-فأما طور البداوة فيمثل له ابن خلدون بمعيشة البدو في الصحاري ، والبربر في الجبال ، والتتار في السهول ، وهؤلاء عند ابن خلدون لا يخضعون لقوانين مدنية ولا تحكمهم سوى حاجاتهم وعاداتهم .
-وأما طور التحضر: فهو طور تأسيس الدولة عقب الغزو والفتح ، ثم الاستقرار في المدن ، والتمكن من العلوم والصناعات ، وهذا الطور يقوم على الدين والعصبية - وقد عقد ابن خلدون لهذا الفصل فصلا آخر بعنوان"فصل في أن الدولة العامة الاستيلاء ، العظيمة الملك ، أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق".
-وأما طور التدهور: فيأتي في نهاية التحضر ، بعد مرحلة الازدهار ، ووصول الناس إلى مرحلة الانغماس في الترف ، والتحلل في الأخلاق ، وتغير العادات إلى المناكر ، والتواضع عليها . ويرى ابن خلدون أن مراحل تحضر الدولة هي ذاتها عوامل تدهورها ، ذلك أن الحضارة ، وإن كانت غاية العمران فهي في الوقت نفسه مؤذنة بنهاية عمره ، وأول هذه العوامل هو العصبية التي
(1) عن د. عفت الشرقاوي: أدب التاريخ 342-343
تتسم بها الرياسة والملك ، ولكن صاحب الرياسة يطلب بطبعه الانفراد بالملك والمجد ، والطبيعة الحيوانية تدفعه إلى الكبر والأنفة ، فيأنف من أن يشاركه أهل عصبيته فيدفعهم عن ملكه ، ويأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة ، حتى يصبحوا بعض أعدائه ، وطبيعة التأله في الملوك تدفعه إلى الاستئثار ، إذ لا تكون الرياسة إلا بالانفراد ، فيجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه لينفرد بالملك والمجد ما استطاع ، ويعاني الملك في ذلك بأشد مما عانى في إقامة الملك ، لأنه كان يدافع الأجانب وكان ظهراؤه على ذلك أهل العصبية أجمعهم ، أما حين الانفراد بالملك فهو يدافع الأقارب مستعينا بالأباعد ، فيركب صعبا من الأمر . إنه أمر في طبائع البشر لا بد منه في كل الملوك . على أن العامل الحاسم في ضعف الدولة هو الترف ، إنه إذا كان قد زاد من قوة الدولة في أولها ، فإنه أشد العوامل أثرا في ضعفها وانهيارها ، ويفسر ابن خلدون ذلك بأسباب اقتصادية وأخلاقية ونفسية (1) .
أما العامل الاقتصادي فإن طبيعة الملك تقتضي الترف حيث النزوع إلى رقة الأحوال في المطعم والملبس والفرش والآنية ، وحيث تشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة ، وحيث إجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل مع التوسعة في الأعطيات على الصنائع والموالي ، وإدرار الأرزاق على الجند ، ويزيد الانغماس في الترف والنعيم لا من جانب السلطان وبطانته فحسب ، بل من جانب الرعية أيضا ، إذ الناس على دين ملوكهم (2) .
أما العامل الأخلاقي النفسي ، الذي يجعل الترف معول هدم يؤدي إلى انهيار الدولة ، فمبعثه في رأي ابن خلدون ما يلزم عن الترف من فساد الخلق ، فإن عوائد الترف تؤدي إلى العكوف على الشهوات وكثير من مذمومات الخلق ، فتذهب عن أهل الحضر طباع الحشمة ويقذعون في أقوال الفحشاء ، فضلا عن أن الترف يذهب ويضعف العصبية والبسالة ، حتى إذا
(1) د. أحمد محمد صبحي: في فلسفة التاريخ 147.
(2) المرجع السابق 147- 148.
انغمسوا في النعيم أصبحوا عيالا على الدولة ، كأنهم من جملة النسوان والولدان المحتاجين إلى المدافعة عنهم ، فالترف مفسد لبأس الفرد وشكيمة الدولة ، والترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الفساد والسفه ، والترف مظهر لحياة السكون والدعة ودليل ميل النفس إلى الدنيا والتكالب على تحصيل متعها ، حتى يتفشى الخلاف والتحاسد ، ويفت ذلك في التعاضد والتعاون ، ويفضي إلى المنازعة ونهاية الدولة (1) .
