فهرس الكتاب

الصفحة 1791 من 2255

إن هناك فارقًا واسعًا وبونًا شاسعًا بين مفهوم الترويح الإسلامي وبين هذا الصخب الهادر غير المنضبط، فالإسلام يدعو إلى ضبط الغرائز لا إطلاقها وتبريد الشهوات لا تسخينها، والتوسط في أمور الترويح والمتاع لا الإسراف وحماية الوجود الإنساني والكيان البشري من التصدع والانهيار وأن يظل المسلم دائمًا واعيًا صاحيًا لا يشغل عن حقيقة نفسه ولا عن عباداته وواجباته، ونحن نقبل كل أدوات الحضارة وصناعاتها، ولكن لسنا مكلفين بأن نقبل مضامين الغرب في أي شيء، سواء في الفن أو القيم، ولا يستطيع أحد أن يفرض علينا المضامين أو الكلمات أو الألحان التي يستعملها الغرب والتي لا تتفق مع مزاجنا وطابعنا، نعم نحن لسنا ضد الفن ولكنا ضد الفحش، والفن طاقة توظف للخير وقد توظف للشر وحب الوظيفة والهدف يكون التحليل والتحريم، ولذلك يجب التفرقة بين القيم في كل مجتمع عن الآخر، ولسنا مطالبين بأن ننقل الأوضاع نقلا 16 ولكن لأننا أمة لها تاريخها وقيمها ودينها فإن لها مفهومًا للموسيقى، ولنا أيضًا رأي في كيفية تقديم هذا الفن، فالإسلام حرم الأصوات المخنثة والألحان المائعة والكلمات المبتذلة، وحرم ذلك الجو المشحون بالسموم والمخدرات الذي يغشى دائمًا تلك الأحفال الشهيرة وعندما نقول ذلك فلسنا ندعو إلى وصاية أو هي محاكم التفتيش أو أن هذا منطلق للكآبة أو الظلامة أو غيرها، بل نحن ندعو إلى انطلاق النفس إلى البشر والسماحة من منطلق داخلي عميق الأثر في إقامة الترويح.

إن جو الفن في مصر في حاجة إلى عمل كبير لتحريره من ظروف خطيرة بدأت في السنوات الأخيرة تكشف عن نفسها وتتصل بتجارة الجنس والمخدرات والسموم البيضاء وما كشف عنها هو القليل وما خفي كان أعظم، وما يمكن أن تكون هذه الأوكار مصدرًا للخير أو أسوة حسنة أو نموذجًا يقدم لأبنائنا وبناتنا، كل ذلك في حاجة إلى إعادة نظر حتى يمكن إعادة المجتمع حقيقة لاستقبال إلى عصر جديد من الإيمان بالله واليقين لقيمه وأخلاقياته الرفيعة حتى يكشف الله عنا الغمة ويزيل سحب الظلام التي تحيط بنا، وعلينا أن نعلن عودتنا إلى ربنا إليك نعود إلى منهجك الأصيل فليس لها من دون الله كاشفة.

... ... ... ... ... ... ... الأستاذ/ أنور الجندي

الحضارة مقصد شرعي

يعتقد بعض المراقبين للأحداث أننا اليوم على مفترق طرق كالذي حدث أيام انهيار الامبراطوريتين الرومانية والفارسية ، وانبثاق الحضارة الإسلامية على حسابهما . وكالذي حدث أيام انهيار الدولة الإسلامية في الغرب ، وتراجعها في الشرق ، وانبثاق الحضارة الأوربية الحديثة على حساب طرد المسلمين من أوربا ، واستعمارهم في آسيا وافريقيا ....نحن على مفترق طرق: فيه أخذت بوادر السقوط تظهر على فرائص الحضارة الأوربية الحديثة المرتعدة . وأخذ الإنسان المعاصر يتلفت يمنة ويسرة ، يحاول أن يفهم مغزى الأحداث ويتنبأ باليد التي سوف تتناول الشعلة: شعلة الحضارة .ونحن نخطىء اليوم ـ خطأ تاريخيًا ـ عندما نعرض الإسلام عرضًا مجزءًا مفتتًا . ربما كان هذا العرض التجزيئى صالحًا عندما كان البناء الإسلامى قائمًا شامخًا قويًا لا يحتاج إلى أكثر من سد ثغرة هنا أو ثغرة هناك . أما اليوم ونحن نشهد الركام يتساقط حولنا فإن العرض التجزيئى يصبح عبثًا أو تخريبًا أو خطيئة . لأنك عندئذ إنما تأخذ قالبًا من البناء المتساقط لتقول: هذا هو الإسلام ، وهو أمر يدعو إلى السخرية .

