3-الوسطية - في المفهوم الإسلامي- منهج جامع وطريق واسع، لكنها أصبحت اليوم شعارا محتكرا لفئة من الناس هي التي تتحدث باسمه وتتدثر بدثاره ، وترى في نفسها أن منهجها هو المنهج الذي يستحق هذه الصفة لأنه يمثل إسلام التيسير والرفق والعمل والعطاء والاجتهاد والتجديد، وأنا لست بصدد منازعة أحد فيما ادعاه ولكنني أنكر بملء فيّ أن يحصر هذا المنهج المعتدل في مدرسة فكرية واحدة أو ينسب إليه عدد محصور من علماء الأمة ، لقد نظرت في الأسماء التي ذكرها المفكر المصري عبد الوهاب المسيري لأعلام الخطاب الإسلامي الجديد الذي يمثل خط الوسطية [2] فقلت في نفسي إذا كان من الخطأ أن تختزل طائفة تراث الأمة كله فلا تعرف من علمائنا إلا الإمام ابن تيمية -رحمه الله - ولا تعرف من الكتب إلا الفتاوى ، وأن تحتكر جماعة منهج (السلفية) فلا ترى سلفيا غير علماء بلادها ، وأن تدعي فئة التجديد فلا ترى مجددا للإسلام في عصرنا إلا شيخها ، إذا كان ذلك كله من خطأ المنهج فإن من الخطأ كذلك أن تختزل الوسطية في أسماء ننظر فيها فلا نرى من بينها رجالا من أمثال المشايخ د. جعفر شيخ إدريس ود. سلمان العودة ود.صلاح الصاوي وإن رحت تسأل عن المعايير العلمية التي رشحت أؤلئك وحرمت هؤلاء لم تخرج من ذلك بطائل.
إن القرآن الكريم يعلمنا-أيها السادة- أن الحقائق العظيمة ليست ألقابا يدعيها الناس ولكنها مسالك عملية يجب أن تجسد العناوين الصحيحة التي ننتسب إليها أو ندعو إليها قال الله جل وعلا (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) .
4-التيار الوسطي- كما يسمي نفسه- له مواقف واضحة متشابهة في نقد تيارات التشدد والغلو- كما يراها- إلا أن موقفه من تيارات العصرية والعقلانية والقومية كان متذبذبا حينا ومتسامحا في أغلب الأحيان بل إن نفرا غير قليل ممن يعد من أعلام التيار الوسطي تأثر بدرجات متفاوتة ببعض أفكار المدرسة العصرية العقلانية، وصدرت منهم عبارات وأقوال وفتاوى كان لها أثر واضح في تباعد الشقة وإثارة الريبة والتشكيك في مناهج تيار الوسطية.
أمريكا وتيار الوسطية:
لا يكاد المراقبون والمحللون سواء في عالمنا الإسلامي أو العالم الغربي يختلفون في أن سياسة أمريكا مع العالم الإسلامي لن تفرق في نهاية المطاف بين إسلام معتدل متسامح وإسلام متشدد متصادم فالكل مستهدف ما دام هذا الإسلام يحمل مشروعا يمثل بديلا حضاريا متميزا ومناهضا للمشروع الصهيوني الأمريكي فنجم الدين أربكان ود. يوسف القرضاوي وعمرو خالد لا يفرقون -عند أمريكا- إلا درجة عن غيرهم من رموز التطرف وقد رأينا قبل أشهر الحملة المسعورة التي شنتها دوائر الصهيونية في بريطانيا تؤلب فيها الرأي العام على فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي إبان زيارته لها وما ذاك إلا لمواقف الشيخ الواضحة وفتاويه الجريئة في دعم القضية الفلسطينية وحق الشعب في المقاومة، من هنا فإن تيار الوسطية مدعو في هذه المرحلة الفاصلة أن لا يستدرج إلى تنازلات تفقده مصداقيته، أو أن يجر ـ بحجة إنكار العنف- إلى مواقف يستثمرها العدو في حربه على الإسلام ودعاته وتعطيه المشروعية لذلك.
إن أمريكا ليست براضية عن تيار الوسطية بحال ولكنها سوف تبذل وسعها ـ كما جاء في تقرير معهد راند- في احتواء جماعات وأشخاص يتحدثون باسم الإسلام- ولا يظهرون تنكرا له- ويسعون في الوقت نفسه إلى تمييع حقائقه وطمس معالمه وإبطال مشروعه الحضاري بإثارة الشبهات تارة وحبك المؤامرات تارة، وواجب دعاة الوسطية تجاه هؤلاء أن يتصدوا لهم بكل قوة ووضوح وأن يسقطوا القناع الذي على وجوههم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[1] أزمة الفكر الإسلامي الحديث ص 68
[2] مقالة معالم الخطاب الإسلامي الجديد
تجديد منهج العقيدة الإسلامية (1/2)
د. بسطامي محمد خير*
تجديد منهج العقيدة الإسلامية مقدمة
يجد المسلمون أنفسهم في هذا العصر الحاضر أمام ثروة علمية ضخمة في ميدان العقائد موروثة من قرون طويلة ، وأبدعت الحضارة الإسلامية في حفظ أصولها ومقوماتها ، رغم التيارات المتلاحقة والأمواج المتلاطمة من الفتن والأزمات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها . ويواجه المسلمون المعاصرون أيضا الحضارة الغربية بسلطانها وسطوتها المادية والعلمية والفكرية ، وإلحادها ومذاهبها الفلسفية المناقضة للدين ووصمها له بالخرافة والأساطير ، وبما أثاره المنصرون والمستشرقون من شبه وشكوك حول أصول الإسلام وأسسه . وخلّف ذلك آثاره في العالم الإسلامي من انتشار ردة محدثة وإحياء لانحرافات قديمة وتيارات عقدية جديدة ، واحتدم الجدل واللغط وتشعبت المسائل وتعقدت . وبسبب ذلك كله برزت الحاجة للتساؤل عن كيف يمكن مواجهة هذا الواقع المعاصر ، وهل يمكن لأجيال المسلمين الحاضرة تجديد مناهج الخطاب العقدي الإسلامي بما يلائم ويناسب العصر . هذه الأسئلة وأشباهها هي ما يحاول هذا البحث الموجز النظر فيها والتأمل في الإجابة عليها وصولا للطريقة الأقوام والأمثل .
ومما ينبغي ذكره أن مشكلة المواجهة بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي ، لم تواجه الإسلام وحده ، بل هي قد واجهت الأديان الأخرى ، كما يقرر أحد أساتذة الأديان المعاصرين الذي قال:
"إن كل الأديان الكبرى قد واجهت أزمة منذ ميلاد الحضارة الحديثة ، وكل هذه الأديان قد بذلت بطريقتها الخاصة جهودا كبيرة لحل هذه الأزمة ، ولمواجهة الحياة العصرية والعلمانية المصاحبة لها . إن القرن التاسع عشر والقرن العشرين قد شهدا فترة إبداع عظيمة في هذه الأديان ، وكان ذلك ببساطة بسبب أن هذه الأديان ينبغي أن تتوافق مع العصر الحديث أو تموت." [1]
ولكن ينبغي التفريق بين هذا التوافق الذي حدث بين الدين والعصر الحديث ، في الغرب خاصة وفي بقية العالم تبعا للغرب ، وبين التجديد الذي ينادي به الإسلام ، والذي جاء في البشارة النبوية المعروفة ، ( إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) [2] . فالتجديد الإسلامي في حقيقته ليس توفيقا ومواءمة ولا مزجا ولا لبسا بين الإسلام ومسلمات الحداثة الغربية المعاصرة ، أو استجابة وركونا إلى ضغوط واقعها وهيمنتها واستعمارها بأشكاله المختلفة. بل التجديد الإسلامي إبقاء وحفظ لأصول الإسلام وثوابته ، وإحياء وبعث لمبادئه السليمة ومناهجه الصحيحة ، ونقد وتنقية لما تلبس بالدين مما ليس منه ، سواء كان ذلك اللبس بسبب عوامل داخلية أو بتأثيرات خارجية [3] . وبما أن أصوات عالية ترتفع اليوم من جهات عديدة تنادي بتجديد العلوم الإسلامية ومنها العقيدة ، فإن من الضروري أن يكون هذا التجديد عن إحاطة وعلم بثوابت هذه العلوم ومتغيراتها ، وعن دراية وبصيرة بالواقع المعاصر خيره وشره وحقه وباطله .
وفي هذا البحث المختصر عن تجديد منهج العقيدة الإسلامية ، تكفي الإشارة إلى ثلاثة معان لعله يتضح منها المقصود بهذا التجديد: الأول التجديد بمعنى التوفيق والمواءمة ، الثاني: التجديد بمعنى التأصيل والتأسيس ، الثالث: التجديد بمعنى النقد والتنقية .
تجديد التوفيق والمواءمة