فهرس الكتاب

الصفحة 2023 من 2255

وهذه هي قيم ( الوهن ) التي يدفع إليها هذا الوضع المزري ، وتدفع إليها غريزة سنن أبو داود الملاحم (4297) ,مسند أحمد بن حنبل (5/278) . حب الدنيا وكراهية الموت كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود فتسود المجتمع روح الاستهانة والاستكانة وكراهية العمل ، ويصبح أفراد المجتمع سنن أبو داود الملاحم (4297) ,مسند أحمد بن حنبل (5/278) . غثاء كغثاء السيل ولا ينجو أحد - إلا قلة قليلة - من هذه الروح العامة ، حتى العلماء والمفكرون لا يتورع بعضهم عن تطويع الدين لتبرير الأموال وتحريف الكلم عن مواضعه ، وهكذا تصبح النظرة ( المادية والنفعية والحسية ) هي سمة هذه المرحلة البارزة ، وهي الروح العامة المهيمنة على الحياة الفردية والاجتماعية ، وتحاصر - في المقابل - الاتجاهات الأخلاقية والروحية ، ولربما سخر الناس من أصحابها ، أو نظر إليهم على أنهم جاءوا في غير زمانهم أو أنهم الطبقة الدنيا في المجتمع .

وقد يدفع هذا بعض العاملين في حقول الغير إلى أن يتلمسوا لأنفسهم طرقا في الحياة تقربهم من الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يتمتع به أنصار النظرية المادية ، وبهذا التلمس يفقدون مكانتهم النفسية والفكرية ، وتخلع عنهم أردية القيادة الصالحة ، ويحار الناس بين قوى مادية قوية مستعلية ، وقوى روحية ضعيفة مستخزية ، وتصل الحضارة إلى مرحلة الانحطاط الفكري والأخلاقي والاجتماعي الشامل .

المرحلة الثالثة: مرحلة الانهيار:

في هذه المرحلة تبدأ الحياة الاجتماعية بالتعرض للضربات الداخلية والخارجية نتيجة اختلال نسيجها الداخلي وتمزق كيانها الفكري والنفسي .

لقد ظن الناس أنهم سيفلتون من الناموس الكوني ، أو أنهم - لمجرد أنهم يهود أو نصارى أو مسلمون - لن يتعرضوا للجزاء الحتمي ، ولربما تمنوا أن يكونوا - وحدهم في سلسلة الحضارات - الحلقة التي لا تخضع للناموس الكوني ، لكن حركة التاريخ تمضي بقدر الله إلى غايتها متجاوزة أمانيهم التافهة: سورة النساء الآية 123 لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا .

لقد أصبح البناء الاجتماعي هشا يقوم على أسس فاسدة ، فلا أمل بالتالي في علاجه ، بل لا بد من إسقاطه: سورة التوبة الآية 109 أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 193)

ولقد اختل النسيج كله واختلطت المعايير ، وتقطعت خيوط الأخلاق: سورة الرعد الآية 25 وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ، فلم يبق إلا أن تتهاوى الضربات من الخارج ومن الداخل .

وللإشارة إلى الضربات التي تهوي من الخارج يقول الحديث النبوي الشريف: سنن أبو داود رواه البخاري في ( الأذان ) برقم ( 592 ) ، ومسلم في ( المساجد ومواضع الصلاة ) برقم ( 1080 ) . (4297) ,مسند أحمد بن حنبل (5/278) . توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن . فقال قائل: يا رسول الله ، وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت .

وأما الضربات من الداخل فتتمثل في الفتن والمشكلات التي تقع بين المسلمين من الداخل ، حيث تتفتت وحدتهم ، وينقسمون شيعا وأحزابا ، تتوزعهم الأفكار والمذاهب والأطماع وتظهر لهم الأقليات المعادية للإسلام حقيقتها فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صحيح مسلم إجابة على سؤال مقدم من س وع وع . ب برقم ( 1474 ) وتاريخ 25 / 12 / 1381 هـ عندما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية . (157) ,مسند أحمد بن حنبل (2/417) . لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج . قالوا: وما الهرج يا رسول الله ؟ قال: القتل القتل ، ويصبح (القتل) هو الشيء الشائع في كل الأيام حتى لا يدري الناس فيم يقتلون أو فيم يقتلون والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل .

وهكذا تتعاون ضربات الداخل والخارج على إزهاق هذه الحضارة التي فقدت شروط البقاء ، وفقدت فيها الروح مكانتها ، وضاع العقل ، واختل الميزان في يد الإنسان ، وانهارت الحقوق الآدمية للفرد ، وطغت الجماعة ممثلة في حزب أو دولة وأصبحت الأخلاق بلا رجال يحمونها وأصبحت الحضارة في مجموعها وفي عناصرها الأساسية غير مؤهلة للبقاء .

قوانين ابن خلدون الحضارية وتقويمها

قوانين ابن خلدون الحضارية وتقويمها

-يرى ابن خلدون في تفسيره للتاريخ أن التطور سنة من سنن الله في الحياة الاجتماعية ، ويقول:"إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة ، وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول" (1) .

وأهم ما يوجه التطور الاجتماعي والعمراني عند ابن خلدون هو نظريته في العصبية ، فهي بمثابة المحور الذي تدور حوله معظم المباحث الاجتماعية والتاريخية عنده ، وهو يتخذ من هذه الرابطة موضوعا لدراسة شاملة وعميقة فيتكلم عن مصدر العصبية ، ويردها إلى الطبيعة البشرية"لأن صلة الرحم طبيعة في البشر إلا في الأقل ، ومن صفتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام إن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة:"

ويدخل في هذه العصبية عنده (عصبة الولاء) ، والعصبية عنده من خصائص البادية ، وهي ما يفسد بحياة الحضر ، ولها أثرها الهام في الحياة الاجتماعية ؛ لأن بها يتم التغلب ، وبالتغلب يحصل الملك ، وهكذا تلعب العصبية دورا هاما في تأسيس الملك وتكوين الدولة ، فاتساع الدولة يكون مناسبا مع قوة تلك العصبية ، ويلاحظ ابن خلدون نوعا من العلاقة بين قوة العصبية

(1) المقدمة: ص 38 طبع المكتبة التجارية ، وأيضا: د. علي عبد الواحد وافي: عبد الرحمن بن خلدون 166.

وبين أمور الديانة والدعوة الدينية أيضا ، ففي رأيه أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم ، كما يلاحظ نوعا من المشابهة بين تأثير الدين وبين تأثير العصبية في الحياة الاجتماعية ، وهي نظرية موفقة إلى حد كبير في إظهار أوثق أنواع الروابط الاجتماعية ، وتعيين أهم أشكال التكاتف الاجتماعي في مثل تلك البيئات الجغرافية وتلك العهود التاريخية ، وهي تدل على تفكير فاحص ونافذ ومحيط ومتعمق في درس الحوادث الاجتماعية وتعليل الوقائع التاريخية ، كذلك تكشف نظرية ابن خلدون في الدول وأعمارها عن نظرية في التطور الاجتماعي ، ذات أبعاد بيولوجية ، فالدولة عنده كائن حي يتطور على الدوام وفق نظام ثابت ، كما تتطور جميع الكائنات الحية (1) .

فالحضارة عند ابن خلدون تتعاقب على الأمم في ثلاثة أطوار: هي طور البداوة ، ثم طور التحضر ، ثم طور التدهور الذي يؤدي إلى السقوط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت