فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 2255

برز الموقف الأول خلال القرن التاسع عشر، وقامت قيادات في إستامبول ومصر وتونس بالتوفيق، والمزاوجة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، فأصدر السلطان العثماني خط كلخانة عام 1838 والخط الهمايوني الشريف عام 1856م، وقد دعا الخطان إلى الإقرار بحقوق الإنسان، وإلى العمل بالحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، وإلى المساواة بين الطوائف، وتنفيذ حق المواطنة لجميع الأفراد في الخلافة العثمانية الخ...، كما أصدر السلطان دستورًا للخلافة العثمانية عام 1876م وأجرى انتخابات على إثره في كل أنحاء الخلافة، وتكوّن مجلس (المبعوثان) الذي كان بمثابة برلمان للخلافة الخ...، وأصدر الخديوي في مصر قرارات مشابهة لما عمله السلطان في الأستانة، فأصدر قرارًا بتشكيل مجلس شورى القوانين، وأرسل البعثات التعليمية إلى فرنسا، وأقرّ تعليم البنات، وطوّر الجيش المصري وزوّده بأحدث الأسلحة الخ...، وأصدر الباي في تونس (وكانت تابعة للدولة العثمانية) عهد الأمان في عام 1857م، وكان مقدمة لإصدار الدستور في عام 1861م، ولإنشاء مؤسسات من مثل: مجلس الجنايات والأحكام العرفية، ومجلس التحقيق، ومجلس الشورى.

لكنّ الموقف من الدين تغيّر في القرن العشرين، وأصبح الموقف الثاني هو الغالب، وراجت مقولاته التي تعتبر أنّ الدين هو العقبة أمام النهضة، وهو السبب في التأخّر والتخلّف، وترافق ذلك مع سيادة الفكر القومي بشقيه: التركي والعربي بعد الحرب العالمية الأولى، أما في المجال القومي التركي فاعتبر كمال أتاتورك أنّ الأمّة التركية أمّة طورانية، وأنّ الإسلام طارئ عليها، وأنّ عليها أن تفرز روابطها العرقية مع الأتراك في شرق أوروبا، وأنّ عليها أن تنبذ الدين الإسلامي لتدخل عالم الحضارة والحداثة، لذلك ألغى الخلافة العثمانية، وفصل الدين عن الدولة، وألغى التشريعات الإسلامية، وألغى الحجاب، وفرض اللباس الغربي والبرنيطة، وأعلن الأذان باللغة التركية، كما فرض استخدام الحروف اللاتينية في اللغة التركية بدل الحروف العربية الخ...

أمّا في المجال القومي العربي فقد قامت بعد الحرب العالمية الأولى دول قومية عربية في العراق وسورية والأردن وفلسطين، واعتبرت هذه الدول نفسها أنها أجزاء من أمّة عربية تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، وليس الدين عاملًا في تشكيل هذه الأمّة، لذلك اتجهت الحكومات الوطنية في هذه الدول إلى بناء الإنسان والإدارة والاقتصاد والجيش والمجتمع والفنون والتربية بمعزل عن الدين وتوجيهاته وأحكامه؛ لأنّ الدول القومية والوطنية في الغرب لا تعطي دورًا للدين، ويمكن أن نسحب الحكم السابق على الدولة المصرية التي اعتمدت نوعًا آخر من القومية تقوم على البعد الجغرافي وهي القومية المصرية الفرعونية، لكنها تعاملت مع الدين بنفس طريقة؛ تعامل الدولة القومية العربية.

ساد الفكر الاشتراكي في المنطقة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وعزّز الموقف الثاني في معاداة الدين، واعتبر الدين الإسلامي الأصل في التخلّف؛ لأنه يخدّر الطبقات الفقيرة ويبعدها عن وعي واقعها بترويج الأوهام الغيبية من جنة ونار وملكوت أخروي، واعتبر أنّ طبقة رجال الدين منحازة إلى الأغنياء و الملاّك، وأنّ الفكر الديني مناقض للفكر العلمي الخ... لذلك دعا إلى استئصال الدين الإسلامي من وعي الناس وحياتهم، وكانت تلك الدعوة ذروة الامتداد للتيار الثاني.

فماذا كانت نتيجة المزاوجة بين التيارين: القومي والاشتراكي؟

وماذا كانت نتيجة الدعوات إلى استئصال الدين الإسلامي من كيان المجتمع؟

كانت النتيجة إخفاق هذين التيارين وانبثاق الصحوة الإسلامية في السبعينيات، والمناداة بتمكين الإسلام في حياة الناس، وبرزت عدّة مظاهر إسلامية منها: العودة إلى الحجاب، وازدحام المساجد بالمصلّين، وانبثاق ظاهرة البنوك الإسلامية، ورواج الكتاب الإسلامي، وسيطرة الإسلاميين على بعض الاتحادات الطلابية والمهنية والنقابية، وفوز الإسلاميين بنسبة جيدة من المقاعد البرلمانية في بعض الدول العربية...الخ.

لكننا نرى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م انبعاثًا جديدًا لمقولات الموقف الثاني، ومن الدين الإسلامي، وحياة جديدة لها، لكنها أضافت لها مقولات أخرى من مثل أنّ الدين الإسلامي هو سبب الإرهاب، وأنه مضاد للتحديث، وأنه يناقض الديمقراطية، وأنّ المجتمعات الإسلامية هي المجتمعات الوحيدة التي لم تتقبّل الحداثة الغربية، وأنها القلعة الوحيدة المتبقّية في العالم والممتنعة عن بركات الحضارة الغربية، وأبرز من طرح تلك المقولات الكاتب الأمريكي (برناردلويس) في عدد من الكتب التي ألّفها حول المنطقة العربية والإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر، وكذلك (فرانسوا فوكويوما) الذي دعا في مقال كتبه في (نيوزويك) إلى فرض العلمانية على العالمين: العربي والإسلامي من أجل إنهاء بؤر التعصّب التي يحفل بها الواقع الإسلامي، والتي فرّخت الإرهاب العالمي.

ترافق نداء الكاتبين السابقين: (برنارد لويس) و (فرانسوا فوكويوما) مع سيل من الكتابات العربية تؤيّد ما قاله الكاتبان الغربيان، وتدعو إلى تجفيف المنابع، وتعديل المناهج، ومراقبة أجهزة الإعلام، وغربلة كتب التاريخ، وتجديد الدين الخ...

فهل ستقوم نهضة في القرن الحادي والعشرين مع استبعاد الدين وعزله؟

أم أنها ستخفق كما أخفقت سابقتها في القرن العشرين؟

لا نريد أن نستبق الوقائع والأحداث، ونصدر أحكامًا عليها، لكننا ندعو فقط إلى الاستفادة من التجربة السابقة التي امتدّت طوال القرن العشرين وانتهت إلى الإخفاق، وكلّفت الأمّة الكثير من الجهود والأوقات والأموال والدماء والعناء والآلام...الخ

إرشاد الأسئلة

د. عبد الكريم بكار ... ... ... ... ... 21/9/1425

كلمة (النهضة) من الكلمات الأكثر استخدامًا في حياتنا المعاصرة. وحين يشيع استخدام كلمة على نطاق واسع فإنها تجتذب الكثير من المعاني والدلالات الفرعية، ويصبح العمل على لمّ شعث تلك الدلالات ومراجعتها من الأمور المهمة، حيث يتوقف على ذلك الكثير من الأشياء.

نحن في حاجة إلى طرح الأسئلة من أجل إعادة تحديد التعريفات والمصطلحات ومن أجل إضاءة حقول الممارسة الدعوية والإصلاحية.

وكل ذلك من أجل الشعور بأننا ما زلنا نعمل في المسار الصحيح.

إن الأسئلة هي وليدة التأمل العميق. التأمل هو التفكير في التفكير أي تسليط نور الوعي على ذاته كي يصبح على دراية أفضل بملاحظاته ومقولاته.

الفقر في الأسئلة سيعني قطعًا الفقر في الإجابات لأن السوية الذهنية المطلوبة لكل منهما واحدة. وأشعر أننا لا نميل إلى طرح الكثير من الأسئلة حول ما ننظِّر له خشية أن نجد أنفسنا وقد حوصرنا بأسئلة لا أجوبة لها. إن أي حقيقة هي ذات طبقات متعددة، وإن اجتراح أي طبقة وفهم كنهها وجوهرها يحتاج إلى معارف ومفاهيم أكثر تفصيلًا ودقة، وإن براعتنا في طرح الأسئلة تعني أننا بدأنا نتحسس الطبقات الأكثر عمقًا في مسائل التخلف والنهوض الحضاري.

وقد أدرك المثقلون بالهمِّ الدعوي والإصلاحي ذلك منذ وقت مبكر؛ فهذا الكواكبي يعقد مؤتمرًا وهميًا في مكة المكرمة، حيث يتخيل قدوم وفود من كل أصقاع العالم الإسلامي من أجل التداول والتفاكر والتذاكر في الأزمة الحضارية التي يعاني منها المسلمون. وقد رأى المؤتمرون -كما سجل ذلك الرجل في كتابه (أم القرى) - أن تتركز مداولاتهم في العثور على أجوبة لسؤالين أساسيين هما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت