فهرس الكتاب

الصفحة 1599 من 2255

تشترك هذه الجماعات في أنها جماعات علمية وعملية، وسبب ذلك أنها جاءت بعد سقوط الخلافة، وأنها استهدفت أمرًا شرعيًا وهو إعادة الخلافة، لذلك لابد من العلم والعمل، ولكننا نلاحظ في المقابل أن الجانب العلمي ضعيف عند أكثرها، فأكثر الجماعات لم تحلّل عوامل ضعف الأمة، ولم تحدد خطوات النهوض، ولم تقنن نظرية التغيير الإسلامية من وجهة نظرها على الأقل، ولم تدرس الحضارة الغربية دراسة وافية، ولم تدرس الواقع المحيط بها دراسة متعمقة، ولم تقوّم التجارب الإسلامية المعاصرة لها، ولم تحلّل البناء النفسي والعقلي للمسلم المعاصر، ولم تقم بالفرز العقائدي المناسب، ولم تقم بالغربلة الفقهية المطلوبة...الخ، كل ذلك أدى إلى أن يكون نجاحها في تحقيق أهدافها محدودًا، وأدى إلى أن يكون استهلاكها من رصيد الأمة التاريخي أكثر من إضافتها، لذلك يُفترض بهذه الجماعات أن تعمّق الجانب العلمي فيها، وتستكمل النقص، وتسد الثغرات لكي تستطيع أن تكون أكثر تأثيرًا في مسيرة الأمة.

أما الجماعات العملية في القرن الماضي فهي كثيرة ومتنوعة وقامت بأدوار مختلفة: الخيري والثقافي والجهادي...الخ، لكن أبرز أعمالها كان جهاد الاستعمار وإيصال البلاد إلى الاستقلال، ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى ما قامت به تلك الجماعات في تحرير المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وسورية والعراق وباكستان وفلسطين... الخ. ومن الواضح أنها لم تعد الإسلام إلى الفعل في كل فروع حياة المجتمع، وذلك لأن قياداتها ومناهجها كانت مزيجًا من الإسلام والوطنية والقومية والاشتراكية...الخ.

أما الجماعات العلمية فهي أقل الجماعات وجودًا خلال القرن الماضي، مع أن الساحة الإسلامية بحاجة إليها أكثر من غيرها، والأرجح أن هذا نتج عن ضعف الفاعلية التفكيرية التي يعاني منها المسلم المعاصر، والتي تتجلى في ضعف النقد للأعمال الإسلامية، وفي نقص تقويم رجال الفكر الإسلامي، وفي قلة الاستفادة من بعض المعطيات العلمية في الحضارة الغربية، وربما كانت أكثر الجماعات العلمية بروزًا هي الجماعات السلفية، لكن الملاحظ أن أغلب جهودها كانت متركزة على إحياء بعض العلوم التي أُشبعت بحثًا من قبل كعلم الحديث وعلم أصول الفقه وعلوم القرآن...الخ.

عصر التكاثر

أ. د. عماد الدين خليل 5/4/1428

قبل عشرين عامًا كتبت مقالًا اسميته ( عصر الاختزال ) نشر في كتاب ( رؤية اسلامية في قضايا معاصرة ) .. وأريد الآن أن أتحدث عن ( عصر التكاثر ) إذ ليس ثمة تناقض بينهما على الاطلاق .. انهما وجهان لعملة واحدة اسمها التعاسة.

اختزال في الانسان وتكاثر في الأشياء ..

اختزال في روح الانسان ، ووجدانه ، وإحساسه ، وإنسانيته ، وتكاثر في عالم الأشياء .. وتطاول في العمران ، وانفجار اسطوري في التقنيات .. ومع ذلك فالإنسان ليس سعيدًا .. بل إنه أخذ يفقد سعادته شيئًا فشيئًا.

إن الانسان يضيع .. ويوما بعد يوم يتسطح ، ويفقد عمقه الروحي ، وغناه الوجداني ، ويقترب من عالم الأشياء فيصير وإياها حالة واحدة ، تنمو وتتحرك وتتطاول ، ولكنها تفقد أيما بعد ديني وجودها المعنى والمغزى.

تكاثر في الخدمات .. في المقتنيات .. في الحاجات الأساسية .. في اللعب .. في وسائل الترفيه .. في الدور والقصور .. في الأموال والممتلكات .. في السلاح ووسائل الدمار .. في العلوم والتقنيات .. ومع ذلك فالإنسان المعاصر ليس سعيدًا وهو يحس أكثر فأكثر بتعاسته ، وفقدانه سرّ طلاوة الحياة الضائع .. يومًا بعد يوم تحاصره الأشياء .. تضيّق الخناق عليه ، وتعزله عن رفاقه وإخوانه. عن زوجته وأطفاله .. بل حتى عن نفسه ، لكي ما تلبث أن تبني بين الأطراف سدًّا مصمتًا يصعب اختراقه .. وتمدّ حزما من الأسلاك الشائكة التي يستحيل معها العبور إلى الآخر ..

حتى الأصوات المتعالية هنا وهناك تنحبس في حناجرها فلا يكاد يسمعها أحد.

الحصار الشيئي كالطوفان .. كقدر نازل من السماء .. يصعب على البشر الوقوف في وجهه ، ومقاومته .. إنه فوق الطاقة .. لقد وضع الانسان نفسه في معادلة صعبة .. حلقة مفرغة ليس إلى الخروج منها سبيل.

اتذكّر إحدى مسرحيات الكاتب الطليعي الفرنسي ( يونسكو ) حيث يجد البطل نفسه محاصرًا بالأشياء ، وحيث يزداد هذا الحصار ضراوة يوما بعد يوم ، فيعزل البطل عن كل ما حوله .. ينفيه من العالم .. حتى صراخه لا يكاد يستمع إليه أحد .. فالأشياء تملك القدرة ليس فقط على تغييب الانسان ، بل على تجريده من قدرته الصوتية كما يحدث في الأحلام والكوابيس ..

اتذكّر أيضًا ( ليوبولد فايس ) في ( الطريق إلى مكة ) وهو يدين الحضارة الغربية في لهاثها المحموم وراء التكاثر بالأشياء ، وينعى على الانسان الغربي بؤسه وتعاسته ، وفقدانه سرّ طلاوة الحياة الضائع .."كنت أرى وجوههم متغضنة بأكثر مما يجب ، وكنت المح جيدًا نظراتهم الزائغة .. انهم ليسوا سعداء على الاطلاق .. وحينذاك رحت اتلو على زوجتي ( إلسا ) سورة التكاثر: ( الهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر . كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون . كلا لو تعلمون علم اليقين . لترونّ الجحيم . ثم لترونّها عين اليقين . ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) .. كنا نرتجف معًا دهشة وتأثرا ، ونحن نوغل في مضامين هذه السورة وفي تعبيرها المدهش عن مأساة الانسان".

إن المشكلة في اساسها ن وقد اعلن الغرب حربه على الدين والغيب والروح والإيمان واليوم الآخر .. أنه رمى بثقله باتجاه الكم على حساب النوع .. مع الظاهر على حساب الباطن .. مع الدنيا على حساب الآخرة .. مع المصلحة والمنفعة على حساب القيم .. مع مطالب التكاثر بالأشياء على حساب خفقة الوجدان ورعشة الروح.

اين هي سعادة الانسان في هذا الطوفان الشيئي ؟ وكيف يستعيد. الضائعون بعدهم الروحي المفقود ؟

لقد أصبح سطح الحياة مهندسًا بشكل يثير الدهشة ، ولكن الأعماق خربة إلى حدّ يثير الرغبة في البكاء !

صراع الانتخابات البلدية في تركيا

طه عودة 11/2/1425

حقق حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان فوزًا كبيرًا في الانتخابات البلدية والمحلية بحصوله على أكثر من 43% من الأصوات، فيما واجه حزب الشعب الجمهوري المعارض هزيمة كبرى بحصوله على 14% من الأصوات؛ إلا أنه حافظ على سيطرته على مدينة أزمير.

لقد عانق الناخبون الأتراك حزب العدالة والتنمية مجددًا بشوق كبير ورجب طيب إردوغان بدوره رغم أن كافة استطلاعات الرأي العام قد أظهرت مسبقًا تقدم حزبه على كافة الأحزاب الأخرى؛ إلا أنه لم يهمل إجراء مؤتمرات جماهيرية في 55 ولاية تركية؛ بل جاهد من أجل كسب أكبر عدد من الأصوات الشعبية.

أما منافسه حزب الشعب الجمهوري (المعارض الوحيد في البرلمان) ؛ فقد كان كالذي تقبل نتيجة الاستطلاعات واستسلم لها مسبقًا حيث إنه لم ير حاجة لإقامة مؤتمرات جماهيرية كافية تحت اعتبار منه أن مثل هذه المؤتمرات لن تغير النتيجة. مقابل ذلك؛ فإن مؤتمرات حزبي الحركة القومية والطريق القويم الجماهيرية لم تكن أقل من مؤتمرات إردوغان، والنتيجة أن الحزب الذي سعى أكثر ربح.

هناك تحليلات عدة تشرح خلفية هذه النتائج وأهمها أن الشعب حدد موقفه عند صناديق الاقتراع من خيارين وجدت تركيا نفسها في مواجهتهما:

الأول: أن تتبع نصيحة أتاتورك الذي أوصى بالانضمام إلى الحضارة الغربية من خلال الاتحاد الأوروبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت