فهرس الكتاب
الجديد في مبادرة الشرق الأوسط الكبير هو أن الأمريكان قد لجأوا هذه المرة إلى إشراك الأوروبيين في المسألة، وهذا بالطبع جاء تحت ضغط المقاومة العراقية التي يمكن أن تتحول إلى حالة عربية إسلامية وتكون خطرًا على المشروع الغربي برمته وليس المشروع الأمريكي فقط، وأمام مثل هذا الخطر؛ فإن أمريكا تتخلى عن غطرستها وتشرك الأوروبيين معها والأوروبيون يتنازلون عن مصالحهم المتعارضة مع أمريكا لمواجهة هذا الخطر ويشاركون الأمريكيين في المسألة، وهذا ما يفسر قبول الأوروبيين بالمشاركة في المبادرة، بل وتتخلي ألمانيا عن معارضتها لأمريكا عمومًا وهكذا أقوال وزير خارجيتها التي تصب في دعم أمريكا تمامًا، وهذا الموقف ليس جديدًا لا على أوروبا ولا على أمريكا؛ فهناك بالطبع تناقضات مصالح بين هذه الدول وبعضها ولكنها تناقضات ثانوية في النهاية يتم تسويتها باقتسام الكعكة أو زوالها بظهور خطر حقيقي عليها كلها مثل خطر المقاومة والتاريخ مملوء بنماذج لزوال تلك التناقضات الثانوية مثل ترحيب فرنسا بالاحتلال الإنجليزي لمصر 1882؛ وذلك لذبح الثورة العرابية لأنها كانت تشكل خطرًا على المشروع الاستعماري الأوروبي بأكمله وقد قال ذلك مباشرة وزير خارجية فرنسا في إطار تهنئته للإنجليز بهزيمة عرابي ، والأمر نفسه حدث في الاتفاق الودي الفرنسي الإنجليزي عام 1904 والذي ضربت فيه فرنسا الحركة الوطنية المصرية في ظهرها بعد أن أظهرت لها التأييد قبل ذلك وهو نفسه ما يفسر الموقف الفرنسي"الضمير الفرنسي المطاط"في الموقف من العراق منذ عام 1990 وحتى الآن والموقف الألماني مؤخرًا والموقف الروسي"السوفيتي"عام 1967..، وغيرها من الأمور التي تبدو غير مفهومة بعض الوقت ما لم يتم وصفها في إطار نظرية التناقضات الثانوية التي تزول أمام التناقض الجوهري وهو التناقض بين الحضارة الإسلامية ككل والحضارة الغربية ككل!
صناعة خارجية مرفوضة
بقي أن نقول إن تلك المبادرات تأتي بطريقة فوقية، فلا الشعوب شاركت في مناقشتها - وهذا طبيعي - ولا حتى الحكومات الصديقة للغرب تم استشارتها وهذه إهانة لها! وهي مبادرات على طريقة القص واللصق، ومهما كانت النية وراءها؛ فإن الجسم العربي الإسلامي سيرفضها بالضرورة بحكم التكوين الحضاري والثقافي وبحكم الحساسية التاريخية وبحكم أنها صناعة خارجية.
أوهام الحرية من نافذة"أبو غريب"!
عبدالرحمن فرحانة 15/3/1425
أخلاق الكابوي الأمريكي ظهر نموذجًا مركزًا منها مؤخرًا على شاشة محطة الـ (سي بي إس) الأمريكية ، إذ بثت القناة صورًا لجنود أمريكيين؛ وهم يقفون ضاحكين ويلوحون بعلامة النصر بأصابعهم، بينما تكوّم سجناء عراقيون عراة على شكل هرم أو وقفوا في أوضاع وكأنهم سيمارسون الجنس مع بعضهم البعض، وفي مشاهد أخرى لم تنشر صور أخرى لأسرى كتب عبارات نابية باللغة الإنجليزية على أجساد هم.
تلك المشاهد وغيرها مما لم تتمكن الكاميرات من التقاطها وما زالت تمارس لأنها ليست حوادث معزولة كما أكدت منظمة العفو الدولية التي أفاقت من غفوتها أخيرًا؛ لتطالب الإدارة الأمريكية بالتحرك الفعلي لإيقاف تلك التجاوزات، وليس فقط على شاشات التلفزة عبر تصريحات تضمنت عبارات الاشمئزاز والصدمة كلازمة من ضروريات"البروبوغندا"الإعلامية الغربية عمومًا.
الديلي ميرور البريطانية أيضًا وفي عددها الصادر بتاريخ 1/5/2004م نشرت صورة مذلة لأسير عراقي وقد اعتمر كيسًا على رأسه ومقيد اليدين بينما جندي بريطاني - من أبناء حضارة الرجل الأبيض- يبول على جسد الأسير العراقي . وهي نماذج لممارسات ممنهجة تسير وفق برامج مدروسة بهدف انتزاع المعلومات أداتيًا ولإخضاع المقاومة العراقية هدفًا وغاية . وقد أكدت هذه المنهجية صحيفة"الغارديان"البريطانية نقلًا عن السيرجانت إيفان فريدريك أحد الضباط الذين مارسوا عملية التعذيب ذاتها ، إذ أشار هذا الضابط بأنه توجه عدة مرات لمرؤوسيه يبلغهم عن اعتراضه عن هذه الممارسات المهينة فتلقى ردًا زاجرًا مفاده أن يفعل ما يطلب منه.
إذًا النفاق الأمريكي والبريطاني حول الصدمة لما تم اكتشافه لا يمكن تغطيته ، خاصة أن نائب وزير الدفاع الأمريكي وولفويتز زار سجن أبو غريب في إحدى رحلاته للعراق ، وقد بثت بعض وكالات الأنباء صور له وهو يخرج من سجن أبي غريب. ومن المفترض أنه تفقد السجن واطلع على شؤون إدارته ولا أظن أن هذا المتصهين الحاقد لا يعلم بهذه الممارسات بل ربما يكون مسؤولًا عنها.
"حملة تحرير العراق"قدمت نموذجًا حضاريًا بديلًا وفق مقاييس"الحضارة الغربية"عن النموذج الصداّمي البائد. ويبدو أن السوط الأمريكي أعذب وأشهى للجلد العراقي في نظر بعض المتماهين مع الأجندة الأمريكية أمثال الطالباني الذي صعق الأمة بتصريحاته التي قلّل فيها من شأن هذه التجاوزات اللاأخلاقية للاحتلال الأنجلوسكسوني لعاصمة الرشيد.
هذه المشاهد المذلة والصارخة لطمة في وجه الجميع ؛ لأنها دلالة واضحة وفاضحة لرسالة أمريكا بالمنطقة وإحراج لكل الوكلاء المدافعين عن هذه الرسالة، وهي في ذات الوقت لطمة في وجه الضمير العربي والإسلامي المخدّر بنفوذ الهيمنة الأمريكية التي تعقد الألسن وتحلّ مفاصل الأرجل خوفًا ورهبًا.
وللمهتمين بشؤون الكرامة العربية يقول الجنرال السير مايك جاكسون قائد الجيش البريطاني تعليقًا على المشاهد التي بثها الإعلام البريطاني"إذا ثبت ذلك فإنهم غير مؤهلين لارتداء زي الملكة، لقد شوهوا الاسم الطيب للجيش البريطاني".
السير جاكسون يهمه فقط"زي الملكة"و"سمعة الجيش البريطاني"أما قيمة الإنسان المسلم فلا تشملها المعايير الإنسانية للحضارة الأنجلوسكسونية.
وإزاء هذه المشاهد الفاضحة لا يهمنا بعض إجراءات التحقيق البهلوانية للتغطية على سوءة الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، ما يهمنا درجة حرارة الدماء التي تجري في العروق العربية.. والسؤال الكبير: أي مصلحة في هذا السكوت القاتل؟
هل هناك مصالح سياسية واستراتيجية من الوجود الإمبريالي الجديد بمنطقتنا يحتم علينا أن نبتلع هذه الإهانات التي تدمر شخصيتنا الحضارية ووجودنا الأخلاقي؟!
في روح قيمنا ورحم ثقافتنا مفاهيم تفردت أو تميزت بها أمتنا وحضارتنا عن بقية الأمم ؛ على رأسها العزة والأنفة والكرامة. وذاكرتنا التاريخية تنبئ أن خليفتنا المعتصم العباسي حرّك جيشًا عرمرمًا لتحرير أسيرة واحدة فقط سباها الروم ؛ فكيف ترضى الأمة أن يستبيح الروم عاصمة ذلك المعتصم ليسومون أسرانا في سجونها سوء العذاب وألوان المذلة؟!
ماذا جرى للعقل والضمير العربي والإسلامي؟ هل غدا عاجزًا عن فهم فقه الكرامة ؛ تلك المفردة التي تفرّد بها القاموس العربي؟!
لا نريد معتصمًا عباسيًا ولا صلاحًا أيوبيًا ، لأنه ربما يكون الطلب صعبًا في هذا العصر العبري المشبع بالنفوذ الأمريكي ، ولكننا نأمل أن ترتفع درجة حرارة الدم العربي المسلم وأن ترتقي مجسات الحس في الجلود السميكة .
هذه دعوة لفقه الكرامة عسى أن تدرّسه عواصمنا لأجيالها على أمل أن نستنقذ ذاتنا من هذه الوهدة الحضارية الواطئة.
إن حركة التاريخ تقرر حقيقة مفادها أن هذه الأمة وحضارتها تسير وفق خط بياني يتذبدب بين الصعود والهبوط ، لكنها عصيّة على الموت والفناء الحضاري .
بقي أن يتحرك أبناؤها لرفع الخط البياني تجاه الصعود .
انحطاط حضارة..أم سلوك فردي؟!
د. محمد مورو 8/4/1425