كثير من المؤرخين والمثقفين العرب والمسلمين يرون أن الحروب الصليبية انتهت بتحرير بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي وهذا فهم خاطئ بكل تأكيد.. لأن الحروب الصليبية اتخذت في الفكر الغربي مفهومًا جديدًا بعد فك أسر لويس التاسع عشر من مصر وعودته إلى بلاده مرة أخرى.. حيث كتب أن التعامل مع العالم الإسلامي يجب أن يتغير ولا يأخذ شكل الحرب المباشرة ورفع الصليب.
ولذلك يعتبر كثير من المثقفين أن احتلال البلاد العربية والإسلامية سواء أكانت ليبيا 1811م أو الجزائر 1830م أو مصر 1881م أو تقسيم الدول العربية بين دول الإمبريالية الغربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى والاستحواذ على خيراتها ومص ثرواتها وتعطيل تطورها وذرع الكيان الصهيوني على أرضها.. كل ذلك كانت حربًا صليبية أو مرحلة من مراحل الحرب الصليبية التي حافظت على تخلف العرب والمسلمين وأبقت الفجوة كبيرة وواسعة بين الطرفين تمنع النهضة الإسلامية التي تخيف الغرب الإمبريالي الاستعماري الصليبي وعلى رأسه أمريكا وبريطانيا.
بل إننا نقول إن حركة الكشوف الجغرافية التي أصابت الغرب في فترة من تاريخه لم تكن هدفًا بريئًا لاستكشاف العالم الجديد؛ بل كانت مرحلة من مراحل الحرب الصليبية للالتفاف حول العالم الإسلامي وتقطيع أطرافه واحتلال قلبه.
وفي أعقاب موجة الكشوف الجغرافية ظهر مفهوم غربي كاذب وهو مسؤولية الرجل الأبيض نحو تحضير العالم - كما يدعي الأمريكان اليوم الذين يقولون إن مسؤوليتنا تحضير الشعوب المتخلفة (ولو بالقوة) - وتغيير نظمها السياسية ومناهجها التعليمية.
وطبعًا الغرب يريد شماعة دائمًا كي يعلق عليها أهدافه، ويخفي وراءها أغراضه الخبيثة، فوجدوا هذه الشماعة فيما يسمى"الإرهاب".. وهي كلمة معادلة في قاموسهم ل"الإسلام"تمامًا..وجاء تصريح بوش بها كاشفًا لكثير من الخبايا والسياسات.
أفغانستان والعراق.. حملة صليبية جديدة:
ما حدث في أفغانستان واستباحة أمريكا - مؤيدة بالغرب - لكل المواثيق الدولية لضرب بلد آمن لم يفعل لها شيء.. كل ذلك كان في إطار سياسة الاستعلاء الإمبريالي الغربي الصليبي بزعامة بوش؛ فأمريكا بدون تحقيق ولا إدانة دولية توجه أصابع الاتهام إلى حكومة طالبان لإيوائها تنظيم القاعدة، فتحرق الأخضر واليابس وتقتل عشرات الآلاف من الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين وتهدم المساجد والمستشفيات والمدارس، بل وتضرب مواكب العرس والأفراح.
وكأن الغرض الأساسي هو محاربة المد الإسلامي في هذا البلد الفقير وإخافة كل المجتمعات الإسلامية بأن من يسلك سلوك أفغانستان وطالبان فسوف يكون مصيره الدمار والهلاك كما حدث في أفغانستان.
العجيب أن حجة"تحضير ومدنية"الدول المتخلفة التي تتحدث عنها أمريكا قد اختفت بعد أن تحققت الأهداف العدوانية، فالمرافق الأساسية تم تدميرها وإلى الآن لم يحصد الأفغان من الأمريكان إلا الخراب.. بل وزادت المخدرات بنسبة 19 ضعفًا عما كانت عليه أيام طالبان.
وما حدث في العراق كان أكبر وأبشع.. فهذه الدولة التي حققت في يوم من الأيام أعلى معدلات التنمية، أغرى الغرب رئيسها صدام حسين بغزو الكويت ودفعوه دفعًا إلى الخطأ، ثم حاصروه من 1991م وحتى 2003م حصارًا مات بسببه الولدان والشيوخ.. وضربوه باليورانيوم.. ولأنها حرب صليبية فقد غزوا العراق - بلا أي مبرر اللهم إلا النزعة الصليبية الإمبريالية.
لماذا هذه الحملة الصليبية الجديدة؟
بعد أن انهار الاتحاد السوفيتي وانهارت معه الشيوعية ظهرت فكرة العولمة.. وتم تأصيلها فكريًّا وثقافيًّا عن طريق بعض الأعمال الثقافية مثل كتاب نهاية العالم لفوكوياما، وكتاب صدام الحضارات لصمويل هنتنجتون.. يقولان إن النظام الغربي وعلى رأسه النظام الأمريكي هو النظام الأفضل والأنجح ولابد أن يسود العالم بعد خوض صراع مع عدة قوى وعلى رأسها العالم الإسلامي.
وبدأ الغرب يروج لهذه المقولات وتركز الحديث عن الصراع الحتمي مع الإسلام أقصد مع"الإرهاب".. وكأنه لم يبق في العالم أية منظومة ثقافية أو حضارية أخرى غير الإسلام.. ونسي القوم أو تناسوا الثقافة الصينية والهندية والإفريقية واللاتينية.
ولأن مفكري الغرب يعلمون أن هوية الإسلام مستقلة لها سماتها وخصائصها في الجانب الفكري والثقافي والعقائدي؛ فقد ركزوا على ضرورة الاصطدام معه، وفرض الأفكار الغربية عليه، حتى ولو بالقوة.
وهكذا فإن الذين لا يقتنعون بمشروع العولمة الغربي الذي هو امتداد للإمبريالية والحملات الصليبية ليسوا سوى إرهابيين أصوليين.
إن رد الفعل الأمريكي على ما حدث في 11 سبتمبر 2001م ليس مجرد رد اعتبار أو انتقام، إنما هو نتيجة مخزون نفسي وفكري وثقافي قديم تبلورت في فترات زمنية بعيدة المدى.
مشكلة التواجد الإسلامي في الغرب:
يعتقد الغربيون أنه إذا أتيح للإسلام الريادة من جديد، فسوف يقوم أتباعه بنشر الإسلام في كل أنحاء أوروبا وأمريكا، ومن هنا يشعر الغرب بخطر الإسلام داخل بلدانهم.. ولذلك فهم يعملون دون كلل على محاصرة هذا المد الإسلامي قبل أن يقوى.. ولهذا أيضًا اتخذت حربهم ضد الإسلام - بخلاف الحملات الصليبية والتدخل المباشر - أشكالًا متنوعة من التنصير والماسونية والغزو الفكري.
ويظهر في الكتابات الغربية الآن من يقول بضرورة إعادة استعمار الشرق العربي ونشر المسيحية فيه خاصة وأن الغرب - وعلى رأسه الساسة والمفكرون - يزعجه ما يمثله العالم الإسلامي من استقلالية في الفكر والعقيدة والثقافة والانتماء والنهج السياسي والاقتصادي.
لكن ما يزعج في هذا المجال هو أن رجال الإعلام والسياسة في بلادنا قد صدقوا ما تروجه وسائل الإعلام الغربية من أن الغرب ليس في حالة عداء مع الإسلام أو الشعوب الإسلامية.. وإنما هو ضد التطرف والأصولية والحركات الإسلامية لأنها حركات"إرهابية".. وحينما يصدق القوم هذه الادعاءات يتنادون لضرب الحركات الإسلامية ويقعون في الفخ.
وتحاول أمريكا أن توهم المسلمين بأنها تخوض حربًا حضارية وليست حربًا دينية.. ونحن هنا نقول: إن كوبا وكوريا الشمالية من الخارجين على أمريكا.. فلماذا لا تظهر لهم السلاح وتحرك لهم الجيوش؟
لسبب واحد هو أن الحرب صليبية والجيوش لا تتحرك إلا لضرب واحتلال البلاد العربية والإسلامية.
العولمة وغياب المشروع الحضاري العربي
مهنّد ابراهيم أبو لطيفه
قليلة هي المصطلحات التي تثير ضجة كبيرة على الصعيد الدولي، وتخضع لمثل هذا الرصد والتفسير والتحليل، التهليل والرفض والعديد من الفرضيات، مثل الذي خضع له مصطلح العولمة في السنوات الماضية. وهذا مرده أن مصطلح"العولمة"فرض نفسه بقوة ليطال عمق العالم بغرض احداث تغييرات نوعية في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية تقودها ثورة لتكنولوجيا المعلومات ذات طابع كوني، غاية في التطور والتعقيد ولأول مرة في التاريخ الإنساني، وفي ظل غياب توازن دولي على مستوى القوى الكبرى، ما يصطلح تسميته بعصر القطب الواحد.
تطور مصطلح العولمة: