فهرس الكتاب

الصفحة 1946 من 2255

وبما أن المثال الواقعي والمترجم عمليًا في أرضية الواقع، هو أبلغ في التمثل والتأسي والاقتداء والاعتبار، ركز القرآن الكريم على هذا الجانب الذي يمثل الجانب القصصي والتاريخي من الكتاب العزيز، فضرب القرآن لنا أمثلة واقعية من واقع التاريخ الإنساني ـ من واقع أهل الكتاب ـ ليبين لنا دور الفرقة وخلخلة الصف في زوال الأمم وانهيارها وذهابها، يقول ـ تعالى ـ: (( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ ) ) [آل عمران: 105] ، ويقول: (( إنَّ الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) ) [الأنعام: 159] .

وإن نظرة إلى واقع المجتمعات الغربية، بما فيها أمريكا وأوروبا، يرى الفاحص المدقق أنها مجتمعات آيلة إلى السقوط وفق هذه السنة الإلهية؛ فهي مجتمعات مريضة من داخلها وإن استحسن الناس ظاهرها، مجتمعات منهارة، متفككة، خربة، وخاصة على الصعيد الاجتماعي. وصدق الله القائل: (( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ) ) [الحشر: 14] .

ولا شك أننا بحاجة إلى دراسات جادة تشخص لنا أسباب الفرقة وعوامل انهيار الوحدة، حتى يتسنى للعاملين في الحقل الإسلامي مواجهتها والتصدي لها وإيجاد الحلول المناسبة. إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرز هذه الأسباب؛ فمنها:

1-الخلل العقدي: الذي يعتبر أكبر العوامل في انهيار الوحدة بين المسلمين؛ لأن من مقتضيات وجود خلل في التصور، وجود خلل في السلوك واضطراب في وحدة الصف، وخذ مثلًا: هزيمة المسلمين وتفرقهم يوم حنين (3) .

2-الغزو الاستعماري: بأشكاله وألوانه، الذي عمل على تمزيق الأمة فكريًا وثقافيًا وسياسيًا وجغرافيًا...

ومن العوامل أيضًا: العصبية والعنصرية، والأطماع الشخصية التي تولد الأحقاد والضغائن والسعي إلى تحقيق الذات ولو على حساب الآخرين، وهذه الأخيرة تمثل ـ في الحقيقة ـ انعكاسًا للخلل العقدي والغزو الاستعماري.

الاختلاف الفقهي هل ينافي الوحدة؟

إن الاختلاف الفقهي وتعدد الآراء ووجهات النظر ضمن إطار الدليل الشرعي وضمن ضوابط الشريعة، وفي إطار مسوغات وحجج مقبولة؛ لا يناقض الوحدة، ولا يعاديها؛ بل على العكس من ذلك؛ فإنه يساندها ويعاضدها ويقويها.

وتعتبر هذه القضية ميزة تتحلى بها الأمة المحمدية؛ لأن الإسلام يمثل الدين الخاتم الصالح والمصلح لكل زمان ومكان، فجاءت نصوص الوحيين تحمل في طياتها إمكانية تعدد الأفهام لمراعاة التغير على مر العصور، ولمواكبة التطورات والتغيرات المستحدثة.

فإن الاختلاف يصبح مذمومًا، إذا كان بعيدًا عن ضوابط الشرع، وبما يؤول إليه من التشرذم والتحزب والتناحر والتحاقد، وإن نظرة إلى واقع التاريخ الإسلامي، نجد أن هذا الاختلاف ـ في مراحل معينة ـ قد استنفد طاقات الأمة، وعطل مسيرتها الفكرية والثقافية والحضارية، وللأسف فإننا ما زلنا نعيش بهذه العقلية إلى الآن، وأعداء الإسلام والمسلمين قد توحد شملهم للنيل من هذه الأمة ومنهجها الرباني.

ومما تجدر الإشارة إليه أن وجود تيارات إسلامية في الساحة الإسلامية، ليس من الاختلاف والفرقة المشار إليها في الحديث: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة..) (4) ، بل هو من تعدد الآراء والاجتهاد وتنوع آليات العمل ووسائله مع الاتفاق على القواعد العامة والمبادئ الكلية، ما دامت تلك الاتجاهات في إطار الاختلاف التنوعي لا اختلاف التضاد.

كما أن لحرية الرأي دورًا كبيرًا في الوحدة الفكرية بين المسلمين؛ يقول الدكتور عبد المجيد النجار (5) : (وقد جعل القرآن الكريم حرية الرأي بمعنى الصدع به وإفشائه بين الناس، أساسًا من أسس الاجتماع في قيام الأمة، والحفاظ عليها، وتمكين وحدتها، وذلك في قوله ـ تعالى ـ:(( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيًَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ(104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ )) [آل عمران: 104، 105] ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صميم حرية الرأي في تبليغه والاحتجاج له، وقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن تعطيل هذه الحرية أو الزهادة فيها يفضي إلى الانقطاع في وحدة الأمة، والانقطاع في صلة العباد بالله، فقال في ذلك: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطرًا؛ أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم) (6) .

(1) انظر: عبد المجيد النجار، دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، ص75 وما بعدها.

(2) رواه مسلم، رقم (2856) .

(3) انظر تفاصيل المعركة: سيرة ابن هشام 4/70.

(4) رواه الترمذي، رقم (2645) ، وقال: حسن صحيح.

(5) دور حرية الرأي،.... ص 47.

(6) رواه أبو داود، رقم 4336.

أي حضارة نريد؟!

بدر مرزوق العتيبي

بنظرة فاحصة في واقع المسلمين اليوم يتبين لك مدى التخلف الذي وصلوا إليه في جانب الدين والعقيدة. وأقصد بالتخلف: التخلف في الواقع.. لا في أساس الدين ـ معاذ الله ـ بل إن الدين الإسلامي هو الدين الحق الوحيد منذ طلوع شمسه، ولا يمكن لحضارة إنسانية أن تسير في النهج الصحيح لها بدونه، مهما ارتقت في الجانب المادي؛ فإن العاقبة معروفة، وسنة الله معلومة.

إن واقع المسلمين اليوم يشكل تخلفًا في فهم بدهيات الدين. نعم في بدهيات الدين فضلًا عن فروعه.. فهناك تخلف في فهم معنى حاكمية الإسلام.. وفي معنى الولاء والبراء.. وفي معنى يُسر الشريعة.. حتى وصل التخلف إلى مفهوم شهادة أن لا إله إلا الله.. نعم حتى الشهادة لم يَعِ معناها الحق كثير من المسلمين وإن كانوا يتلفظون بها في اليوم مرات عديدة..

بل لقد بلغ التخلف في فهم هذا الدين إلى أقصى درجاته في معرفة الرب ـ جل وعلا ـ حيث يوجد في ديار الإسلام من ينكر وجوده، ومن يدعي شريكًا له ـ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ـ.

إذن: أي حضارة نطالب بها؟

إننا لا نريد حضارة جوفاء كحضارة الغرب الكافر اليوم.. لا بد أن يكون سعينا للتقدم والرقي الحضاري من أساسه لا من مظاهره؛ حتى لا تكون حضارتنا جوفاء..

إن الحضارة تقوم على الإنسان أولًا قبل أن تقوم على إنجازاته.

فلا بد أن يكون الإنسان في نفسه راقيًا متحضرًا قبل أن تكون منجزاته كذلك.. ورقيه يكون بتحقيق الغاية التي من أجلها خُلق..

فعلى رِسْلكم يا دعاة الحضارة والتقدم على رِسْلكم.. المضمون أولًا ثم الأثر: الإسلام الصحيح، ثم الاستخلاف في الأرض..

والله من وراء القصد

دور المسلمين الحضاري في تطور العلوم

أ.د. عبد الله بن عبد الله حجازي

من الخطأ أن يُظنّ أن العلم المحمود يقتصر على دراسة علوم الشريعة فقط، وأن ما وراءها نافلة يؤديها من شاء تطوعًا، أو يتركها وليس عليه من حرج...!! هذا خطأ كبير؛ فإن علوم الكون والحياة، ونتائج البحث المتواصل في هذه العلوم في زماننا هذا لا تقل أهمية عن علوم الدين المحضة. وحسبنا أن نعلم أن الإعداد للعدو يتطلب معرفة كل سلاح، وهذا لا يتأتى إلا إذا نفرت طائفة من المسلمين تتفقه في العلوم الكونية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت