إنَّ هذه الأحداث الجسام لا يعالِجها مجرّد قيلٍ وقال، ولكنّها الحكمة والبصيرة والتأنّي في الأمور في علاج هذه المشكلاتِ والنازلةِ الجسيمة، فنسأل الله أن يوفّقَ ولاة أمر المسلمين لما فيه خيرُ الإسلام في الحاضر والمستقبل، وعلاج هذه النوازل بما يدرَأ عن الأمّة شرَّها وضرَرَها، إنّه على كل شيء قدير.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا أَصَابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ [الشورى:30] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله، يتساءل كثيرٌ من شبابِنا، يتساءلون فيقولون: متَى يكون الجهادُ متعيِّنًا على الفردِ المسلم؟ وهل هنا وقتٌ صار الجهاد فيه متعيِّنًا؟ نقول: يا أخي المسلم، الجهادُ بلا شكّ خلقٌ عظيم، وفضلُه كبير، ولا يشكّ في فضلِه مسلم، فقد دلَّ الكتاب والسنةُ على فضلِه وشرفِه، لكن يا أخي المسلم، اعرِف أمورًا مهمّة:
أوّلًا: الجهادُ لا يكون جهادًا حقًّا إلا إذا قصَد به المجاهدُ إعلاءَ كلمة الله، (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ) (3) [1] .
ثانيًا: استرضاءُ الأبوين عند جهادِ التطوّع، فالنبيّ قال لمن استأذنه في الجهاد: (( أحيٌّ والداك؟ ) )، قال: نعم، قال: (( ارجع، ففيهما فجاهد ) ) (4) [2] .
أمرٌ آخر: تفكَّر أيّ رايةٍ تقاتل تحتها؟ ومع من تقاتِل؟ ولغاية من تقاتل؟ لا بدّ من تدبّر هذه الأمور لتعلمَ أنَّ الحكمةَ لا بدَّ من استعمالها، فليس الهدفُ أن تخرجَ من بلادك، وتزجَّ بنفسِك في أمورٍ أنت لا تحسِن تدبيرها، ولا تدرِك نتائجَها، ولكن تقع في شرَك من البلاء لا يعلمُه إلا الله.
فوصيّتي لك تقوى الله، وأن تستقيمَ على الهدى، وتسألَ الله للإسلام والمسلمين العزَّ والتمكين، ولمن أرادَهم بسوء الذلَّ والهوان. وأمّا أن تزجَّ بنفسك في أمرٍ لا تحسن أمرَه، ولا تدري عن غاياتِه، ومع من تقاتِل؟ وتنصُر مَن؟ إلى آخر ذلك، فتدبَّر الأمرَ تدبّرًا صحيحًا لتكونَ على بصيرةٍ في أمورك كلِّها.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
وصلوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربكم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صلّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
(1) أخرجه مسلم في الإمارة (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه بنحوه.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره (4/37، 9/220) بنحوه.
(3) أخرجه البخاري في العلم (123) ، ومسلم في الإمارة (1904) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري في الجهاد (3004) ، ومسلم في البر (2549) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
الحضارة المعاصرة ... الوجه الآخر
[... والرسالة روح العالم ونوره وحياته ، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟! والدنيا مظلمة ملعونة ، إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة ] .
ابن تيمية
نعرض في هذا القسم من المجلة لأحداث وأخبار هي من إفرازات هذه الحضارة المادية التي يراد لها أن تهيمن على العالم وتسخره لمفاهيمها ومعطياتها وذلك كي يعرف المخدوعون بهذه الحضارة، والذين يدعوننا إلى تقليدها والأخذ بها (خيرها وشرها وحلوها ومرها !!) أن لها جوانب مأساوية، وتكاليف قاسية .
إننا لسنا ضد العلم، أو التقدم الذي يسخر لراحة الإنسانية، فالعلم هو نتاج البشرية كلها، وكل الأفكار والاكتشافات والاختراعات هي نتيجة جهود متراكمة شارك فيها البشر جميعًا، على اختلاف مللهم وألوانهم وأجناسهم، ونحن - من جهة أخرى - لسنا ضد ما قدمت الحضارة المعاصرة من خدمات للبشرية، ولا نبخس الناس أشيائهم فنزري عليهم بما تفوقوا به علينا من معرفتهم للنظام والتخطيط، ومن تقديرهم لقيمة الوقت، ومن صبرهم ودأبهم على طلب المعرفة .. ولكننا نبرز هنا كيف أن أي حضارة إذا ابتعدت عن المنهج الإلهي تكون بمثابة المركبة التي تسير دون كوابح - فهي وإن بدت مسرعة - إلا أن النهاية الحتمية سوف تدركها .
وكذلك فإن الغرض من هذا الباب هو الإشارة إلى أن الحضارة التي تجعل كل همها الانصراف إلى الجانب المادي وتهمل الجوانب الأخرى التي استحق بها الإنسان صفة «الإنسانية» تكون بمثابة الطائر الذكي يطير بجناح واحد .
إن الحضارة المعاصرة في جذورها تمتد إلى فكر اليونان والرومان الوثني فترضع منه تصورها للحياة ، وطريقة تناولها للواقع والتعامل معه ، وإن المسيحية المحرفة لم تغير من النظرة الوثنية إلى الكون والأشياء ، التي تصبغ فكر هذه الحضارة ، بل إن الفكر الوثني هو الذي هيمن على المسيحية التي اعتنقتها أوربا وبسط ظله عليها ودخل بتفسيراته وتأويلاته ، وتحريفاته إلى أخص خصائصها حتى مسخها وجعلها تتعايش معه .
وكل ما نراه من نتاج هذه الحضارة على المستوى الأخلاقي والفلسفي - مثل التمييز العنصري ، واستعمار الشعوب واستغلالها ، وإهدار كرامة الإنسان ، والنظرة الاستعلائية التي تحكم نظرة الإنسان الأوربي إلى غيره والتخبط النفسي الذي يعيشه الذين ارتضوا أن توجههم هذه الحضارة - هو نتيجة طبيعية للنظرة المادية الفظة التي قدمتها هذه الحضارة إلى العالم والتي يراد منا أن نخضع لها .
في الغرب:البلايين تصرف على الكلاب والقطط ... والملايين تعيش تحت مستوى الفقر!!.
يقول خبراء اجتماعيون من جامعة بنسلفانيا إن محبي الحيوانات في الولايات المتحدة وحدها ينفقون أكثر من ثمانية بلايين دولار للاعتناء بحيواناتهم من القطط والكلاب ...
(أي أكثر من الدخل الوطني في أكثر من دولة من دول العالم النامي !!)
جريدة الرياض 30/12/1406هـ
هذا ما ينفقه الشعب الأمريكي المتحضر على الكلاب والقطط سنويًا .. يتم هذا في الوقت الذي يموت فيه الآلاف من الجوع والأمراض الناتجة عن سوء التغذية في كثير من الدول الأفريقية والآسيوية وغيرها (1) .. بل إن هذه البلايين من الدولارات تصرف على الكلاب في أمريكا رائدة الحضارة الغربية في الوقت الذي يعيش فيه الملايين من الشعب الأمريكى نفسه في فقر مدقع . .. فلو قدر لك أن تدخل حيًا من الأحياء الفقيرة في مدينة نيويورك أو غيرها من كبريات المدن الأمريكية - وخصوصًا الأحياء التي تقطنها أغلبية سوداء - لحدثتك نفسك أنك في بلدٍ من أفقر بلدان العالم الثالث وما الدول الغربية الأخرى عن هذا ببعيدة إن لم تكن أسوأ حالًا منها . . .