فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 2255

والإنسان العربي المسلم الذي يريد أن يحتفظ بذاته وعقيدته المجال لا يسمح له بالانسياق وراء الحضارة الغربية أو أن يكون حتى جزءًا منها، ولنا تجارب ملموسة في ذلك، فأمامنا تجربة تركيا التي بدلت لنا كل شيء حتى"الطربوش"تم خلعه وتم إلغاء اللغة العربية واستبدالها باللاتينية، وألغى (كمال أتاتورك) الآذان، وأغلق المساجد، وصادر ممتلكات الأوقاف .

ولم تترك تركيا شيئًا لإرضاء الغرب وأوروبا إلا وفعلته، ومع ذلك فما زالت مرفوضة من الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي .

فالحضارة الغربية ترفض أن يقبلها غيرها إلا بعد التنازل التام عن الإسلام كله كدين، وأن يتنازل الإنسان المسلم عن ذاته للحضارة الأوروبية، وهذا هو المقوم الأول من مقومات المسخ والدجل في الحضارة الغربية .

أما المقوم الثاني والذي من خلاله ندرك أن هذه الحضارة الغربية غير صالحة للمسلمين أنها حضارة ليست عادلة، فهي قائمة على القهر والغلبة والظلم، وتقوم على استعمار الشعوب وامتصاص خيراتها، ولا تعرف حقوق الإنسانية بالمعنى العام للإنسانية، بل إنها تتلذذ وهي تسمع عن المئات من المسلمين الذين يقتلون في الأراضي المحتلة، فضلا عن آلاف المسلمين الذين تم قتلهم في البوسنة والهرسك وكوسوفا .

وهذا لا يمنع أن هناك نشوزًا عن هذا الأصل ، لأن الطبيعة الإنسانية لها ترجمات عن ذاتها، والفطرة لا تقهر، وإن كان هذا لا يمنع أن المسخ الأوروبي قد أصاب كثيرًا من الناس، ولكن مازالت عقول قادرة على الهروب من هذا المسخ فنجد مفكرين أوروبيين يقاومون النمط الأوربي للحياة .

أما المقوم الثالث الذي يجعل الحضارة الأوروبية مسخًا دجالًا فهو أنها تكيل بمكيالين، فما هو حق بالنسبة لها قد لا يكون حقا بالنسبة لغيرها، وهذا يشبه موقف اليهود الذين يدعون أنهم شعب الله المختار، وأن باقي الشعوب خلقت من أجل خدمتهم .

وعلى الذين يسعون للتعايش مع اليهود الآن أن يلتفتوا لطبيعة القيم السائدة عندهم، وأن يعلموا أن اليهود يؤمنون بحقهم في قتل وسرقة غير اليهودي، ولكنهم يحرمون هذه الجرائم فيما بينهم، وهذا بنص تلمودهم، ويعتبرون ذلك عبادة يتعبدون بها ويتقربون بها إلى الله، وهذه الثنائية في القيم لا يعرفها الإسلام، وهي من باب المسخ، فاليهود ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب الله المختار، وأوروبا تنظر لنفسها على أنها الجنس الأبيض !

التفاعل الحضاري

سؤال:لا شك أن لكل حضارة مقومات أساسية تقوم عليها تضمن لها الاستمرار والتعايش مع الآخرين، فما هو منطق الحضارات من وجهة نظركم ؟

جواب:الحضارة إذا أريد لها الاستمرار، فلابد لها من التفاعل مع منطقها ومع تركيبها الخاص، ولا توجد حضارة بدون منطق، أو مذاق خاص، وعندما تفقد الحضارة قدرتها على العطاء المتميز وتعبيرها عن ذاتها فإنها تصبح - كما أشرت - مسخا وعالة على غيرها، أو تصبح نسيجًا من حضارات لا أصالة فيها وبلا مقومات وبلا شخصية .

وللأسف فإن بعض الناس ممن لا ثقافة لهم ولا انتماء يروجون الآن لما يسمى بالحضارة الإنسانية. وفي الحقيقة لا يوجد شيء اسمه الحضارة الإنسانية، والبشر قد خلقهم الله يعبرون تعبيرات مختلفة عن أنفسهم، ويعطون عطاءات تختلف باختلاف الأمزجة والتاريخ والعقائد .

إن الصراع بين الحق والباطل سنة في هذه الأرض، وهناك حضارات تقترب من الحق، وهناك حضارات تتشكل من نسيج الباطل، وتدافع عنه، وهذه مقطوعة الصلة بالله - تعالى- .

عداء الغرب

سؤال:لماذا يتخذ الغرب موقفا عدائيا من الإسلام بشكل دائم، وما هو موقف العالم الإسلامي من هذا الموقف في تقديرك ؟

جواب:إذا نظرنا إلى العالم الإسلامي فيما بين العوالم الأخرى لوجدناه في مكانة متدنية، بل ويعيش عدد كبير من المسلمين في مناطق مختلفة من العالم في ذل وهوان لا يرقب فيهم أحد إلًا ولا ذمة، فتنتهك حرماتهم وتداس كرامتهم ويقتلون ويذبحون وتغتصب أراضيهم .

والغريب أنه - ومع كل ذلك - هناك حملات غربية لتشويه صورة الإسلام في وسائل الإعلام، وتعمل حملات التنصير جاهدة لتحويل المسلمين عن دينهم، كما يشارك في ذلك المستشرقون الذين لم يفهموا الإسلام حق الفهم، والذين أعماهم التعصب، فنظروا إلى الإسلام بمنظار أسود، وأصدروا تراجم لمعاني القرآن الكريم، وألفوا كتبا بثوا فيها سمومهم ليقنعوا بني جلدتهم بأن الإسلام دين باطل وهو دين التخلف والجمود، ولا يواكب التطور ولا يحترم المرأة .

وهذا الموقف الغربي يرجع تاريخيًا إلى الحروب الصليبية وهزيمة الغرب هزائم عسكرية، وفشله في السيطرة على بلاد الإسلام فأورثه ذلك كراهية للإسلام والمسلمين .

كما ساهمنا نحن المسلمين بواقعنا المرير المليء بالخلافات دولا وجماعات وبعد سلوكياتنا عن الإسلام في إتاحة الفرصة للغرب ليقول ما يشاء، حتى وصل الأمر إلى أننا إذا أردنا أن ندعو الغربيين إلى الإسلام فلابد أن نبرهن لهم أننا غير مسلمين

الفكر الإسلامي في زمن العولمة 1/2

معالم الصراع الفكري في العالم العربي

محمد سليمان أبورمان 4/9/1424

يعد سؤال الهوية من الأسئلة المحورية في الفكر العربي المعاصر، وقد شغل هذا السؤال كثيرًا من مداولات وسجالات المفكرين العرب، وأدخلهم إلى ميادين الصراع الفكري، وقسّمهم إلى فئات متنازعة حول الأصول الفكرية والمعرفية التي ينبغي أن تحكم مسيرة النهضة والتنمية، والخروج من كهف التخلف ومن ظلمات التيه.

وأخذ الصراع الفكري أشكالًا متعددة ، ومر بمراحل مختلفة في العالم العربي في فترة العصور الحديثة ، لكنه وصل اليوم مع العولمة إلى مرحلة متقدمة جدًا تمتاز بوجود أمريكي مهيمن على العالم، وحداثة غربية تنتقل وتسود بشكل كبير - مع تطور ثورة الانفوميديا -.

و يجد الفكر الإسلامي اليوم نفسه أمام تحديات كبيرة في عدة مستويات: مستوى نقد الحداثة الغربية، ومستوى مواجهة ظواهر التشدد والانغلاق والجمود الفكري في الداخل، ومستوى صوغ استراتيجية فكرية تدفع بالإنسان والمؤسسات في العالم العربي إلى المضي بفعالية و قوة في مشروع النهضة والتنمية وتجاوز مرحلة الانكشاف الحضاري السافر الذي وصلنا إليه أمام الآخر، والخروج من الفجوة الكبيرة بين حالتنا الحضارية ورصيدنا الحضاري الكبير..

المدرسة الإصلاحية:

بدأت أولى الجدالات حول مسألة الأصالة والمعاصرة ، ودور الفكر الإسلامي في مواجهة التحديات الكبرى مع الحملة الفرنسية على مصر ، وعودة الطلاب العرب الدارسين في الغرب ، وجاءت أبرز المساهمات الرائدة في هذا المجال مع رحلة رفاعة الطهطاوي والذي سجّل ملاحظاته ورؤيته و استنتاجاته حول الحضارة الغربية في كتابه"تخليص الإبريز في تلخيص باريز".

ثمّ كانت أبرز المحاولات الفكرية في مواجهة التحدي الحضاري الغربي - و ما وصل إليه من فلسفة وعلوم ومعرفة وما صاحب ذلك من تقدم وتطور تكنولوجي - من قبل ما عرف بالمدرسة الإصلاحية ( جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي ، محمد عبده ، رشيد رضا ، علال الفاسي ، ابن عاشور ، ابن باديس ) ، وقد تمركزت مجهودات هذه المدرسة في:

-الإطلاع على المعرفة والثقافة الغربية، وهضم أصولها، ودراستها دراسة نقدية.

-رصد الجوانب الإيجابية في المعرفة والثقافة الغربية، والعمل على الإفادة منها في المشروع النهضوي الإسلامي.

-رصد جوانب الخلل في المفاهيم الحاكمة في هذه الحضارة، وتنبيه المسلمين إليها، وإلى خطورة الوقوع فيها، خاصة الفلسفة المادية في النظر إلى الوجود والحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت