فهرس الكتاب
أما الضار منها وهو الانحطاط الخلقي ونبذ التعاليم السماوية وعدم الاستنارة بأنوارها فيجب علينا أن نتبه إلى أنه شر محض لا تخالطه شائبة خير لأنه ليس فيه إلا إضاعة الشرف والمروءة والتمرد على نظام خالق السموات والأرض جل وعلا من غير فائدة دنيوية ، ومن ذلك الموضة الجديدة والأزياء المزرية فإنها وإن سموها حضارة وتقدما ورقيا وحرية فيه فهي في الحقيقة إهدار للفضيلة وإماتة للشرف والصيانة والعفاف والكرامة فلا تغتروا وفقكم الله بتلك الشعارات الزائفة التي تحمل في طياتها كل سوء ومضاد أيضًا للتعاليم السماوية المتضمنة الآداب الكريمة ومكارم الأخلاق والسير على أحسن المناهج والعادات ، ولا يخفى عليكم أن العرب كانوا يغارون على نسائكم ولا يرضون بابتذالهن وكانوا يرون أن عفاف النساء وصيانتهن وعدم تدنسهن بالريبة من أكبر الأسباب في نجابة الأولاد ونبلهم وعلو شأنهم وشجاعتهم ومن ذلك قول جرير يمدح بين قيس بن عيلان بن حضر:
فلا تأمنن الحي قيسا فإنهم بنو محصنات لم تدنس حجورها
ولكان كان صخر أخو الخنساء يشاطرها ماله كل سنة ولامته امرأته ونهته عن إعطائه إيايها خير ماله لأن زوجها متلاف قال لها صخر:
وكيف لا امنحها خيارها وهي حصان قد كفتني عارها .
وأمثال هذا كثير ومرادنا التمثيل ليعلم به أن من طبيعة العرب الغيرة على الحريم وعدم الدياثة وضمائرهم حية وطبائعهم أبية لا ترضى تدنس نسائهم بما لا ينبغي وقد أوضح تلك السجية التي جبلوا عليها من قال:
وإياك واسم العامرية أنني أغار عليها من فم المتكلم
واحسد كاسات تقبلن ثغرها إذا وضعتها موضع اللثم في الفم
وقد روى الشيخان في صحيحهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا أحد أغير من الله ، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ، ولذلك مدح نفسه ) )أما البخاري فقد روى هذا الحديث في كتاب التفسير في فسير سورة الأنعام في باب قوله تعالى )) وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) )) الأنعام: 151 )) .
وفي تفسير سورة الأعراف في باب قوله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (( الأعراف: 33 ) ).
أخرجه مسلم في كتاب التوبة في باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش بأربع روايات بأسانيد وهذا الحديث من أحاديث الصفات فنمره كما جاء وننزه الله عن مشابهة خلقه سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا .
وأما نتاج الاختلاط من كثرة ارتكاب الجرائم وكثرة الأولاد غير الشرعيين فهو أمر لا حاجة إلى إبدائه لأنه معلوم ويكفي ما يصدر في جرائد ومجلات البلاد المتقدمة من كثرة الأولاد غير الشرعيين رغم كثرة استعمال الحبوب المضاد للحمل ، وختامًا نسأل الله أن يوفق جميع إخواننا لما يحبه ويرضاه وبما ذكرنا تعلم أن اللائق عدم الاختلاط.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
أملاه الفقير إلى عفو الله
فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي
المدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة
العلمانية في بلاد المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
أيها المسلمون: تزينوا بالتقوى وراقبوا من يعلم السر والنجوى فقوته هي الأقوى وجزاؤه هو الأوفى والآخرة عنده هي الأبقى .
أيها المسلمون: إن من المسلمات الواضحة والعقائد الإيمانية الراسخة أن الخلق كله عباد لله إما اضطراريًا وهي العبودية العامة لجميع الكائنات ، وإما اختيارًا وهي العبودية الحاصلة من المؤمنين المصدقين .
قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) (الذاريات: 56) .
ثانيًا: أن الذي خلق وقضى هو الذي أمر ونهى (( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ) (الأعراف: 54) .
فجمع سبحانه بين إثبات خلق الخلق - وهي ما يقر به ويؤمن سائر الناس - وبين الأمر والنهي الذي صارت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم .
ثالثًا: أن العبادة لله وحده لا شريك له لا يصرف منها شيء لغير اللَّه (( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ) (الزمر: 3) .
فكما تعتقد أنه واحد بأفعاله فوحده أنت أيها العبد بأفعالك ، فلا تشرك به شيئًا .
رابعًا: أن هذا الدين العظيم شامل كامل قد استوعب الزمان والمكان والجنس البشري (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) ) (الأعراف: 158) ، (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) ) (سبأ: 28) .
خامسًا: أن الدين مهيمن على كل شيء ؛ لأنه كلمة اللَّه وكلمة اللَّه هي العليا شرعًا وقدرًا فهو حاكم وما سواه محكوم وهو آمر وما سواه مأمور وهو متبوع وما سواه تابع . قال تعالى: (( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ) ) (يوسف: 40) .
وقال تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ ) ) (النساء: 65) .
فهذا الدين يحكم حياة المسلمين وينظم أمورهم في مسائل الإعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والإقتصاد .
قال تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا.. ) ) (المائدة: 3) .
ومما هو مجمع عليه عند أئمة المسلمين ومتقرر لدى عامتهم أنه لا يجوز بحال من الأحوال رفض شيء من أحكام الإسلام وإستبداله بغيره من أحكام البشر وقوانينهم تحت أي مسمى ... ولأي ظرف أو عذر . وأن من فضل الأحكام البشرية على الأحكام الشرعية أو حتى فعلها معتقدًا جوازها من غير تفضيل فإن ذلك كفر وردة عن الإسلام وهو أحد النواقض العشرة التي يحفظها صغار الطلبة.
أيها المسلمون: في أي مرحلة من مراحل ضعف المسلمين عبر التاريخ لم يكن هذا الضعف وذلك التقصير بسبب ضعف إيمانهم وقناعتهم بشمولية هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان أو كان راجعًا إلى رفض بعض أبنائه لشيء من أصوله الكبرى وعراه الوثقى كالذي نشاهده اليوم.
أيها المسلمون: وعبر تاريخ المسلمين الطويل حدثت بدع وظهرت فرق ونشأت طوائف ضلت عن سواء السبيل في مسائل الإيمان والأسماء والصفات والقضاء والقدر ، وغيرها كبدع الرافضة والقدرية والخوارج والمرجئة والصوفية وغيرها ، كلما ظهرت بدعة وأطلت فتنة تصدى لها الأئمة وعلماء السنة بالرد والبيان ، وهكذا في كل عصر ومصر وإلى يومنا هذا لا تزال طوائف تترى وبدع تنتشر وتتلى لا تقل أثرًا ولا تهون خطرًا من تلك التي قاومها أئمة السنة وعلماء السلف.