لن يفهم الناس شيئًا عندما تحدثهم عن أهل الحل والعقد . ولكنهم يستعدون للفهم عندما نقدم لهم ذلك ضمن الإطار الحضارى الكامل . لن يفهم الناس عنا شيئًا عندما نحدثهم عن ربا التفاضل أو ربا النسيئة أو المضاربة ، ولكنهم يستعدون للفهم عندما نقدم لهم ذلك ضمن خطة بناء الحضارة في الإسلام . لن يفهم الناس عنا الكثير عندما نحدثهم عن حجاب المرأة وقوامة الرجل ، ولكنهم يستعدون للفهم عندما تخرج لهم هذه القضية كجزء طبيعي للحضارة الإسلامية . لن يفهم الناس شيئًا كثيرًا عندما نحدثهم عن وجوب إعفاء اللحية وستر العورة ، ولكنهم يدركون ذلك ضمن الحرص على شخصية الحضارة الإسلامية بسماتها العامة . القضية اليوم ـ وقد تهدم الكثير من البناء ـ هي قضية تقديم البناء في صورته الكاملة . البناء الكامل في جوهره الحقيقي . إنها قضية الحضارة . وجوهر الحضارة في الإسلام يتلخص في أنها مقصد شرعي قامت على التقدير الإلهى للحضارة: بناء من العلم والعمل والإيمان . ساحته التسليم للمالك . طاقته المحركة العبودية للخالق . آليته: سيطرة الآخرة على الدنيا .

وهكذا قامت الحضارة الإسلامية في أسمى صورها على يد بانيها الأكبر: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قيام الحضارة على هذه الأرض كان هو الهدف من هبوط آدم عليه السلام إليها .

ولما كان الهدف من خلق الإنسان هو في قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } 56 الذاريات ، فإن المقصد من إنزاله إلى الأرض هو في قوله تعالى: {...إني جاعل في الأرض خليفة } 30 البقرة . وهذه الخلافة هي جوهر مفهوم"الحضارة". الخلافة هي أن يخلف بعض بعضا. والمعنى الساذج لأن يخلف"بعض بعضا ً"لا يمكن أن يكون هو المقصود في قوله تعالى"خليفة". لأن جميع الحيوانات ـ بحكم التناسل ـ يخلف فيها بعض بعضا.

ولا يصح أن يكون المقصود بالخلافة قاصرًا على معنى الوكالة في التصرف ، فهذه الخلافة بمعنى الوكالة أيضا ًليست خاصة بالإنسان ، إذن لابد من خطوة أخرى لفهم الخلافة هنا: وهى أن يخلف اللاحق السابقَ في البناء على ما خلّفه . فتنشأ من عملية الخلافة طبقات متوارثة من البناء يتلوها طبقات.. وذلك هو خصوصية الإنسان فيما نعرف .وتلك هي خلافته . وتلك هي حضارته على امتداد التاريخ .

ومن هنا جاء تساؤل الملائكة ، واعتراض إبليس . جاء تساؤل الملائكة في قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء .. } 30 البقرة

لا يمكن أن يعنى الملائكة بذلك .. المعنى الساذج من الفساد وسفك الدماء كالذي يحدث من أنواع الحيوان الأخرى ، وإلا لكانوا في مستوى من الإدراك لا يسمح لهم بهذا الخطاب الإلهي .

ولكنهم في تساؤلهم لاحظوا الجانب السلبي في عملية الخلافة وبناء الحضارة . كانوا يعنون مستوى عاليا من الفساد ، هو الفساد الحضاري أو الجانب السلبي في بناء الحضارة . ولذلك فإن الله ردهم ـ إجمالًا ـ إلى الجانب الإيجابي الذي جهلوه ( قال إني أعلم ما لا تعلمون . ) 30 البقرة

إذن فالحضارة مقصد إلهي شرعي ، ورد أساسًا في عملية إنزال الإنسان إلى الأرض . ومن هنا جاء قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ، فمن كفر فعليه كفره ، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارًا } 39 فاطر . إذن فهي خلافة ، وهى حضارة تحت مقاييس الإيمان والكفر .

وهى خلافة ، وهى حضارة معتنى بها من الله منذ البداية . { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } 38 البقرة . وهى خلافة ، وهى حضارة ممدود لها الحبل في عدالة الله إلى يوم آجل { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ، ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } 39 فاطر. { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون . } 14 يونس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت