فهرس الكتاب

الصفحة 1757 من 2255

إن الكاتب لا يجد حرجًا في الأخير ليقول أن كل عيوب نموذج الديموقراطيّة الغربيّة هي في ذات الوقت أسباب تقوّي الإسلام الأصولي؛ بدليل أنه لا يتورّع في أن يستنتج خلاصة:"إن إصرارنا على التغاضي عن مثل هذه السلوكيّات لن يؤدي إلا إلى تشكّل طابور خامس قد يفرز حتما حربًا أهلية".

الصدام الجنسي للحضارات!

محمد أبو رمان 7/1/1427

يمثل"الإصلاح الثقافي"أحد الأبعاد الرئيسة في الدعوات الأميركية إلى إصلاح العالم العربي، والتي شهدت طفرة حقيقية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي الوقت الذي نجد فيه تفصيلًا وشرحًا وافيًا لمعاني ومؤشرات الإصلاح السياسي والاقتصادي المطلوب، فإن المقصود بالإصلاح الثقافي مازال ضبابيًا، وتعتريه حالة من الغموض والاختلاف حتى داخل الأوساط الثقافية والسياسية الأميركية.

بعض الرؤى الأميركية تقرأ الإصلاح الثقافي من خلال الدعوة إلى إصلاح المناهج التربوية، وتطوير الخطاب الديني، وتصحيح إدراكات المسلمين فيما يتعلق بالجهاد و"الآخر"، والقبول بالديمقراطية والتعددية ومبدأ التعايش الديني والحضاري. وتتوافق هذه الرؤى في خطوطها العامة مع نظيرتها لدى التيار الثقافي العام في العالم العربي والإسلامي، والذي يرى أن المجتمعات العربية والإسلامية اليوم تحتاج إلى إصلاح ديني-ثقافي، يؤدي وظيفة حقيقية في انتقال المجتمعات من حالة التخلف والركود إلى النهضة والإصلاح. كما أن الإصلاح الثقافي ضرورة تفرضها مؤشرات الواقع الإسلامي الذي يكتوي بعلامات التراجع الثقافي والمعرفي، وازدهار بعض الحركات المتشددة، وغياب دور المراكز البحثية والعلمية في التخطيط والمعرفة المؤثرة في المجتمعات العربية. وقد أتت تقارير التنمية الإنسانية العربية، ولا سيما التقرير الأول حول حالة المعرفة العربية، لتؤكد الملاحظات السابقة.

إلاّ أن هناك رؤية أميركية أخرى للإصلاح الثقافي المطلوب، تتبناها بعض مراكز الخبرة والرأي في الولايات المتحدة. وفي تقديري، فإن هذه الرؤية تعكس بدرجة أدق النظرة المركزية الغربية للآخر، وتستبطن المنظور الحقيقي للمثقف الأميركي تجاه الآخر. وهو ما يفسر الحديث الأميركي المتكرر حول قضية حقوق المرأة، وحقوق المثليين الجنسية، والعلاقات الجنسية قبل الزواج، والتعددية الثقافية في العالم الثالث، بدرجة تفوق كثيرًا ما هو معمول به في أعتى الديموقراطيات الغربية.

ومن أبرز الدراسات التي تكشف عن هذا المنظور دراسة الخبير الأميركي أنغلهارت في مجلة السياسة الخارجية (Fo صلى الله عليه وسلم eign Policy) ، (أكتوبر 2003) ، وهي من المجلات المعتبرة في الولايات المتحدة. تحمل دراسة أنغلهارت عنوانًا معبرًا عن مضمونها الفكري والسياسي، وهو"الصدام الحقيقي للحضارات". إذ يرى أنغلهارت أنّ الصدام الحقيقي للحضارات ليس بين القيم الثقافية السياسية، بل بين القيم الجنسية!

وتقوم الفكرة الرئيسة للدراسة على أنّ صمويل هانتنجتون في أطروحته"صدام الحضارات"يصيب نصف الحقيقة المتمثل بأنّ الثقافة باتت أمرًا مهمًا بالنسبة للشعوب في العالم، وأنّ الصراع العالمي -في المرحلة القادمة- يكمن في الجانب الثقافي. إلاّ أن المشكلة ليست، كما يظن هانتنجتون، مرتبطة بالقيم السياسية في العالم الإسلامي، فنتائج الاستطلاعات العالمية تظهر أن الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة أصبحت قيمًا مرغوبًا فيها، ومطلوبة بشكل كبير في المجتمعات المسلمة، وهكذا فإن المشكلة الحقيقية تتمثل في المعتقدات الأساسية لهذه المجتمعات المرتبطة بالثقافة الاجتماعية.

ولإثبات مقولته، يحلل أنغلهارت استطلاعات رأي واسعة أُجريت داخل المجتمعات الإسلامية، ليصل إلى أنّ الشعوب المسلمة أقل تسامحًا تجاه المساواة بين الجنسين، وحقوق المرأة، والعلاقات الجنسية، وحقوق المثليين؛ وبعبارة أخرى، فإن الصدام الحقيقي للحضارات هو صدام حول المفاهيم الجنسية التي تعكس التباين القيمي الحقيقي في المعتقدات الأساسية بين الشعوب العربية والغربية.

إذن،"المشكلة الثقافية"في العالم العربي والإسلامي تكمن، وفقا لتيار كبير داخل الفكر السياسي الأميركي، في القيم الاجتماعية والثقافية، وبالتالي فإن المطلوب هو إيجاد حالة ثقافية ممسوخة، قائمة على المحاكاة الكاملة للنموذج الثقافي الغربي. لكن السؤال هو: أي نموذج؟ فإذا كان أنغلهارت يتحدث عن عدم تسامح تجاه المثليين جنسيًا، والعلاقات الجنسية قبل الزواج، فإن أحد العوامل الرئيسة التي ساهمت في انتصار الرئيس بوش في معركته الانتخابية الأخيرة هو رفض المحافظين الجدد لـ"الزواج المثلي"، وتأكيدهم على القيم الدينية المحافظة للمجتمع الأمريكي، بينما تنطلق أصوات نخبة من الكتاب في العالم العربي تطالب بإصلاح ثقافي على طريقة أنغلهارت!

للأسف الشديد، فإن النموذج الثقافي المرحّب به، والذي يلقى قبولًا لدى تيار واسع من المثقفين والكتاب والسياسيين الأمريكيين هو"النموذج التغريبي"، الذي يندفع بعيدًا في محاكاة الثقافة الغربية في المجتمعات العربية والإسلامية. وأي جانب من الثقافة الغربية؟! المظاهر السطحية التي ترتبط بقيم اجتماعية ونمط ثقافي استهلاكي لا يلتفت أبدًا إلى الجانب الإنتاجي من هذه الثقافة، ولا حتى إلى دور الدين في المجتمع، ولا إلى معاني نحن أحوج ما نكون إليها اليوم: المؤسسية، والحفاظ على الوقت، وتقديس العمل والجهد، والمنطق العلمي في التعامل مع الأمور، والمعايير الموضوعية في التقييم والإنجاز... الخ. فالغرب- لدى فئة من الشباب العربي الملحقين بالثقافة الغربية على طريقة أنغلهارت- لا يزيد عن وجبات سريعة، وموضات اجتماعية، وحياة استهلاكية مبتذلة!

ما تجدر ملاحظته في هذا السياق، هو أن الفكر الإسلامي في عصر النهضة، في بدايات القرن المنصرم، كان سباقًا إلى الدعوة إلى إصلاح ثقافي-ديني في العالم العربي، وإلى الإفادة من الحضارة الغربية، لكن في الجانب الإبداعي المفيد الذي يحرك العقول ويدفعها إلى الإنتاج والعطاء، وهو ما تحتاج أن تتعلمه المجتمعات العربية بالفعل من الغرب.

نعم، ثمة ضرورة للإصلاح الديني والثقافي في العالم العربي، لكن في سياق محترم يقوم على فكر إسلامي مستنير، ينطلق من الإسلام وقيمه الإنسانية، ومن الخصوصية الحضارية والثقافية، التي لا تعني اضطهادًا للمرأة، أو الأقليات، أو حتى الحريات الدينية؛ لكنها لا تعني، في الوقت ذاته، انسلاخ المجتمعات الإسلامية عن قيمها وثقافته

حول نهاية التاريخ وسقوط الإيديولوجيات

أ.د عماد الدين خليل 24/1/1428

أما نهاية التاريخ التي قال بها المنظر الأمريكي (فرنسيس فوكوياما) فلا تعدو أن تكون افتراضًا، وهو إذا أحلناه على قوانين الحركة التاريخية نفسها يغدو افتراضًا مستحيلًا...

ذلك أن البشرية فُطرت على التغاير والتنوع والاختلاف، وهي معطيات تعكس نفسها على مرآة التاريخ حينًا، والجغرافيا حينًا آخر، وبصيغ شتى قد تبدأ بلون البشرة واللغة، والعادات والتقاليد الأولية، وتنتهي بالنشاط أو الفعل الحضاري بمفهومه الشامل.. وكل المحاولات التي جرت لإلغاء هذه الحقيقة أو تجاوزها، أو القفز عليها، آلت إلى الفشل.

و ( فوكوياما) نفسه عاد، بعد سنوات من إصداره كتابه المعروف، لكي يغير ويبدل في بنيته الأساسية، ولكي يعطي المجال للتغاير المحتوم بين الأمم والجماعات والشعوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت