ولعل الأكثر كشفًا لزيف هذه الحضارة الغربية وتعريتها أمام نفسها- قبل أن يكون أمام الآخرين-هو أن هذه المحاكمة تجري بينما السفاح"شارون"يفعل كل ما فعله النازي وزيادة بالشعب القلسطيني بينما العالم الغربي"المتحضر"يقف متفرجًا-بعضه مؤيد على خجل، وبعضه يقف مساندًا بوضوح وصراحة- ومن المؤكد أن الأمر سيختلف معه بعد أن ينهي مهمته، بعدها ستكون في انتظاره جائزة نوبل للسلام ،كما كان الحال مع سفاح"قانا"شيمون بيريز"."
أدرك"ميلوسوفيتش"منذ البداية أنه لا يحاكم على جرائمه ضد المسلمين من مذابح جماعية وتطهير عرقية..وأن ارتكابه لهذه المذابح هي نقطة قوته لا ضعفه.. هو يفهم أكثر من غيره الأسباب الحقيقية لمحاكمته ويدرك أكثر من غيره المأزق الذي تعيشه الحضارة الغربية في محاكمته..فهو - والآخرون- ليسوا إلا نتاجًا لها مثله مثل"شارون"و"بوش الأب"والابن ومثل"هتلر"، و"موسيليني"ومن ثم قرر أن يتعامل خلال المحاكمة باللغة التي يفهمونها ، قرر الضرب على الأوتار الحساسة..التي تكشفهم جميعًا باعتبارهم شركاء في جرائمه ، بدأ دفاعه بل صب دفاعه على أنه كان يقاوم رجال"أسامه بن لادن"وأنه كان يواجه الإرهاب الإسلامي.. من نفس الكأس سقاهم.. عرض جرائمهم الآخرين في يوغسلافيا وكشف كيف استخدموا في قصفها اليورانيوم المنضب"...أي قال لهم بدقه كلنا مجرمون فما الفرق ..نحن ضد عدو واحد هو المسلمين وكما تفعلون فعلت !!"
يقول صحفي غربي في صحيف"الجارديان"- فاضحًا تلك الجريمة كلية-: "إن"ميلوسوفيتش"لا يقف في قفص اتهام المحكمة الدولية لجرائم الحرب لأنه ارتكب سلسلة من الجرائم ضد الإنسانية ، بل لأنه إرتكب الخطأ القاتل المتمثل (في إجتياح "كوسوفا"عسكريًا في زمن غير مواتٍ أي في زمن الوصاية الأمريكية-الأوروبية على الإقليم ، في عبارة أخرى هنالك كل الفرص في أن الجرائم التي يدان عليها"ميلوسيفيتش"اليوم بما في ذلك جرائم"كرواتيا والبوسنة" كانت ستنسى. أكثر من ذلك لعل"ميلوسوفيتش"كان سيبقى حاكمًا في بلاده محاطا برعاية الدول التي تحرص على إدانته اليوم".
كشف الصحفي الغربي أنه لا عقوبة على جريمة قتل المسلمين وذبحهم بالآلاف..وهو بذلك كشف زيف الحضارة الغربية وأن الغرب كان مستعدًا للتسامح مع كل هذه الجرائم بل وتركه يجلس على كرسيه!!
"زيف الحضار الغربية"
الذين سلمو"ميلوسوفيتش"هدفهم هو الحصول على المال ، فقد حصل وقت تسليمه على (1.28 مليار دولار) وحصلوا كذلك على وعد بحوالى خمسه مليارات دولار خلال أربع سنوات .
هم لم يعترضوا على جرائمه من قبل بل هم الذين انتخبوه وسط حاله من العنصرية ضد المسلمين! وكان هذا السفاح هو بطلهم القومي، ولم يبيعوه إلا بالمال!
والذين يحاكمونه ..هم أنفسهم الذين تركوه ورفيق مذابحه -كاراديتش- يقتل ويذبح منذ عام 1991و1995م في البوسنة ( محكمة العدل الدولية ووفق على قانونها منذ عام 1991 م) ..حتى وصل عدد الذين قتلوا فيها نحو مائتين وعشرين ألف قتيل .تركوه وتابعه"كاراديتش"يقتل في سريبيرينتشا وحدها ستة آلاف وخمسمائة مسلم بعد استيلاء قوات الصرب عليها في يوليو 1995م، بل إن تقارير منظمات دولية كشفت أن القوات الدولية التى كانت موجودة في هذه المدينة كانت تعلم بالجريمة ولم تتحرك لمنعها بل سمحت للمجرمين بالمرور مع علمها بما سيرتكب من جريمة .المحكمه نفسها أخذت بهذا الفهم فأخرت اتهاماته بجرائمه فى"البوسنه والهرسك"إلى المرحله اللاحقة..أي المرحلة الثانية من المحاكمة.والمدهش في الأمر هو أن من يتابع ما ينشر عن الاتهامات لا يجد فيها كلمة عن حرب إبادة المسلمين بل إن الاتهام يتحدث عن قتل أو إبعاد غير الصربيين.
يحاكمونه هم أنفسهم الذين يقومون بارتكاب نفس الجرائم في مختلف مناطق الإسلام في فلسطين وأفغانستان والعراق!!
يدرك هؤلاء جميعًا طبيعة مأزق الحضارة الغربية في هذه المحاكمة..ويدركها أيضًا بل أكثر"ميلوسوفيتش"الذي بدأ دفاعه عن نفسه بتذكير الغرب بما يفعله هو الآخر.ذكّرهم بجرائمهم هم الآخرين في قصف الصرب-كلنا مجرمون- وأطنب في الحديث عن أنه هو الآخر كان يقاوم رجال"ابن لادن"الذين كانوا في"كوسوفو".
ركز دفاعه عن نفسه بالتركيز على أنهم جميعا في معركة واحدة ضد الإسلام وأنه لم يفعل إلا ما فعلوه أنفسهم كان هذا لسان حاله ..لماذا أحاكم إذن؟.
تلك هي أزمة الحضارة الغربية في محاكمة"ميلوسوفيتش".
ففي الوقت الذي كان يجري قتل المسلمين في"البوسنة والهرسك"1991م كان نفس الأمر يجري في العراق فألقت عليها القوات الغربية نحو تسعمائة وأربعين ألف قذيفة حملت في داخلها ثلاثمائة طن من"اليورانيوم المنضب".وعلى الجانب الآخر كما قصف الأمريكان العراق"باليورانيوم المنضب"..قصفت أمريكا يوغسلافيا بنفس"اليورانيوم المنضب"-الأرقام تتصاعد حول عدد الجنود الذين أصيبوا بما يسمى"بحرب الخليج"ثم"مرض البلقان"الناتج عن القصف باليورانيوم- وهو نفس السلاح الذى يقصف به"شارون"الشعب الفلسطيني المسلم.
وسواء أعدم"ميلوسوفيتش"أو سجن عدة سنوات أمضاها في مصحة ورفاهية، فلا يزيد الأمر ولا ينقص .فقد كشفت المحاكمة مأزق زيف الحضارة الغربية!.
عن النهضة والدين وأحداث 11 سبتمبر
د. غازي التوبة ... ... ... ... ... 22/7/1427
تأرجح الموقف من الدين الإسلامي عند دعاة النهضة خلال القرن الماضي بين موقفين:
الأول: اعتبر أنّ الدين لا يحول بين المسلمين وبين النهضة، وأنّ المشكلة تكمن في نقل التنظيمات الغربية، وفي فتح باب الاجتهاد، وفي المواءمة والتوفيق بين المعطيات الشرعية ومعطيات الحضارة الغربية.
الثاني: يعتبر أنّ الدين الإسلامي يحول بين المسلمين وبين النهضة؛ لذلك يجب عزله وتجاوزه وتأويل المتعارض منه بما يتفق مع معاني الحضارة الغربية.
وانطلق أتباع الموقف الثاني من المشابهة بين أوروبا والعالم الإسلامي؛ فأوروبا نهضت عندما نبذت الدين وعزلته في الكنيسة، ومنعته من أن يتدخّل في شؤون الحياة، وحصرته في زاوية العبادة الشخصية، وكذلك على المسلمين أن يفعلوا الشيء نفسه من أجل النهضة والانبعاث والارتقاء وامتلاك الحضارة، فعليهم أن يحصروا الدين في المسجد، ويجعلوه منظِّمًا لعلاقة الفرد بربه فحسب. ناسين أنّ الذي جعل أوروبا تنبذ الدين هو تعرّض المجتمع الأوروبي لأزمات وجودية بنيوية ظهرت في أمرين:
الأول: تعارض الدين مع العقل عندما غالطت الكنيسة الحقائق العلمية من مثل: دوران الأرض حول الشمس، وأفتت بكفر القائلين بتلك الحقائق.
الثاني: تعارض الدين مع الفطرة عندما احتقرت الكنيسة الدنيا والشهوات، واعتبرت أنّ الخلاص يكون بنبذ الدنيا وقتل الشهوات، واعتبرت أنّ العلاقة الجنسية مع المرأة نَجَس، وأن الفوز بالآخرة يكون بالابتعاد عن الشهوات والإقلاع عن الزواج والدخول في عالم الرهبنة والكهنوت.
لكن هل هذه المشابهة والمقاربة بين أوروبا والعالم الإسلامي صحيحة؟
لا أظنّ ذلك، لأنّ الوقائع التاريخية تشير إلى أننا لم نعانِ مثل تيْنِكَ الأزمتين الوجوديتين البنيويتين، وإنما هما خاصّتان بالغرب، لذلك فإنّ سحب نتائجهما على الدين الإسلامي توسيع خاطئ وجهل بحقائق الإسلام.