وقد انتهى ابن خلدون من خلال نظريته في تفسير التاريخ - باستثناء عشرات النظرات والآراء الجزئية - إلى عدد من القوانين اعتبرت جوهر نظريته ، وهي:
1 -أن تطور التاريخ يخضع للتدافع والصراع والتفاعل .
2 -أن العصبية الدينية والقبلية لها دور أساسي في بناء الدول .
3 -أن الحضارة كالكائن الحي في تطوره من البداوة إلى الحضارة ثم الاضمحلال .
4 -وأن الدول كالأفراد تخضع لدورة الحياة الفردية نفسها حتى تموت .
5 -أن العوامل الجغرافية والبيئية مؤثرة في التاريخ .
6 -أن للاقتصاد دورا مهما في العمران البشري .
7 -أن الدول تسقط بسقوط العصبية والولاء للدين .
8 -أن العرب (والإنسانية كلها) لا تصلح بغير الدين .
إنني هنا لا أحاول القيام بعملية استقصائية للنظرية الخلدونية في تفسير
(1) المرجع السابق 149
التأريخ ، لكن الذي أردت الوقوف عنده هو المكانة التي تبوأتها الفكرة الخلدونية في تفسير التأريخ ، سواء في الحضارة الإسلامية أو في الفكر التأريخي الإنساني .
لقد شكلت مقدمة ابن خلدون منعرجا حاسما في كيفية فهم الإنسان لتأريخه وتقويمه له . وما يرجو منه من كشف ، لا عن ماضيه فحسب ، بل خاصة عن تطور الجنس الذي ينتمي إليه ومصيره .
لقد كانت الكتابة التاريخية - قبل ابن خلدون - وعلى امتداد التاريخ كله ، باستثناء الشذرات التي ألمعنا إليها . . .
-كانت هذه الكتابات تنظر إلى التأريخ على أنه مجرد رواية صادقة ، ووثيقة مؤكدة في نسبتها إلى صاحبها وعصرها وسلامة مضمونها ، ومعلومات جزئية غايتها الإلمام بحوادث الماضي والإحصاء العددي لها . . . أجل: حاول الإنسان أولا - أن يؤرخ للحوادث البارزة ، أي أن يكون لنفسه ، ولعشيرته ، ولقومه ذاكرة تحفظ المفاخر خاصة ، وتضبط أزمانها حسب السنوات ، من دون أن يحاول أن يفهم فهما عقليا عميقا ضرورة بروزها في زمن وبيئة خاصة ، وسر تداخلها ، ومدى تأثيره على جنسه كإنسان يقطع النظر عن النظرة الجزئية المحدودة .
-وعلى الرغم من الومضات الصادرة من حين إلى حين في بعض أحقاب التأريخ ، وعلى يد بعض الأفذاذ الذين ألمعنا إليهم ، فإن التأريخ بقي محصورا في دائرة الحفظ التسجيلي للوقائع ، مع توخي الصدق ، والتحري في الرواية .
ولعل مرحلة الصدق والتحري ودراسة الوثائق ، بل الاعتماد عليها ، هي أفضل ما استطاع المنهج التأريخي أن يصل إليه قبل عصر ابن خلدون .
وما إن جاء مؤرخنا المسلم العظيم حتى بدأ التأريخ - كما يقول ( إيف لاكوست ) (Yves Lacaste) "يكتسي صبغته العلمية".
-لقد فهم ( ابن خلدون ) علاقة التفاعل المتبادلة ، التي تربط الإنسان بتأريخه . . . وقد أسماها ابن خلدون"التغلبات للبشر بعضهم على بعض"،
وقامت بعد ابن خلدون نظريات عالية الصوت ، تتحدث عن الصراع ، وعن"الديالكتيك"وعن"الجدلية المادية"و"الجدلية الفكرية". . . كلها قد اتكأت على هذا القائد العظيم ، وانحرفت عنه يمينا أو يسارا .
إن ابن خلدون قدم المحاولة العلمية الأولى التي تخصصت في تفسير التأريخ ، وهي محاولة اعتمدت على المنهج القرآني ، ولم تنفصل عنه . . . لقد صور ابن خلدون حقيقة التأريخ بكل وضوح في عبارته المشهورة:
"حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني ، الذي هو عمران العالم ، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض ، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها ، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع ، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال (1) ."
ويعلق أحد المؤرخين المعاصرين (2) على رؤية ابن خلدون للتأريخ- كما صورتها عبارته السابقة- فيقول: