لكن الذي يرجوه الكاتب هو أن تتغير القيم المتعلقة بعمل المرأة. إن القيم السائدة الآن ـ ولا سيما في البلاد الاسكندنافية ـ تعلى من قدر المرأة التي تعمل، وتنظر باحتقار إلى التي تبقى في البيت. فإذا ما تبين أن عدم بقاء الأم مع أطفالها الصغار ضار بهم فإن هذا القيمة الشائعة الآن قد تتغير فيما يرى. وقد يساعد عصر المعلومات في حل إشكال عمل المرأة بأن يمكنها من أن تعمل من داخل بيتها
وكما كان للدين تأثير في إعادة بناء المجتمع في الماضي فيتوقع أن يكون له تأثير الآن. لكن الرجوع إلى الدين هذه المرة لن يكون رجوعا إلى التصديق بالوحي، بل سيكون رجوعا إليه بسبب تأثيره الحسن على الحياة الاجتماعية.
ييدو أن الكاتب ليس رجلا متدينا لكنه مع ذلك يعترف في كتابه بما للدين من تأثير في ما سمي بالرأسمال الاجتماعي. فالدين في رأيه هو الذي جعل القيم قيما إنسانية عالمية،لا قيما فردية أو أسرية أو قبلية. لكنه يعتقد كما رأينا بأنه من غير المحتمل أن ترجع المجتمعات الحديثة إلى التصديق بحقائق الدين. لكن قيم الدين مبنية على الإيمان بحقائقه، فهي تابعة لهذا الاعتقاد ومنبثقة عنه. فإذا ضعف أو انعدم الإيمان بحقائقه ضعف أو انعدم الإيمان بالقيم الخلقية المتصلة به. إن مشكلة الغربيين أنهم يفترضون أن كل ما يصدق على الدين الذي عرفوه يصدق على الأديان الأخرى، فكأن الأديان كلها عندهم دين واحد هو الدين النصراني. ومن البداهة أن هذا ليس بصحيح، وإذن فإن التطور العلمي والعقلاني الذي أدى إلى ضعف الإيمان بالنصرانية لن يؤدي بالضرورة إلى ضعف الإيمان بالإسلام، بل المتوقع أن يؤدي إلى الإيمان به، لما يجده فيه من يعرفه من عدم التناقض مع مقتضيات العقل، أو المخالفة لحقائق العلم. فلماذا لا يكون الرجوع إلى القيم اللازمة للمجتمعات عن طريق هذا الدين الذي لا يجد الشخص المعاصر مشكلة في الإيمان بحقائقه؟ هذا الذي نتوقع أن يحدث."سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [فصلت: 53]
يختم المؤلف كتابه بتخوفه على المجتمعات الليبرالية السائدة في الغرب الآن. وذلك لسببين. أولهما القيم الخلقية الوحيدة التي تقدمها الليبرالية للمجتمع هي قيم التسامح والاحترام المتبادل. لكن حين تتحول هذه القيم إلى دعوة إلى التعدد الثقافي بدلا من التسامح معه، وحين تصل النسبية الخلقية إلى غايتها، فإن الليبرالية تكون قد بدأت تتسبب في انهيار الأرض التي تقف عليها. وثانيهما أن التطور قد يجعل الالتزام ببعض القيم عسيرا مع أنها لازمة للمجتمع، فإذا ما تسارع هذا التطور لم يعط الناس فرصة للتكيف، فتكون النتيجة تأثيرا سيئا على المجتمعات.
ونختم نحن تعليقنا بتكرار القول بأن في الحقائق التي ذكرها الكاتب ما يؤكد أن علة العلل بالنسبة للمجتمعات الغربية ليست في التطور التقني متسارعا كان أم متباطئا، وإنما هي في بعدهم عن الدين الحق الذي يمدهم بالقيم الفاضلة، واستعاضتهم عنه بأفكار قد ثبت الآن بطلانها وعقمها الخلقي. وعليه فلاا حل لمشكلة التدهور الخلقي الذي صحب التطور العلمي والتقني إلا في الاستمساك بدين لا تتناقض مقرراته مع الحقائق العلمية ولا تتنافي مع القوانين المنطقية. والله الهادي إلى سواء السبيل.
أخرًجوهم .. فإنهم مسلمون
جعفر شيخ إدريس
19 صفر الموافق 4 مايو
كان هدف الطائفة الحاقدة من الصرب ممثلة في رئيسها الدكتاتور المغرور المستكبر الكذاب ميلوسيفيك هو إخراج المسلمين جميعا من كوسوفو، بل ومن أوربا كلها إن أمكن، بل ومحوهم من على ظهر الأرض إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وكان السبب ـ المعلن على الأقل ـ لدول الناتو في قصفها ليوغسلافيا هو هو رد هذا البغي الصربي على المسلمين (أو الكوسوفيين من أصل ألباني كما يسموتهم) وأن يضمنوا لهم شيئا من الحكم الذاتي الذي يحقق لهم شيئا من الاستقلال والمحافظة على هويتهم.
وربما كان المتوقع أن يستجيب ميلوسوفيك لمطالب الناتو بمجر أن يرى الصواريخ تمطر على بلادة فتحطم بعض الجسور وبعض المباني وتلحق ببلاده بعض الأضرار الاقتصادية. لكن هذا لم يحدث. بل الذي حدث أنه بينما كان الناتو يقصف بلاده كان هو يزيد من نشاطه ضد المسلمين فيرسل مزيدا من قواته المعتدية على المسلمين في كوسوفو لتواصل مهمتها الإجرامية في قتل الشباب واغتصاب النساْء وتجويع الشيوخ والاطفال، وإجلاء الجميع عن بلادهم، ليتفرقوا أيدي سبأ في أوربا وأمريكا.
فماذا بعد هذا؟
قد يوافق الدكتاتور الصربي على مطالب الناتو بعد أن يضمن أن كوسوفو قد خلت من المسلمين أو كادت. فهل ترضى دول الناتو بهذا فتوقف قصفها وتنهي حربها؟ لئن فعلت لتظهرن أمام شعوبها بأنها قد خابت في مهمتها الأساسية التي كانت قد سوغت لهم بها قصفها. ما أظن أن هذه نتيجة تقبل بها هذه الدول لأنها تعلم أن لها آثارا بالغة في نفوس شعوبها: إنها ستقلل لا محالة من إيمان شعوبها بإنسانية حضارتها، وتضعف من ثقتها بحكوماتها.
ستحاول هذه الدول إذن أن تعيد الكوسوفيين المشردين إلى بلادهم. ولكن هل سيرجعون طائعين؟
إذا كان الرجوع إلى بلد لا يزال تحت سلطان الصرب بأي شكل كان، فما أراهم فاعلون بعد أن ذاقو ما ذاقو على أيديهم من الظلم والإذلال والهوان. وإذا لم يرجعوا فإن الناتو يكون قد فشل مهما حاول بإلقاء اللوم عليهم، لأن دوافعهم في عدم الرجوع ستكون بادية لكل عاقل.
إن الضمان الوحيد لرجوع الكوسوفيين هو الانفصال الكامل عن يوغسلافيا ليختاروا بعد ذلك أن يكونوا دولة مستقلة أو أن ينضموا إلى ألبانيا. فهل توافق دول الناتو على ذلك؟ إن لم تفعل ولم يرجع المسلمون إلى ديارهم فإن المتعصبين الصرب يكونون قد حققوا هدفا ثانيا من أهدافهم هو انسلاخ الكوسوفيين المشردين بعضهم أو أكثرهم عما تبقى لهم من هوية إسلامية، لأن هذا هو الذي سيحدث لا محالة إذا ما تمزقوا شذر مذر في بلاد غير إسلامية.
إن إخراج الكفرة المستكبرين للمسلمين المستضعفين من أرضهم ليس بالأمر الجديد، بل هو سنة متبعة كما يبين القرآن الكريم. لكنا ربما كان يظن أن هذا إنما يحدث للمسلمين الشديدي التمسك بدينهم، لكن هاهي تجارب عصرنا تثبت لنا أن المستكبرين من الكفار لا يقبلون من المسلمين حتى مجرد الانتساب للإسلام، لا يرضون لهم إلا الانسلاخ الكامل عن هذا الدين. (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال أولو كنا كارهين؟)
الأمة الحائرة بين تصادم الحضارات وعلمانية العالم . . !
في دائرة الضوء
الأمة الحائرة بين تصادم الحضارات وعلمانية العالم .. !
عطية فتحي الويشي
في إطار نظرية المفكر الأمريكي صموئيل . ب . هانتنجتون عن تصادم
الحضارات: انصبت جهوده في استعداء الحضارات الإنسانية على الإسلام باعتبار
ما يتمثل خطره - على حد قوله - في التيارات الأصولية المتشددة ، تلك التيارات
التي ألمح إليها في مطاوي نظريته ، مشيرًا إلى مقولة أخيه المفكر اليهودي
الأمريكي برنارد لويس Luis ، التي يقرر فيها: « إننا نواجه حالة نفسية ، وحركة
تتجاوز إلى حد بعيد مستوى القضايا والسياسات التي تنتهجها الحكومات ، وهذا
ليس بأقل من صدام الحضارات ، وهذا إن كان رد فعل غير عقلاني ، ولكنَّ له
جذورًا تاريخية مناوئة لتراثنا اليهودي المسيحي ، وحاضرنا العلماني ، والتوسع
العالمي لكليهما » ا . هـ .