ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة؛ لأنه ـ بلا دولة ـ ستظل دائرة الإنسان ـ التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار ـ مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والأدبية، ولن يكون بمقدور الإنسان الفرد أو الجماعة المؤمنة التي لا تحميها دولة، أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، لا سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقيّاتهما ورؤيتهما للكون والحياة والإنسان والمصير تمثل رفضًا حاسمًا للوجود الجاهلي، ولا بد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتاح فيها للمسلم والجماعة الإسلامية أن ينسجا مشروعهما قبل أن تسحقهما الظروف الخارجية، وتنحرف بهما عن الطريق، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا.
لقد تأكد للرسول -صلى الله عليه وسلم - بعد كفاح طويل استمر أكثر من عقد أن القيادة الوثنية المكية لا يمكن بحال أن تهادن الدين الجديد الذي جاء يمثل رفضًا حاسمًا لكل قيم الوثنية وأهدافها وتقاليدها ومصالحها، وأنها ستظل تدفع حتى النهاية الأخطار التي يمثلها الإسلام بوجه هذه المصالح والتقاليد والأهداف.
وهكذا جاءت «الهجرة» لكي تنقل المسلمين إلى الدائرة الثانية وتمكنهم من إقامة دولتهم، والبدء بنسج مشروعهم الحضاري المتميز.
إن اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة هو نهاية حركة حاسمة من أجل إقامة الدولة التي ستتولّى قيادة حركة الإسلام في العالم، لكنه في الوقت نفسه بدء حركة حاسمة أخرى من أجل تعزيز الدولة وإقامة الحضارة، تمامًا كما كانت بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم - في البدء حركة صوب تكوين الإنسان المؤمن صانع الدول والحضارات.
لقد كان هدف الجهد النبوي في عصر الرسالة هو التأسيس لحضارة إيمانية تستمد منهجها ومفرداتها من هدي الله سبحانه، وتقوم على لقاء الوحي بالوجود، لمجابهة حضارات الكفر والضلال، وإزاحتها، والتحقق بالبديل الحضاري الملائم للإنسان ووظيفته التعبدية والعمرانية.. البديل المتوازن في مواجهة حضارات الميل والانحراف: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] .
( * ) مؤرخ سياسي.
(1) كتاب فقه السيرة بالرغم من عنايته الفقهية بالسيرة إلا أنه لم يسلم من أخطاء علمية في العقيدة على نسق الاتجاهات الصوفية في مسائل محددة.
(2) كما حصل ذلك في الرسائل العلمية التي قام بها كثير من طلاب الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
(3) هذا الباحث الأمريكي بالرغم من حسن ما توصل إليه من جعله المائة الأوائل في العالم على رأسهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - كان لا يؤمن برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، ويزعم مزاعم شتى ضد الرسالة ورسولها، حتى لا يغتر به بعض من تخدعهم العناوين.
(1) تمت معالجة هذه المبادئ بالتفصيل في كتاب (مدخل إلى التاريخ والحضارة والإسلامية) للمؤلف، الجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا - 2001م، ص 309 ـ 328.
أسلحة لا تصنعها الحضارات
محمد بن عبد الله الشمراني
إن الحرب مع الأعداء لا تكاد تعرف إلا منطق القوة، سواء أكانت هذه القوة حسية مادية أم قوة معنوية غيبية؟ لذا قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] ، ومن الخطأ الفادح تقويم معادلة القوة بالنظر إلى أحد جانبيها (الحسي أو المعنوي) ، مع إغفال الجانب الآخر. وأعظم من ذلك خطأ الاعتماد على جانب دون الجانب الآخر، كمن يعتمد فقط على نصر الله لعباده المؤمنين انطلاقًا من قوله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ 171) إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] ، فيدعوهم ذلك إلى ترك الأخذ بالأسباب المادية، أو يرى أن عدم التكافؤ في الأسباب المادية يوجب الهزيمة والاستسلام، ويظن أنَّ مواجهة الأعداء مع عدم التكافؤ المادي الحسي (التقني) إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والحق أن قوله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، جاء في سياق الآيات وهي تلفت النظر إلى الجانب الأهم للقوة، وهو جانب معية الله لعباده المتقين، قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ 194) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 194 - 195] ، قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: «ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» (1) . ولما قام رجل من الصحابة في غزوة القسطنطينية فحمل على العدو حتى دخل فيهم، ثم خرج؛ صاح الناس، وقالوا: سبحان الله! ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري ـ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إنكم تتأولون هذه الآية، إنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار؛ إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سرًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به. فقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد، قال أبو عمران: «فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية» (2) .
إذًا مواجهة أهل الأيمان لعدوهم ـ الذي يتفوق عليهم بالعدة والعدد مهما كان الفارق بينهم، ومهما ملك العدو من وسائل الحرب المتطورة ـ ليس من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة إذا بذلوا ما في وسعهم لإعداد العدة (الحسية والمعنوية) ؛ لمواجهة عدوهم ولو كان شيئًا يسيرًا، فإن الغلبة والنصر إنما هي من عند الله، كما قال ـ سبحانه ـ: {وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] . ويزيد الأمر وضوحًا إذا عرف المؤمن أن معادلة القوة تكون لصالحه إذا كان يملك ـ إلى جانب ما يستطيع أن يعده من القوة الحسية ـ تلك الأسلحة التي لا يمكن لقوى الأرض كلها أن تقف أمامها، وهي ما يمكن أن نسميها (الأسلحة التي لا تصنعها الحضارات) ونقصد بها ما يلي:
u أولًا: معيَّة الله لعباده المؤمنين: