليوم ليست إلا جزءًا من منظومة تداعي الأمم علينا اليوم، وإن إيقاظ حس المسؤولية وداعي التأهب لمواجهة هذه التحديات ليس إلا جزءًا من منظومة الدفاع الواجب عن بنيان هذه الأمة وصرح هذا الدين العظيم، ولا يمكن أن تُناط هذه المسؤولية الجزئية إلا بأصحاب الخبرة والاختصاص متعاونين ومتكاتفين مع أهل العلم الربانيين الذين يؤصلون لدينا منهج الدين ويؤججون فينا حمية الذب عنه، لترتفع بذلك عن كواهلنا مسؤولية حماية هذا الثغر فلا يؤتى المسلمون من قِبله، فنلقى الله تعالى عاملين بما علمنا، مستنفذين الجهد ما استطعنا، مترددين بين الرغبة والرهبة والخوف والرجاء أن يقبل منا بضاعتنا المزجاة ويعاملنا بكرمه دون عدله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ولما كان التغيير أي تغيير لا بد من أن يراعي انطلاقةً من الفرد المسلم ولو جزئية، كان العزم مني على إيجاز هذه الحلية لتكون للطبيب المسلم وسام فخارٍ وآية افتخار - لا استكبار - على من سواه، ليقول بلسان الحال: أنت مجرد طبيب، أما أنا فطبيب مسلم، ولا فخر..

وهكذا جاءت درر هذه الحلية لتزين كل واحدةٍ منها جِيد صاحبها لا لأجل دنيا أو مصلحةٍ رخيصة أو مركزٍ علمي مرموق فتلك والله هجرة الدنيا، وإنما من أجل أن الله جميلٌ يحب الجمال، ومن أجل أن كلكلم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، ومن أجل أن من لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، ومن أجل أن الله يحب إذا عمل أحدنا عملًا أن يتقنه، ومن أجل أن الله تعالى سائلنا يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه عن علمنا هذا ماذا عملنا به؟ وعن ثغور هذا المجال كيف رابطنا عليها؟ وكيف وقينا أمة الإسلام من أن تؤتى من قِبلها؟ وتلك إن شاء الله تعالى هي هجرة الآخرة ..

فهلم معي أيها الطبيب المسلم نستعرض هذه الحلية ونلتقط من دررها وجُمانها بعض ما يدل عليها، سائلين المولى أن يوفقنا لإقران القول بالعمل، والفكرة بالعزيمة، وما كان في هذه الرسالة من خير فمن الله، وما كان سوى ذلك فبما كسبت يداي فأسأله المغفرة والرحمة، آمين

الفصل الأول: حلية العبودية

وكيف لا تكون هذه أول حليةٍ وقد اختارها الله تعالى أسمى وصفٍ لأشرف مقامٍ لسيد الثقلين محمد صلى الله عليه وسلم فجعل وصف العبودية لازمًا له، قال تعالى:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا"2، وقال تعالى:"وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَدًا"3، فكان مقام العبودية هذا أسمى المقامات وأعلاها لا سيما لمن تحقق بمعانيها بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم حيث أجاب أمَّنا عائشة رضي الله عنها حين سألته عن عبادته وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأجاب:"أفلا أكون عبدًا شكورًا"4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت