فهرس الكتاب

الصفحة 2124 من 2255

تتحدث دراسة - صدرت حديثًا في ألمانيا، عن المركز الاتحادي للبحوث السياسية، الذي يعتبر من أهم المراكز البحثية المتخصصة في الاقتصاد السياسي والعلوم الاجتماعية، شارك في إعدادها نخبة من المتخصصين في هذا المجال - تتحدث عن تطور مصطلح العولمة الذي ظهر -كما جاء فيها - للمرة الأولى في السبعينات بعد بث صورة الكوكب الأزرق (الأرض) التي التقطت بواسطة الأقمار الصناعية، ليتطور المصطلح مشيرًا إلى الاسواق العالمية الجديدة للبضائع ورأس المال مصحوبًا بثورة الاتصالات والمعلومات التي حوّلت العالم إلى قرية إعلامية صغيرة.

يضاف إلى ذلك تطور اقتصاديات الدول لتتجاوز الحدود وتتداخل فيما بينها، ويمكن تصور حجم هذا التطور إذا علمنا -كما جاء في الدراسة- أنّ أربعين ألف مؤسسة اقتصادية شملها هذا التغيير لتساهم عبر استثماراتها وتعاونها إلى تقليص المسافة بين الدول الصناعية وغيرها في ظل غياب لأجزاء كبيرة من القارة الافريقية عن المشاركة بحكم ظروفها في هذه"العملية التطورية المستمرة للإنتاج واتساع الأسواق في العديد من دول العالم، لتتداخل اقتصادياتها ويكتسب السوق العالمي ديناميكية جديدة تفتح أفاقًا واسعة لكافة القطاعات".

لم تكن العولمة عملية منظمة مائة بالمئة، ولكنها في معظمها نتاج"قرار سياسي للعديد من الدول"مما يفسر هذا الاندفاع الذي يصعب ايقافه وتفسيره واستيعابه. الإرادة السياسية دفعت بالعديد من الدول لتطوير (أو تطويع) سياستها الاقتصادية الخارجية على حساب الاقتصاد الوطني تحت تسميات عديدة مثل: الانفتاح، الخصخصة، الإصلاح الاقتصادي ... مما أدى إلى إفلاس العديد من شركات ومؤسسات القطاعين العام والخاص التي لم تستطع الصمود في وجه هذا المد الهائل المنافس ذي التقنيات والمواصفات. يشير مصطلح العولمة كذلك إلى جملة من التغييرات المراد أن تشهدها جميع جوانب الحياة تحت شعارات الانعتاق والحرية في ظل النظام الجديد من العلاقات الدولية تقرب المسافات بين الشعوب بعيدًا عن التطرف الديني والقومي والاقليمي، وازدياد الاعتراف الدولي بحقوق الأفراد، ونهاية للصراع بين الشرق والغرب، الاهتمام بالبيئة على المستوى العالمي، كما يروج دعاة العولمة.

نحن والعولمة: مواقف بعض المفكرين العرب

اهتم المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي العربي بشكل كبير بكل جوانب العولمة، وحظي هذا المشروع الكوني باهتمام منقطع النظير في جميع هذه الاوساط نتيجة الإحساس المبرر بمخاطره في ظل غياب واضح للمشروع الحضاري العربي ومقومات دخول الألفية الثالثة بشكل يضمن حجم وفاعلية التعاطي مع هذه التغييرات الجامحة.

عُقدت المئات من الندوات وحلقات النقاش والمحاضرات، وصدر العشرات من الكتب التي تناولت هذا الموضوع، ونقدم فيما يلي رصدًا لأبرز المواقف التي اهتمت بالعولمة، بابعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية.

يفيد الباحث الاجتماعي الدكتور سيد ياسين ، أنّ جوهر العولمة هو:

أ ) انتشار المعلومات بحيث تصبح مشاعة بين الناس.

ب) تذيب الحدود بين الدول مما يضرب فكرة السيادة الوطنية أو القومية.

ج) زيادة معدلات التشابه بين الجماعات والمجتمعات، مما يؤدي إلى تفكك الدولة القومة وعجزها عن السيطرة على مقاليد الأمور.

أما الدكتور اسماعيل صبري عبدالله فيؤكد على أنّ العولمة ستقود إلى عجز الدولة القومية عن السيطرة على مقاليد الأمور، ولا شك في تراجع الدولة في البلدان الصناعية المتقدمة وضعفها أمام الشركات متعددة الجنسيات والاتجاه الغالب لتخفيض الانفاق العام ولا سيما في مجال الضمان الاجتماعي، وتصغير حجم الدولة وتسريح الألاف من موظفيها، وأصبح رؤساء الدول والحكومات في زياراتهم الرسمية يحملون عقودًا تجارية خدمة للشركات الكوكبية (ربما مقابل مصلحة شخصية لرجل السياسة أو حزبه) وأصبح أكبر الساسة كمندوبي المبيعات Salesman .

فيما يرى الدكتور جلال أمين أنّ الشركات متعددة الجنسيات، في عصر العولمة، قد حلّت محل الدولة. كما حلت الدولة محل الاقطاعية تدريجيًا منذ خمسة قرون، تحل اليوم الشركة متعددة الجنسية تدريجيًا محل الدولة، والسبب في الحالين واحد: التقدم التكنولوجي وزيادة الإنتاجية والحاجة إلى أسواق أوسع، لم تعد حدود الدولة القومية هي حدود التسويق الجديدة، بل أصبح العالم كله مجال التسويق، سواء كان تسويقًا لسلع تامة الصنع، أو تسويقًا لمعلومات وأفكار، فقفزت الشركة المنتجة فوق أسوار الدولة، وأخذت هذه تفقد قيمتها الفعلية، بل أصبحت أكثر فأكثر أسوارًا شكلية، سواء تمثلت في حواجز جمركية، أو حدود السلطة السياسية، أو حدود بث المعلومات والأفكار، أو حدود الولاء والخضوع... إنني ما كنت لأذرف الكثير من الدموع حزنًا على انحسار سلطة الدولة لولا أنّ الذي يحل محل الدولة هو الشركات العملاقة متعددة الجنسيات.

فاي مؤشر هناك يدلني على انّ الحرية التي أتمتع بها في ظل سطوة هذه الشركات أكبر وأوسع مما كنت أتمتع به في ظل سطوة الدولة؟ هل أنا بحاجة إلى أن أذكركم بما تفعله وسائل الإعلام الحديثة بحرية الرأي والتفكير، أو بما تفعله سطوة هذه الشركات بحرية المرأة ومكانتها؟ أو بمدى تحملها للاختلاف الحقيقي في الرأي؟

يتفق الدكتور محد عابد الجابري مع الطرح القائل أن العولمة"تتضمّن معنى إلغاء حدود الدولة القومية في المجال الاقتصادي (المالي والتجاري) وترك الأمور تتحرك في هذا المجال عبر العالم وداخل فضاء يشمل الكرة الأرضية جميعها".

أما الأستاذ صادق جلال العظم فيعترض على كل محاولات تسطيح مصطلح العولمة، ووصفها بامباراطورية الفوضى، أو بالمملكة، أو كونها عالم بلا دولة، بل هي رفع الدولة إلى تركيب أعلى، مما يعني التعديل في دورها ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، ويقول:

"العولمة هي رسملة العالم على مستوى العمق، بعبارة أخرى، إن ظاهرة العولمة التي نعيشها الآن، هي طليعة نقل دائرة الإنتاج الرأسمالي -إلى هذا الحد أو ذاك- إلى الأطراف، بعد حصرها طوال هذه لمدة كليًا في مجتمعات المركز ودوله. بمعنى إعادة صياغة مجتمعات الاطراف وتشكيلها على الصورة الملائمة لعمليات التراكم المستحدثة في المركز ذاته. إنّ صعود مرحلة عالمية دائرة الإنتاج ونشرها هي ما نسميه اليوم بالعولمة. وهي حقبة التحول الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافئ".

إنها نقلة نوعية في حياة الرأسمالية التاريخية من التبادل والتجارة إلى الإنتاج. وهي لا تساوي الفوضى، أو هي الفوضى لا أكثر، ورغم كل التناقضات، فإن عملية العولمة تدار بكليته من مواقع المركز بكفاءة عالية، إنّ فينومينولوجيا العولمة كما أرصدها حاليًا، تعمل في الغالب لا على تغيير العالم ولا على فهمه، ولا على تفسيره، بل تعمل على تكريسه وتسويغه وتبريره وعقلنته على حساب الطرف الأضعف في المعادلة.

وفي ندوة لدار المدى في دمشق حدد مجيد الراضي (مدير تحرير المجلة) أنّ جذور العولمة: فكرية، ثقافية، دينية كامنة،"وهي ليست قبولا بالآخر كحامل لثقافة مختلفة بالاستناد لمعطيات معينة، وإنما محاولة سافرة من الأقوى لابتلاع الآخر - الأضعف والمختلف ثقافيًا - من جذوره... إنّ انتصار الرأسمالية لا يعني نهاية التاريخ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت