فالعولمة المصطلح الذي تتناقله الألسنة في الآونة الأخيرة, يفسره أهله- بزعمهم - على أنه انفتاح وقبول للآخر، في حين يراها كثيرون من الشرق والغرب قالبًا سياسيًا اجتماعيًا اقتصاديًا ثقافيًا مستوردًا، قالبًا يسعى بالقوة للقفز فوق كل الخصائص الذاتية للأمم المغايرة لتوجهات العولمة، القوة التي لا ترضى بأقل من عبودية الآخر والتبعية المذلة، إن العولمة لن ترضى من الآخر بأقل من تخليه عن ثقافته بكل جوانبها، سواء ما كان منها متعلقًا بالسياسة أو التوجه الاقتصادي والاجتماعي، وبطبيعة الحال تقف بحذر وترقب أمام ما هو متعلق بالانتماء الديني... فإن كانت عاجزة عن تغيير وجهة هذا الانتماء فمحاولاتها لفك ارتباط الشعوب بأديانهم أو على الأقل إشغالهم عن هذا الارتباط بإغراءات مادية لن تتوقف... ولأن الإعلام المعاصر بوسائله المتعددة المرئية والمسموعة والمقروءة، يعد بحق من أهم التحديات التي تواجه مجتمعاتنا بشكل عام، وأطفالنا بشكل خاص، ولأنه من الوسائل الفضلى للعولمة، فقد دعم بأحدث وسائل الجذب الإعلامي، حاملًا في طياته سمومًا فكرية، موجهة في المقام الأول لعقول الفتية من أبنائنا وبناتنا، فحتى البرامج التي يفترض أن تكون خاصة بالأطفال تمهد الطريق وبخطى ثابتة لتوجه فكر أبنائنا للتحلل من رقابة الأسرة ثم المجتمع، بدعوى الحرية وحقوق الطفل، تروج لذلك بشتى الصور، وما الإعلانات المبتذلة والمروجة للبضائع بمنأى عن هذا الإسفاف، بل قد تكون أشد خطرًا مما يظن بعضنا، فهي تعمد لترسيخ معطيات الفكر الغربي في قلوب غضة لم تفرق بعد بين الصواب والخطأ... بل وبرمجت هذه العقول عن طريق عرضها على مدار الساعة بحيث لا يستطيع المتتبع لمعطياتها رفض كل ما هو مطروح من مفاهيم تتعارض مع خصائصنا الدينية والوطنية... ولا تتوقف خطورتها عند الروح والعقل،بل تسعى لتسخير أنماط غذائية تضر بالبدن والخلق في آن واحد..
من المؤسف أن يكون تراكم الضعف والتخلف اللذين عاشتهما المنطقة فيما مضى من عقود قد أوصل بعضنا لحالة من اليأس دفعته ودون ترو أو تدبر للدفاع وتبني فكر ذلك الآخر، رافضًا ما نشأ عليه الآباء بغض النظر عن صحته من فساده، وبغض النظر عن تأصيله إسلاميا... أو لعادات وتقاليد غائرة في عمق التاريخ لا صلة لها بالعقل، فكلاهما في خندق واحد: الرفض ولا شيء غير الرفض، فاللبرالية الغربية التي يؤمن بها هذا اليائس، تحفز دائمًا لتجاوز الموروث ورفع الفوارق والقيود حتى الدينية منها معللة أن ذلك ثمن التقدم... ومؤكدة أن الفكر الغربي هو النموذج البديل للفكر الإصلاحي بزعمهم، سواء كان توجها سياسيًا أو اقتصاديًا أو نظامًا اجتماعيًا... هكذا تتسرب عقد نقص في نفوس أبناء هؤلاء اليائسين تجاه العالم الآتي من وراء البحار، ورفض كل ما يمت للتراث وبشتى منابعه، فآباؤهم لا ينفكون في مديح معطيات الحضارة الغربية وذم تراثنا الوطني سواء كان ذا أصول إسلامية إلهية أم كان يستمد مقوماته مما يسمى بالقوميات...
وفي الجهة المقابلة نجد فئة قد اندفعت وفي لحظة يأس أيضًا، للموروث المحلي المختلط دون بينة أو تدبر... اعتقادًا منها بكمال هذا الموروث من الناحية الإسلامية، عامدة في ذلك للغلو والتشدد، ومن الطبيعي أنه لا يمكن لنا أن نبرئ ساحة الأسرة تمامًا من وصول هذا الغلو بوجهيه الليبرالي والمحلي لأبنائنا.
على أية حال كلتا الفئتين تحمل من الضرر ما يستدعي بذل الجهود لإخماد شرارتها قبل أن تستفحل... فالأسرة هي المهد والراعي الأول الذي يربي الطفل جسميًا من خلال تلبية حاجات نموه المختلفة، وتلبية حاجاته للبحث والمعرفة، تنمي قدراته على التفكير الإيجابي الفاعل، وأيضا هي العامل الأول لتحديد توجهه وميوله، فيتربى من خلالها دينيًا وخلقيًا، فهو كما يحتاج لإمداده بالماديات من طعام وغذاء، يحتاج لرعاية روحه وعقله.
أما اعتماد بعض أسرنا في تربية أبنائهم وبناتهم وبشكل مباشر على وجود المربية، وأعني هنا وبشكل خاص المربيات ذوات الخلفية الثقافية والفكرية المغايرة لخصائصنا فحدث ولا حرج..! فهؤلاء المربيات نشئن في مراحل حياتهن المختلفة على تعظيم إشباع المنفعة، بمعنى إباحة كل رغبات الفرد دون التوقف عند النتائج الأخلاقية والاجتماعية السيئة التي تترتب على هذا الإشباع غير المنضبط بالحلال والحرام... فمن الطبيعي أن تعمد أمثال هؤلاء المربيات في الظاهر والباطن على تلقين أطفالنا معطياتهن الفكرية والعقائدية، تاركات خلفهن أجسادًا بلا أرواح لأبناء كانوا حلم الأمس وأمل الغد، ألا ترون معي أن أولى هذه الظواهر تعامل أبنائنا وبناتنا اليومي بلغات أجنبية لا تمت للعربية بصلة... وهكذا نتسبب في هجر وجهل أبنائنا لغة شرفها الله سبحانه لتكون لغة آخر كتبه السماوية... وليس ذلك فقط بل سنجد ولاءهم لفكر المربية التي كانت الحضن الذي وجدوا فيه الحنان والرعاية.
إن اعتماد الأسرة على المربية يفقدها تدريجيًا دورها في توجيه النشء نحو ما تؤمن بأنه الحق من معتقد أو خلق أو فكر...
ولأننا لا يمكن لنا أن نهمل دور مناهج التعليم في تحديد الشخصيات والتوجهات الفكرية لأبنائنا من طلبة وطالبات، كان لا بد أن أتوقف عند أصوات من الداخل دأبت في الآونة الأخيرة على مطالبة القائمين على تطوير مناهجنا الدراسية بتوجيه العملية التربوية التعليمية للاهتمام بالمواد العلمية، ولا بأس في ذلك فاهتمامنا بهذا الجانب من العلوم والمعرفة مطلب شرعي، فديننا يحتم علينا السعي للتمكين في كل علم يعود على الأمة والبشرية بالخير والمنفعة.
إلا أن هذه الأصوات - مع الأسف - تؤكد على ضرورة أن يكون ذلك على حساب علومنا الإنسانية، التي يجب علينا - بحسب توصياتها - تقليص الاهتمام بها، بمعنى آخر يطالبوننا بتقليص الاهتمام بالعلوم الدينية واللغة والتاريخ وغيرها من علوم تتسم بالذاتية.
إن هذا الأسلوب التعليمي لو اعتمد سيصل بنا لجيل متحلل من كل التراث دينيًا ووطنيًا، جيل يكون ولاؤه للقيم المادية دون الروحية، جيل يسهل الهوان عليه... وهذه المطالبات تعد من أخطر التحديات التي يواجهها مجتمعنا المسلم... وإن كنا نرى كمسلمين أنه من الواجب علينا الاهتمام بكل التخصصات النافعة، إلا أنه من الخطورة بمكان أن يكون ذلك على حساب خصائصنا الدينية والذاتية...
إن الحفاظ على معطياتنا الدينية والذاتية من لغة وتاريخ... إلخ يستلزم تضافر كل الوسائل الممكنة، وعلى كافة المستويات، وهو ولله الحمد ليس بالمحال لو أوليناها قدرًا من الاهتمام والدراسة التي تستحق... إنه ولي ذلك والقادر عليه...
سبل التقدم العلمي والتقني في البلاد الإسلامية
إعداد: خبَّاب بن مروان الحمد
(1ـ2)
المشاركون في الإجابة عن أسئلة التحقيق:
1 ـ د. إيهاب الشاعر: فلسطيني مقيم بأمريكا، متخصص في الحاسوب والاتصالات.
2 ـ د. باسم خفاجي: مصري، متخصص في الهندسة المدنيَّة.
3 ـ أ. د. زغلول النجار: مصري، متخصص في علم التربة والجيولوجيا.
4 ـ د. عبد الله الضويان: سعودي، متخصص في علم الفيزياء.
5 ـ د. عبد الوالي العجلوني: أردني، متخصص في علم الفيزياء.
6 ـ أ. د. نعمان الخطيب: فلسطيني مقيم بالسودان، متخصص في هندسة البترول والتعدين.
7 ـ د. محمد المدهون: فلسطيني، متخصص في تنمية الموارد البشرية.