فقد أصبح الاستعمار ـ إذن ـ عملًا (إنسانيًا) يسوّغ غزو الشعوب المسماة بالمتوحشة، وفي ذلك يقول (فيري) بكل جرأة واستكبار:"لا بد من القول علنا أن الأعراق المتفوّقة لديها كامل الحق إزاء الأعراق الأدنى".
ورابعة هذه الدعائم: عقلية الاستتباع التي ارتضاها نخبة من ذوي الانبهار بقدرات الاستكبار الغربي ومن فيهم (قابلية الاستعمار) ـ بتعبير مالك بن نبي ـ ومن قَبْلِه علاّمة الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله القائل:"إنّ المغلوب مُولعٌ بتقليد الغالب". فقد عاش بعض (المُتَعَالِمين) من العالم الإسلامي اغترابًا كاملًا عن المقوّم الحضاري, واستجابةً عارمةً للنداء الاستكباري؛ حيث صدّق عليهم الاستعمار ظنه فاتبعوه, واستخفّهم ببُنَاه المعرفية وفلسفته المادية فأطاعوه؛ وصاروا معاولَ هدمٍ في صرح الثقافة الإسلامية ـ كما تراه في كتابات (طه حسين) ، و (أحمد أمين) ، و (علي عبد الرازق) ـ, وعواملَ نقضٍ لمقوّمات الهويّة والذاتيّة الحضاريّة. فقد صنع الاستعمار هذه النُخَب على عينه، وربّى عقولها ووجداناتها وتوجّهاتها ِوفق فلسفات مرجعيّته الفكرية؛ حتى غدَوْا متنكِّرين لِقيَمهم الدينية, مستكبرين على ثقافتهم الذاتيّة.
إذن، فقد كانت أخطر دعائم العلمانية في البلاد الإسلامية: استقطاب الخطاب الاستعماري فئاتٍ أصبحت تمثل منظومة الاستكبار الغربية, لكنها غريبةٌ معزولةٌ في ديار الإسلام،"جُزُرٌ في أوطانها"بتعبير (غريغوار) 7. ويكفي في بيان استضعاف هذه النخبة وانهزامها واستتباعها ما كتبه أحد روادّها (د.طه حسين) :"لقد التزمنا أمام أوروبا أن نذهب مذهبها في الحكم, ونسير سيرتها في الإدارة, ونسلك طريقها في التشريع، التزمنا هذا كلّه أمام أوروبا، وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزامًا صريحًا قاطعًا أمام العالم المتحضر بأن نسير مسيرة الأوروبيين في الحكم والإدارة والتشريع؟ فلو أننا هممنا الآن أن نعود أدراجنا، وأن نجبي النظم العتيقة لما وجدنا إلى ذلك سبيلًا و لوجدنا أن أمامنا عقابًا لا تُجاز ولا تُذلّل, عِقابًا نقيمها نحن, وعِقابًا تقيمها أوروبا؛ لأننا عاهدناها أن نسايرها ونجاريها في طريق الحضارة الحديثة"8!
لماذا فشلت المناهج العلمانية في بلاد المسلمين؟
من أهم أسباب الفشل الذريع الذي وجدته العلمانية في العالم الإسلامي: أنها كانت مصادمةً للثوابت الدينية, وأنّ الذين استوردوها قد أغفلوا الفروق بين الواقع الغربي والواقع المسلم, فأسقطوا التجربة الكَنَسِيَّة البابويةَ المحاربةَ للعلم على واقعٍ مخالفٍ تمامًا؛ فهي شجرةٌ قُطِعت من جذورها. ورحم الله مالك بن نبي حيث قال:"إن شيئًا ما قد يموت إذا قُطِع عن وسطه الثقافي المعتاد"9، وإنّ"الفرد إذا فقد صِلََته بالمجال الثقافي فإنه يموت ثقافيًا"، وكما أنّ لكل مجتمع"مقبرة يستودعها موتاه, فإن لديه مقبرةً يستودعها أفكاره الميتة, الأفكار التي لم يعد لها دور اجتماعي"10، وإنّ من أخطر أشكال العدوى:"ذلك الذي ينقل الأمراض الاجتماعية من جيل إلى جيل"11، و"هذه الجراثيم الخاصة أفكار معدية, أفكارٌ تهدم كيان المجتمعات وتعوق نموها"12.
وأخيرا نُسجّل ـ بناءً على انبتات العلمانية في ديارنا ـ أنّ تحضُّرَ الإنسان لا يكون إلا بتحدُّره من ثقافته كما يتحدَّر الجُمان، وأنّ الخروج من الانحطاط ليس بحثًا وراء المحيطات ولا استغرابًا أو استيرادًا للفلسفات, بل هو تحرير للذات، وانبعاث للثقافة من مكنونات الأمة, واستنهاض ما فيها من قدرات.
[1] العلمانيّون والإسلام، للشيخ محمد قطب: 16ـ17 .
[2] أساليب الغزو الفكري، د. علي محمد جريشة: 60.
[3] راجع: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: 2/690.
[4] راجع: مقدّمات الاستتباع، غريغوار منصور مرشو: 52 - 53.
[5] راجع: مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية، الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مطلع الخامس عشر الهجري. وهو كتاب نافع يقع في مجلدين كبيرين.
[6] انظر: كتابين لـ (هيجل) : دروس في تاريخ الفلسفة، وأساليب فلسفة الحقوق.
[7] مقدمات الاستتباع: 53.
[8] مستقبل الثقافة في مصر، طه حسين: 1/36 - 37.
[9] مشكلة الثقافة، مالك بن نبي: 55.
[10] المرجع السابق: 50.
[11] مشكلة الثقافة: 46.
[12] المرجع السابق: 14.
الفخ في صراع الحضارات فاطمة عبد الله*
في حركة لولبية ومتصاعدة اتخذت مسألة نشر الصحف الأوروبية لصور ورسوم تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم منعرجا خطيرا؛ ليس أقلّه أن هناك من يدفع باتجاه تأجيج صراع مفتعل، وفخّ مهيأ سلفا من دعاة صراع الحضارات أسوة بما كان (بشّر) به جزافا المفكر الأمريكي (صموئيل هنتنغتون) في كتابه (صراع الحضارات) الذي نشره منذ عشرية ونصف.
وعندما نتفحّص في نسق العملية - عملية النشر التي ترد تباعا من عاصمة أوروبية إلى أخرى تحت تعلّة حرية التعبير - نعي تماما أن في الأمر حثّا نحو مخطط، أو فخ أفصح عنه، وحذّر منه وزير الخارجية الإسباني ميغل موراتينوس حين دعا العالم الغربي إلى عدم الوقوع في فخّ من أسماهم دعاة حرب الحضارات..
لكن عندما نستعرض وسائل الإعلام التي نشرت ولا تزال تعيد النشر، والبلدان التي تنتمي إليها نجد طرفا حاضرا غائبا في المشهد وهو الطرف الأمريكي.
إذ أن التعلة - التي تتخذها العواصم الغربية، وصحفها الكبرى التي نشرت، أو أعادت نشر الرسوم المشار إليها - هي حرية التعبير.. في حين أن الصحافة الأمريكية لم تنخرط إلى حدّ هذه اللحظة في هذا الجدل الذي أريد له أن يكون في ميدان العرب والمسلمين، وبوسائل الغرب من الأوروبيين.
هنا يطرح سؤال الحيرة نفسه: من هو الطرف أو الأطراف التي لها مصلحة في اشتعال النار بين الشرق والغرب، وتحديدا بين أوروبا والعالم الإسلامي المتاخم لها جغرافيا، والساكن بين ظهرانيها من خلال ملايين المسلمين الذين يعيشون في قلب أوروبا.
لقد تسارعت الأحداث بدرجة لم يعد معها التحاور ممكنا بالفكرة، والفعل أضحى فيه الكثير من الاستفزاز، وردّ الفعل صار مغمورا بالمشاعر والأحاسيس؛ وهنا لبّ المشكل؛ إذ أن التاريخ علّمنا أن مسّ مقدسات أو محرّمات مجموعة بشرية ما من شأنه أن يؤجج المشاعر، ويجعل المجموعة في حلّ من أي حوار.
الملفت في كل هذا الذي حدث من ردّة فعل شعبية غاضبة أنها لا تعني مفهوم الصراع في شيء، وهي كذلك لا تعني مفهوم الحوار في شيء أيضا.
عندما نتفحص جيدا هذه الأحداث المستجدة على الساحتين الأوروبية والعربية الإسلامية لا بد أيضا من أن نتساءل عن معاني عدة منها: ما معنى هذا التوقيت؟ وما علاقة تلك الرسوم المشينة والمسيئة لمشاعر المسلمين بأحداث العالم اليوم من حروب، واحتلال، وهيمنة؟.. وهي أحداث تسيء لكل من العربي، والمسلم الذي يقع عليه أثرها في حين أن من أصدرت صحفه، ووسائل إعلامه تلك الرسوم، هو الأطراف التي تتحرك، وتقوم بتلك الأفعال التي منها الاستعمار، والسيطرة على مقدرات الغير..
ما أشار إليه الوزير الأسباني كفيل بأن يفتّح أعين الكثيرين ممن اتخذوا من المسألة مجرّد ردّ فعل متخلف من أمة كفّ عطاؤها للحضارة الإنسانية منذ زمن.