والدكتور (دي سانتيلاتا) كتب في فصل المشرق"الشريعة والمجتمع"من كتاب (تراث الإسلام) :"من المحتمل ـ بالطبع ـ أي شيء لأي شخص؛ لأن كل طيبات الدنيا قد خُلقت من أجل الإنسان، ولكن بصدد تنظيم الملكية، وضع الله حدًا لهذا الحق، وهذا مكّن كل فرد أن يتعرّف على ما أفاءه الله عليه ـ خاصة ـ من نعم وفيرة، بين ما أودعه الله في هذا الكون عامة من رصيد الثروة، وكان في هذا ضمان وتأمين للنظام الاجتماعي ـ أيضًا .. ولكن من الخطأ: الظن أن التملك حق غير محدود .. إن طيبات الأرض تُمنح للشخص من أجل تعزيز كيانه ـ أي لاستخدامها استخدامًا نافعًا لا لتبذيرها وفقًا لنزوة، وبمتابعة قواعد القرآن والسنة، نجد الشريعة الإسلامية تدفع أي استهلال للثروة في غير الاستعمال الصحيح بأنه صورة من صور الإسراف الذي تعدّه الشريعة مرضًا عقليًا .. هذه الشريعة تؤكد الاعتدال والتوسط في استعمال الثروات بما يكون أقرب إلى موافقة الشرع، ومقصد الخالق من الإنعام بهذه الطيبات على الناس". هذه شهادة للإسلام من كاتب غير مسلم، وهو يوضح أن حق الملكية الخاصة في الإسلام، لا يمكن مزاولته لاستبعاد الآخر
سذاجة الديمقراطيّات الغربيّة !
عبد الحق بوقلقول -الجزائر- 5/7/1426
تحت هذا العنوان كتب (جاك ميار) النائب عن حزب الـ (UMP) "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، الذي يقوده وزير الداخلية الفرنسي (نيكولا ساركوزي) ، في يومية (لوفيغارو) الواسعة الانتشار يقول:"لقد توصل أكثر المعلقين اطّلاعًا على دقائق الأخبار العالمية إلى أن أجهزة الاستخبارات الغربية باتت تدرك الآن أنها تحقق الإخفاق تلو الآخر ، مثلما هي حالة البريطانيين الذين سجلوا هجومًا منظمًا ثانيًا خلال فترة أسبوعين فقط ، على الرغم من أنهم كانوا قد صرّحوا علنًا بعدم جدوى رفع حالات التأهب"؛ ولأن الحال هكذا فالحقيقة التي وصل إليها هذا اليميني الفرنسي تتمحور أساسًا حول خلاصة واضحة مفادها أن"درجة انعدام الخطر معدومة".
هنا يتساءل الكاتب قائلًا:"لا أحد بإمكانه أن يشكّك في احترافية أجهزة الاستخبارات ومدى صدقها في عملية مواجهة الخطر المحدق، ولكن هذا يقودنا إلى التساؤل عن السبب الحقيقي في تكرّر مثل هذا الخفقان الأمني"، ويصل الكاتب إلى الاستنتاج أن السبب وراء هذا هو"سذاجتنا نحن الغربيين، سذاجة الديمقراطيّات الغربيّة المستلهمة من مفاهيم التسامح و حرية التعبير و حقوق الإنسان".
من هذا المنظور يعيد الكاتب طرح الإشكالية التي أفرزتها هجمات لندن، فهو بعد أن يبعد المسؤولية عن الأجهزة الأمنية يقول:"أحداث لندن تكشف إخفاقًا مزدوجًا، وتطرح مشكلة مجتمعيّة أساسيّة"، والواضح فيما كتبه هذا النائب بالجمعية الوطنية الفرنسية أن المشكلة القديمة بين العالمين الفرانكفوني و الأنجلوسكسوني لا تزال تظهر عند كل مرة على الرغم من أن المتأمل لحقيقة التوجهات السياسية العالمية الحالية لا يلاحظ تمايزًا كبيرًا بين وجهات النظر في مثل قضايا الأمن المشترك، و التحدّيات التي تواجه الحضارة الغربية بشكل عام بدليل أن صاحب المقال يقول:"الإخفاق يثبت بداية إخفاق النموذج الأنجلوسكسوني المتعدّد الثقافات والطوائف المطوّر من قبلهم بناء على تقاليدهم الليبراليّة، والتي سمحت على مر السنين و بعيدًا عن كل عقاب بتشكل حركات إسلامية متشددة، معاكسة تمامًا للتقاليد الديمقراطيّة الغربيّة"إلا أنه يعترف هنا من زاوية مناقضة تمامًا لأحكامه الابتدائية حينما يؤكد:"طريقة فهم الإسلام التي تميّز الحركات الأصولية تجعل منها مشكلة لا تقبل الانحلال، لا في المجتمع الأنجلوسكسوني، ولا حتى داخل المنظومة العلمانية في النموذج الفرنسي".
وإذا كان صاحب المقال لا يلاحظ التناقض الصارخ الذي وقع فيه هنا فإنه يقفز على بناء فكرته و يتساءل:"ماذا يريد الإسلاميون؟"و يواصل من غير أن يكون أمينًا في نقل حقيقة تنوّع درجات و مدى وعي الحركات الإسلامية في العالم أجمع ليستخلص قائلًا:"إن الإجابة بسيطة للغاية، إنهم يريدون تغيير المجتمعات لأجل تطبيق مفاهيمهم حول الصورة التي ينبغي أن يكون العالم عليها، الإسلام و شريعته"!
حينما يصل الكاتب إلى هذه النتيجة التي يرى أنها وحيدة و غير قابلة للتعديل لا يكلف نفسه حتى عناء التساؤل: إن كان من الممكن التعايش مع مثل هذا النموذج من النظرة السياسية المخالفة؛ فهو يتحوّل مباشرة إلى نهاية المشكلة و يقول:"كيف يمكننا مع هذه الظروف أن نحارب هؤلاء المتعصبين الذين يستغلون قيمنا عن الحرية لأجل أن ينشروا عقيدة القتل عندهم؟"ثم يشرح أن هؤلاء"القتلة"يجيدون استغلال التنوّع العرقي، و نهضة المطالب الثقافية والدينية من خلال تنشيط جاليات مسلمة متزايدة منذ عدة عقود في فرنسا و كل أوروبا.
هنا يحاول الكاتب أن يجد تفسيرًا سوسيولوجيًا لمثل هذه الظاهرة؛ فبحسب رأيه لا يمثل هؤلاء المتعصبون غير أولئك الشباب من الجيل الثالث للمهاجرين بما أن أغلبهم- حسب قوله ً- يعانون إخفاقًا اجتماعيًا و يجدون صعوبات جمة في سبيل اندماجهم، و من هنا فهم يحاولون العودة إلى الجذور التي ينحدرون منها، و بالتالي يتولى إسلاميون آخرون مهمة تجنيدهم، وغرس قيم النضال فيهم، والنتيجة التي يصل إليها في مقابل هذا أن أسباب تطور الإسلام الأصولي أساسًا هي الفقر و البطالة و العزلة الاجتماعية، و بالتالي يجب التكفل بهذه المشكلات مثلما يؤكد أن الإسلاميين يستغلون هذه الظروف أحسن استغلال، حتى وإن كانوا لا يهدفون إلى محاربتها، واستئصالها بقدر ما يسعون إلى إيجاد نموذج مجتمعي قوامه القوانين القرآنية.
إنها ليست المرة الأولى التي تجد الديمقراطيات الغربية فيها نفسها ملزمة على الوقوف في وجه هذا التهديد؛ فالنائب الفرنسي يستشهد في هذا الخصوص بمثال الناشطين الشيوعيين في بداية القرن الماضي، والذين كانوا يهدفون إلى إقامة مجتمعات خالية من الطبقات من خلال تأسيس ديكتاتوريات بروليتارية - وهو يقرّر هنا أن محاربة هذا التحدي لا تعني محاربة دين بذاته؛ لأن مآل هذا باعترافه:"سيكون الإخفاق فهذا مخالف لقيمنا القائمة على الحرية الدينية"و بالتالي فالمواجهة هنا هي سياسية و ليست دينية"لأننا مسلحون كفاية لأجل رفض تصور مجتمعي بدائي لا يتماشى بتاتًا مع قيم الاقتراع الحر التي بلورها القرن العشرون، و عملُنا يجب أن يكون سياسيًا؛ لأن الهجوم هنا سياسي".
يعيد الكاتب في هذا الصدد إحياء قضية الحجاب في فرنسا، و ما أثارته من جدل و نقاش سياسي و نخبوي و حتى دولي ساخن ليقول:"لقد كانت قضية منع الحجاب إجراءً مجتمعيًا و ليست بشكل أو بآخر عملية ضد أي دين"و حتى و إن سلّمنا جدلًا بهذا على الرغم من هوان الحجة فلسنا بحاجة ماسة لعظيم اطلاع حتى نعرف أن الإسلام هو الوحيد الذي يلزم المسلمات بلبس الحجاب؛ لأن محاولة الكاتب الالتفاف حول المشكلة من خلال إثارة مشكلة تساوي الجنسين و حقوق المرأة و نحوهما لا تخدم الموضوع بقدر ما تبين عمق الهوة بين النموذج الإسلامي، والنماذج الغربية القائمة حسب الكاتب على:"النصوص القانونية"وهو لا يلاحظ أنه يتحجج بنفس حجة خصومه؛ لأن النساء اللواتي يرتدين الحجاب أيضا يستندن في هذا إلى ما يمكننا تسميته"النصوص القانونية الإلهيّة"حتى يستطيع النائب فهم المشكلة.