المفصل في الرد على الحضارة الغربية
إعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
في المشروع الحضاري الإسلامي
أ. د. عماد الدين خليل 29/5/1427
بسبب مما يعانيه المصطلح من غموض وتفسيرات شتى، يمضي بعضها لكي يتعامل مع مفردات الواقع دون منهج، ويمضي بعضها الآخر لكي يتشبث بالحلم المعلّق في السماء دون أي قدر من الممارسة الواقعية للتحقق بمفرداته في نسيج الحياة الإسلامية .. وبين هذه وتلك يتأرجح الإنسان المسلم بين الإحساس بالإحباط الذي يقود إلى حافات اليأس والاستسلام، وبين الهروب إلى الأماني والأحلام التي لا تكاد تصنع شيئًا ذا قيمة تاريخية أو حضارية.
بسبب من هذا كله يتحتم علينا جميعًا أن نتريث قليلًا لمراجعة حساباتنا والوصول إلى قدر من الثوابت .. من الجزر المشتركة .. من لغة واضحة محدّدة للتعبير عن مطالب المشروع.
لا ريب أن ثمة محاولات تنظيرية قيمة طُرحت في هذا السياق، ومحاولات تطبيقية أخرى شقت طريقها في واقع الحياة الإسلامية.. ومع ذلك فإن علينا أن نمارس المزيد من الصقل والكشف والتحديد وترتيب الأولويات لكي تكون بمثابة برنامج عمل يجعل المشروع حقيقة واضحة المعالم وأمرًا واقعًا، قد يبدأ بخطوة واحدة، ولكنها الخطوة التي تقود إلى قطع رحلة الألف ميل بمشيئة الله ..
وفيما يلي بعض المرئيات الأولية بصدد صياغة المشروع والتعامل معه:
أولًا: مستوى الخطاب
إن المشروع الحضاري يستهدف مستوى حضاريًا على وجه التحديد، فهو من ثَمّ ليس محاولة روحية أو شعائرية أو سلوكية أو تربوية أو علمية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية أو دعوية أو حركية صرفة وإنما هو هذا كله.
قد تغذي حلقات كهذه بنية المشروع أو تزيده قدرة على التحقق هنا وهناك، ولكنها إذا عملت بمعزل عن بعضها البعض فإنها قد لا تأتي بشيء ( كما حدث عبر القرن ونصف القرن الأخير) .
إن المخاطب هنا هو"الأمة"الإسلامية ـ والمشروع يعني إعادة صياغة أمة
بكاملها ـ تعديل وقفتها الجانحة، وبث روح الإبداع والحركة في مواتها لكي تمضي على الطريق الصحيح .."الصراط"الذي أراده لها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وممارسات الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
المخاطب هو الأمة التي يُراد لها التحقق بمقاصد الشريعة .. والشهادة على الناس والتاريخ .. وتحويل حياتها إلى تعبير أكثر مقاربة لما يريده الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام. وهي ـ بالضرورة ـ مهمة شمولية تنطوي على بعد حضاري، بل إن المشروع الإسلامي منذ لحظات تأسيسه الأولى زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشروع حضاري يستهدف الخروج بالناس من الظلمات إلى النور، وابتعاثهم من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. ويضع بين أيديهم، بمبادئ الاستخلاف والتسخير والاستعمار، وتحفيز آليات العمل العقلية والحسية والروحية: مفاتيح الإبداع والقوة والفاعلية الحضارية في نهاية الأمر.
على ذلك فإن المشروع الحضاري يتوجه صوب فضاء واسع هو فضاء الأمة الإسلامية على امتدادها في الزمن والمكان .. في التاريخ والجغرافيا .. ويضع نصب عينيه أنه ليس مجرد سعي مرحلي أو حركة متموضعة في بيئة محددة أو لحظة زمنية (وإن كان يبدأ منها) .. وإنما هو نشاط موصول لتحقيق هدف قد يستغرق أجيالًا بكاملها .. لاسيما إذا تذكرنا أن إصلاح حالة خاطئة شديدة التعقيد، أكثر استعصاءً بما لا يُقاس من التأسيس ابتداءً.
إننا هنا إزاء ركام القرون الطوال.. وفي الوقت نفسه إزاء الفراغ المفاجئ، والانكسارات الدرامية التي شهدتها عبر نصف القرن الأخير جلّ المذاهب والمحاولات الوضعية أو الدينية المنحرفة في الساحة الإسلامية وخارجها على السواء.
لكن كيف يتأتى تحويل مطالب المشروع من مستوياته التنظيرية إلى واقع الحياة اليومية الإسلامية لكي ينسج خيوطها بمقاصد شريعة الله ومفرداتها؟
لمّا كان الخطاب يحمل رؤية حضارية فسيكون كل جهد مبذول في الساحة الإسلامية بمثابة رافد سيصب مهما دقّ وضؤل، في المجرى الكبير الذي يمكن أن يتأكد حضوره واتساعه يومًا بعد يوم بقدر ما يصب فيه من جهود، وطاقات، ومحاولات .. شرط أن تتمحور هذه كلها عند هدف واضح محدد هو: أن تستعيد هذه الأمة هويتها الحضارية الضائعة ..
الفعل قائم منذ زمن بعيد قد يمتد لأكثر من قرنين، لكن توظيفه في سياق خطاب حضاري يستهدف مشروعًا يخرج بالأمة من تخلّفها ومعاناتها، ويكسر حلقة السوء المفرغة .. هو المطلوب ..
وهذا هو المطلوب: تجاوز بعثرة الطاقات والخبرات والمعطيات وارتطامها ونفي بعضها البعض الآخر، إلى برنامج عمل يستهدف لمّها وإضافة بعضها إلى بعض وتحقيق أقصى حالات الوفاق بين مفرداتها، وتوجيهها لكي تصب في البؤرة الواحدة أو المجرى الواحد الذي يمضي لتحقيق مطالب المشروع الحضاري، وبالتالي فإن الأولوية التي تفرضها المعادلة تقتضي جهدًا مركبًا ذا طبقتين:
أولاهما: رسم خارطة عمل قديرة على احتواء كل نشاط إسلامي على مدى عالم الإسلام كلّه، والتنسيق بين مفرداته وجعلها تمضي صوب البؤرة الواحدة.
وثانيهما: تحفيز إرادة العمل والعطاء والإبداع على كل المستويات لإنضاج المزيد من الثمار وإغناء المشروع على مستوى الكم والنوع على السواء.
بمعنى أن أي جهد روحي أو تربوي أو سياسي أو دعوي أو حركي .. أي إضافة علمية أو فكرية أو ثقافية.. أي بحث ينجز أو كتاب يؤلف .. أي مؤسسة تقوم، وأي تجربة أو خبرة تستمد مقوماتها من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يمكن أن تقود جميعها
إلى المطلوب، شرط توفر قيادة فكرية ذات نمط عالٍ من الكفاءة والمرونة والتحرّر من وقر الماضي .. تأخذ على عاتقها مهمة تجميع الطاقات والتنسيق بينها للتحقق بأقصى حالات الوفاق في المعطيات الإسلامية على مدى جغرافية الإسلام.
قد يكون هذا مطلبًا صعبًا قبالة تحديات التمزّق الفكري والسياسي، وضغوط العزلة والقطيعة، بل الخصومة والعداء التي تحكم علاقات الإسلاميين في العالم.
والجواب يكمن هنا بالذات: إن المشروع البديل بصفته خطابًا حضاريًا يهم الأمة كلها، لن يكون بأكثر من حركة في الفراغ ما لم تُحرث الأرض جيدًا، وتُنقّى من الدغل والأعشاب الضارة، وتهيأ للزرع الجديد الذي يمكن بما أُتيح له من شروط أن يستوي على سوقه لكي يعجب الزراع.
وعلى ذلك فإن المشروع يقتضي جهدًا مزدوجًا ـ ها هنا أيضًا ـ يقوم أولهما على الهدم والنفي ويمضي ثانيهما للبناء والتأكيد.
ثانيًا: مطالب اللحظة التاريخية
إن مشروعًا حضاريًا يُصاغ في القرن الحادي والعشرين هو غيره في قرن مضى، وأن المعادلة الصعبة تكمن ها هنا: التحقق بالشخصية الإسلامية في مستواها الحضاري قبالة شبكة معقدة من المتغيرات والتأثيرات وعوامل الشد والتحديات؛ وأيضًا قبالة سيل لا ينقطع من المعطيات المتجددة المزدحمة التي تتطلب جوابًا"فقهيًا"يحفظ على هذه الشخصية ملامحها المتفردة ويعينها على الإخلاص لثوابتها"الشرعية".
إننا عبر لحظتنا التاريخية الراهنة، مدعوون ـ مثلًا ـ لتقديم جواب محدد إزاء جل المفردات القادمة من حضارة الغرب المتفوقة، والتي اقتحمت علينا حياتنا وخبراتنا حتى أبعد نقطة فيها. بمعنى أن صياغة المشروع الإسلامي يتطلب جهدًا مزدوجًا ها هنا أيضًا: بناء المعطيات الإسلامية ابتداءً، وقبول أو رفض أو انتقاء مفردات الآخر في ضوء معايير شرعية مرنة وصارمة في الوقت نفسه.