فهرس الكتاب
نظرية بيجوفتش في إشكالية العلاقة بين الثقافة أو الحضارة تحرك المياه الراكدة في هذا الموضوع، والذي على الرغم من أهميته لا نجد فيه مساهمات معرفية عميقة؛ بل هناك ندرة في الدراسات التي تتطرق إليه. إلاّ أن الميلاد يلتقط جملة من الملاحظات النقدية على نظرية بيجوفتش يتمثل أبرزها بتجاهل بيجوفتش لمختلف الموروث والتراكم المعرفي في هذا الموضوع، إذ يقفز مباشرة إلى إثبات حالة التناقض بين الثقافة والحضارة دون وجود مقدمات ومعان كافية لتوضيح المعايير والأسس التي يعتمدها.
وإذا كان انتصار بيجوفتش للثقافة واضحًا في مواجهة الحضارة؛ فإن هناك الكثير من التساؤلات الملحة التي لا يجيب عليها، أبرزها: ما البديل؟! هل يستطيع الإنسان الحياة بلا حضارة؟! وهل هناك إمكانية لاستغناء الإنسان عن عالم الأشياء؟! نعم، لقد بالغ بيجوفتش في نقد الحضارة وتشويه صورتها، وكأنها انعكاس دائم لغلبة الشر على الخير، وهو في ذلك يتابع مسار ابن خلدون في الربط بين الحضارة وتفلت الإنسان من سلطة الروح وانهيار الدول والحكومات.
يمكن أن نضيف إلى انتقادات وملاحظات الميلاد أن رؤية بيجوفتش تستصحب الصراع والنزاع بين الدين والدنيا في الثقافة المسيحية الغربية أو الصدام بين الجسد والروح وكأنهما متناقضان؛ الأمر الذي يتناقض كلية مع التصور الإسلامي للوجود والاجتماع البشري القائم على التوازن والتكامل بين هذه الجوانب، كما أن نظرية المعرفة الإسلامية لا تجد تناقضًا بين العلم التجريبي وبين الوحي والفطرة؛ بل هي مصادر متكاملة يرفد بعضها بعضًا، وعلى هذا توطأ شوامخ الفكر الإسلامي كابن تيمية في كتابه"درء تعارض العقل مع النقل"، ومحمد عبده في جعله للعقل المؤيد والعقل المسدد صنوان يعضد كل منهما الآخر.
كما أنّ رؤية بيجوفتش (هذه) تثير مسألة المقارنة مع رؤية مراد هوفمان والذي من الواضح أنه لا يعاني في رؤيته من رواسب خلفياته الدينية والثقافية السابقة -كما هو الحال مع علي بيجوفتش وجارودي- وإنما تصدر أفكاره وأراؤه من قاع القبول والإذعان الكامل للمعرفة الإسلامية النقية الصادرة عن الكتاب والسنة، والتي لا يعتريها غبش الرؤية واختلاط الجديد بالقديم من الأفكار التي يتبناها الإنسان.
مشكلة الثقافة والحضارة عند مالك بن نبي
في دراسته"مشكلة الثقافة والحضارة في فكر مالك بن نبي"رأى طاهر مسعود أن المشكلة الرئيسة التي حاول مالك بن نبي في أغلب إنتاجه الفكري التعامل معها تتمثل بالأسئلة الرئيسة التالية: حضارتنا كيف قامت؟ لماذا سقطت؟ كيف نعيد بناءها؟..
في هذا المجال يرى مالك بن نبي أن ارتفاع وانحطاط الأمم في سلم الرقي والتخلف ظاهرة إنسانية تتساوى فيها جميع المجتمعات. ويقسم مالك بن نبي الأطوار التي تمر بها الحضارة إلى مراحل ثلاث؛ الأولى مرحلة الروح التي نجد فيها تأثيرًا قويًا للفكرة الدينية، والثانية مرحلة العقل والتي تشكل نقطة"الأوج"التي يسجل فيها المجتمع تطوره وتقدمه العلمي والحضاري حيث تزدهر العلوم والفنون والصنائع، وتبدأ الغرائز المكبوتة التي هداها الإيمان بالإفلات من عقالها؛ إذ إن سلطة العقل على الغريزة لا تعدل سلطة الروح عليها؛ فتشهد هذه المرحلة انحطاط سلطة الروح وهيمنتها على الغريزة، أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة الغريزة، ففي هذه المرحلة تنكمش تأثيرات الروح وتستعيد الغريزة غلبتها.
ووفقًا لرؤية ابن نبي؛ فإن المجتمع البشري يمر بثلاث مراحل متسلسلة: ما قبل الحضارة يكون فيه رأس المال الاجتماعي (الإنسان، التراب، الوقت) خامدًا وراكدًا، مرحلة المجتمع المتحضر ويبرز هنا دور الفكرة الدينية وتأثيرها على الإنسان وتمر هذه المرحلة بعدة أطوار؛ الأول الروح، والثاني العقل، والثالث الغريزة، أما المرحلة الثالثة فهي ما بعد الحضارة؛ إذ تصبح الحياة فاترة ويتعطل الرأسمال الاجتماعي، ويصل ابن بني في إجابته عن سؤال التخلف إلى فرضية عامة رئيسة"مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية ولا يمكن لشعب أن يحل مشاكله ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية. بناء على ذلك فإن مشكلة أي شعب هي مشكلة حضارية."
بناء على ما سبق؛ فإنّ الحضارة لا تبدو في مواجهة الثقافة عند ابن نبي - كما هو الحال عند بيجوفتش- وإنما الحضارة هي انعكاس للثقافة وطبيعتها وسماتها على المجتمع، كما أنه وإن تأثر بابن خلدون ودورته الحضارية؛ فإنه لم يبق أسير التحليل التاريخي، وإنما طوّر رؤيته بعد أن استكشف قوانين وسنن صعود الحضارات وهبوطها ليبين لنا كيف يمكن للإنسان المسلم أن يعود مرة أخرى إلى مسار التاريخ والتأثير والفعالية.
في هذا السياق ينتقد ابن نبي عمليات التكديس والتجميع لمنتجات الحضارة الغربية، ويعتبر أنّ بناء الحضارة هو حاصل التفاعل بين الإنسان والوقت والتراب، وهذا التفاعل لا يتم إلا بمركب خارجي وهو الفكرة الدينية، وهنا نحن أمام ثلاث مشكلات تستدعي عملية البناء الحضاري حلها: مشكلة الإنسان (شروط انسجامه مع التاريخ) ، مشكلة التراب (وشروط استغلاله في العلوم) ، ومشكلة الوقت (وبث أهميته لدى المجتمع) .
تكمن في هذا السياق أهمية"المسألة الثقافية"ورهانها على إعادة الإنسان المسلم الخارج من الدورة الحضارية إلى الحضارة، وهو التحدي الماثل أمام المجتمع الإسلامي بإعادة صياغة الإنسان المسلم ثقافيًا، وأبرز عناصر الثقافة في هذا المجال"المبدأ الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي، الصناعة"
تراجع المكانة الدولية لأمريكا
طلعت رميح 16/7/1424
لم تكن هجمات سبتمبر نتيجة لمؤامرة أمريكية داخلية لتوفير المبررات للانطلاق في الهجوم على العالم الإسلامي خاصة والعالم عامة..بل كانت المطرقة التي طرقت على الرأس الأمريكي، لتكشف زيف وهم الإمبراطورية الأمريكية التي لا تقهر، ولتكون نقطة التحول في كشفت الضعف الأمريكي الذي كانت أجهزة الولايات المتحدة ومراكز أبحاثه تدرسه وتتصارع فيما بينها في كيفية إخفائه ومواجهته، فكان أن دفعت تلك الهجمات التفاعلات الداخلية لتسريع التراجع والانهيار على يد التيار الأكثر تشددًا وتشنجًا، والذي كشفت سياسته واستراتيجيته مقدار الضعف الأمريكي كثيرًا، ودفعت بالولايات المتحدة لقفزة في الهواء لكي يكون السقوط قاتلًا.
هكذا كانت أحداث 11 سبتمبر مثلما كانت أحداث السويس -عدوان 56 بالنسبة لبريطانيا وفرنسا -وكما كانت أحداث أفغانستان بالنسبة للسوفيت، بل وهكذا تمامًا كما كانت الانتفاضة الفلسطينية، هي المؤشر الكاشف لضعف الكيان الصهيوني وهشاشة وضعه الداخلي وعنصريته وعدوانيته، ولم تكن السبب في تحول الكيان الصهيوني نحو ارتكاب جرائمه الأكثر دموية في التاريخ، حيث القتل لكل من يمكن قتله والترحيل واغتيال القادة.
الفكرة الاستراتيجية واحدة في كل هذه الأحداث -نشدد الفكرة الاستراتيجية- بغض النظر عن الاختلاف في التقدير بين طبيعة كل حدث من هذه الأحداث، وبشكل خاص بين طبيعة ومشروعية الانتفاضة وفكرة مشروعية ضربات سبتمبر، أيا كان رأى الكاتب أو القارئ، الفكرة الاستراتيجية واحدة.. فكرة الطرق الخارجي الذي يسرع بمعدلات التحول أو الانفجار أو التدهور أو التغير أو الانهيار، وهى نفس الفكرة المعروفة بالطرق من الخارج على قنبلة بارود أو لغم .