فهرس الكتاب

الصفحة 1571 من 2255

وفي الحقيقة فإن ما حدث انحطاط حضارة، وانحطاط إدارة، وانحطاط قادة عسكريين، وانحطاط جنودٍ لا يلغي انحطاط إحداها الأخرى، وإذا حاولنا أن نفحص ونتأمل الممارسات والانتهاكات التي تمت، وأصبحت معروفة بشهادة الشهود، أو الصور.. نجد أنها دارت على نطاق واسع طالت حوالي مائة ألف معتقل على حد تقدير منظمات حقوق الإنسان، وأنها لم تكن قاصرة على سجن أبي غريب وحده، وأن من قام بها ليس الأمريكان فقط بل البريطانيون أيضًا، وأن التعذيب والقهر طال من هم خارج السجن؛ فهناك عمليات اغتصاب نساء بعد خطفهن سواء عن طريق دهم البيوت وقتل الأزواج، أو تفتيش السيارات ثم قتل الأزواج والأولاد واختطاف الزوجات (حالة سعدية نور الدين) وهناك اغتصاب سجينات عراقيات داخل السجون، وقد أصدرت السجينات المفرج عنهن بيانًا يؤكد تعرض المعتقلات في سجن أبي غريب للاغتصاب، وأن بعضهن فقدن عذريتهن، والبعض الآخر يحملن أجنة من حرام في أحشائهن، وقال البيان بالحرف الواحد:"إن المعتقلات تعرضن لاعتداءات جنسية من قبل جنود الكفرة وأعداء الله وأنهن تستصرخن الرجولة والنخوة باسم الدين والعرض".

من أساليب التعذيب أيضًا إدخال نساء عارياتٍ على علماء دين ، وهذا بالطبع نوع قاس من الإذلال والإهانة، ، سكب الماء البارد على المعتقلين وهم عراة، ضربهم بأيادي المقشات والكراسي، وضعهم في سائل كيميائي، واستخدام الكلاب لترويعهم، اغتصاب المعتقلين جنسيًّا، وإجبارهم على اتخاذ أوضاع مشينة، وضع أطواق الكلاب حول رقاب المعتقلين، وجرهم بالسلاسل على الأرض، استخدام الكلاب المدربة لتخويف السجناء، ولا مانع أن تنهش لحومهم، التقاط صور الضحايا الأحياء بجوار جثث القتلى والموتى، التخويف بإطلاق الرصاص والتهديد بالإعدام، لف الرؤوس بأكياس، الضرب في أجزاء حساسة من الجسم، وضع عصا المكنسة في المؤخرة، الوقوف بالأحذية على الأجسام العارية، تصوير السجناء والسجينات عرايا تمامًا، وإجبار الرجال على الاشتراك في أوضاع جنسية شاذة، وتصوير ذلك، الإصرار على ارتداء الشباب ملابس النساء وتصويرهم، التعذيب بالكهرباء.

وبتحليل تلك الممارسات نجد أن الهدف منها ليس الحصول على اعترافات؛ بل مجرد الإهانة للإهانة، وهو ما يكشف عن عنصرية واضحة، وسادية، وشذوذ؛ فعندما يتبوّل جندي على معتقل عراقي، ويشعر بالسعادة والابتسام كما جاء في إحدى الصور؛ فإن ذلك يدخل مباشرة في باب التحقير، والعنصرية، وعندما تقوم مجندة أمريكية بسحب عراقي بسلسلة كلاب وهي تبتسم فإن الأمر يرتبط بالإذلال والمهانة والتلذذ بتحويل آدميٍّ إلى حيوان، وعندما يتم تصوير ذلك، وإرسال الصور إلى الأصدقاء في أمريكا وبريطانيا فإن الأمر لا يعبر في الحقيقة إلا عن انحطاط حضارة، وشذوذها، وساديتها، وإجرامها، وليس هناك تفسير يصلح لشرح تلك الظواهر غير هذا التفسير.. أما المحاولات الغبية لتفسير الظاهرة بشكل جزئي فهو جزء من المؤامرة على عقولنا ووجداننا، وإبعادنا عن الاستنتاج الصحيح، وهو أنه لا طريق هناك سوى المقاومة ضد أمريكا وإسرائيل، والتحالف الشرير في كل مكان وزمان.

آفة الانتحار في المجتمعات الغربية

إدريس الكنبوري 28/4/1423

رغم مظاهر الرفاه والرخاء في المجتمعات الغربية وبريق التقدم المادي ، فإن المجتمعات الغربية تعيش أزمة خطيرة، حتى إن تلك المظاهر تبدو معها مجرد مظاهر خادعة لا ترقى إلى التعبير عن حقيقة ما يعيشه الإنسان في الحضارة الغربية المادية من قلق، وحزن دائم، واكتئاب، ويأس وفراغ روحي، وفقر عاطفي مريع ، فقد تحولت حياة الأفراد في الغرب إلى جحيم بعد أكثر من قرن من التقدم المادي المتتالي الذي وفّر جميع الإمكانيات والوسائل التي تتيح تيسير سبل الحياة على الأرض للمواطن الغربي ، لكنه نسي أن يوفر لهذا المواطن الحياة السعيدة ، وأدخله في نفق مغلق من الركض بحثا عن الذات والشعور بالطمأنينة والأمان ، فقد تم مسلسل التقدم المادي بعيدًا عن القيم بل في صدام قوي وعنيف معها ، وكانت النتيجة ما تتناقله التقارير الغربية ، الأوروبية والأمريكية ، والمنظمات الدولية ، دون أن يفوتها دقّ ناقوس الخطر ، والبعض يخرج علانية بنقد قوي لنموذج الحضارة الغربية المادية ، داعيا للعودة إلى القيم والالتفات إلى الجانب الروحي للإنسان الذي تم إهماله حقبة طويلة من الزمن .

والتقارير حول ظاهرة الانتحار، التي ما فتئت تتقوى عاما بعد آخر في الدول الغربية جديرة بأن تكشف أحد الجوانب الأكثر خطورة في النموذج الحضاري الغربي ، فقد عمت هذه الآفة الاجتماعية جميع البلدان الغربية، وبدأت تطرح على المسؤولين، والأخصائيين النفسانيين، والاجتماعيين أسئلة كبيرة للغاية ، خصوصا وأن هذه الآفة أصبحت تمس الشباب و المراهقين في السنوات الأخيرة ، وتجاوزت نسبة المقدمين على الانتحار وسط هذه الفئة معدل النسبة وسط فئة المسنين والعجزة . في فرنسا على سبيل المثال تسجل كل سنة اثنتا عشرة ألف حالة وفاة بواسطة الانتحار ، وهو عدد يفوق بمرة ونصف عدد ضحايا حوادث السير في فرنسا ، وتضع الإحصائيات حول ظاهرة الانتحار فرنسا على رأس دول أوروبا الأكثر عرضة لهذه الآفة بعد الدنمارك والنمسا وفنلندا ، فكل يوم يحاول ما يقرب من 400 فرنسي وضع حد لحياتهم بإرادتهم ، ولم تتغير هذه النسبة في السنوات بين 1980 و 1999 ، ومنذ سنة 1990 تضاعف عدد المنتحرين في صفوف المراهقين ( 15-19 سنة ) ، وازداد بثلاثة أضعاف ونصف في صفوف الشباب بين سني 25 و 34 سنة ، وقد أدى شيوع هذه الظاهرة ونموها بوزارة الصحة الفرنسية إلى أن يعد الانتحار أولوية في برامجها .

أما في ألمانيا فإن ما يقرب من أربع مئة مراهق يغادرون الحياة كل سنة، بسبب الانتحار لدى المراهقين الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين سنة؛ الانتحار المرتبة الثانية في أسباب الوفيات بعد حوادث السير ، أما عدد المراهقين الذين يحاولون الانتحار ولا يوفقون بسب تلقيهم الإسعافات، أو الإنقاذ في اللحظة الأخيرة فهو يتجاوز الرقم المذكور بثلاثين مرة ، وحسب الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة الألمانية فقد أقدم 12888 شخصا على الانتحار في عام 1995 وحده ، أي أكثر بكثير من ضحايا حوادث السير في تلك السنة ، بينهم 286 تتراوح أعمارهم بين 15 و20 سنة ، و520 بين 20 و25 سنة ، وكانت الوسيلة الأكثر استعمالا للانتحار هي الشنق أو القفز من علوًّ شاهقٍ ، أو بواسطة التسمم، وهو الوسيلة الأكثر رواجًا .

ارتفاع مهول

إن عموم الدول الغربية تعيش هذه الآفة التي أصبحت تهددها بالتآكل والضياع ، وقد أثبتت منظمة الصحة العالمية في تقرير السنة الماضية الذي تم تجميعه من مئة وخمس دول، أن النسبة السنوية المتوسطة للانتحارات ما بين 1950 و 1995 قد انتقلت من 1 . 10 إلى 16 في كل ألف شخص ، بزيادة بنسبة 60 في المئة ، وهو رقم غير صغير . وحسب تقرير المنظمة المذكورة يبقى الانتحار مسؤولًا عن الموت أكثر من النزاعات المسلحة وحوادث السير في الطرقات ، وسجلت في السنة الماضية وحدها أرقامًا تثير القلق لأعداد المنتحرين ، وهي كما يلي: 87 ألفًا في الهند ، 52500 في روسيا ، 31 ألفًا في الولايات المتحدة الأمريكية ، 12500 في ألمانيا ، 11600 في فرنسا و 11 ألفًا في أوكرانيا .

تكلفة الحضارة المادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت