فهرس الكتاب

الصفحة 1572 من 2255

حسب خبراء الصحة في الدول الغربية ومنظمة الصحة العالمية، ومراكز مكافحة ظاهرة الانتحار والمساعدة النفسية، والاجتماعية في ألمانيا وفرنسا ، فإن أسباب الإقدام على الانتحار تختلف من فئة إلى أخرى ، فقد استخلص بحث قام به المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي في فرنسا هذه السنة أن 33 في المئة ممن سبق وحاولوا الانتحار كانوا يهربون من المنزل ، و53 في المئة يستهلكون الحبوب المهدئة بإفراط ، و72 في المئة مازوشيون و36 في المئة كانوا ضحايا عنف جسدي و23 في المائة ممن تعرضوا إلى عنف جنسي .

وتتركز أسباب الانتحار وسط المراهقين والشباب في الشعور بالعزلة، وافتقاد الحياة الأسرية السليمة والعاطفية، وعدم الثقة في المستقبل والفراغ، والعنف داخل الأسرة وإدمان الكحول ، أما فئة المسنين فتعود أسباب الانتحار وسطها إلى العزلة والتقوقع على الذات وفقدان الشريك والمساندة العائلية .

ونجد أكثر الأسباب شيوعا هي العزلة التي تكون قاسما مشتركا بين الجميع ، بسب نمط الحياة الغربي الذي ينبني على الفردية المطلقة ، وحسب ما ذكره المعهد الفرنسي للإحصاء ( انسي) في العام الماضي فعدد الفرنسيين الذين يعيشون بمفردهم قد تضاعف بين عامي 1968 و 1990 ، ويعيش 40 في المئة من السويديين و سبعة ملايين بريطاني بمفردهم ، وهو عدد يبلغ ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل أربعين سنة ، ووفقا لما جاء في تقرير ( بريطانيا 2010 ) لريتشاردسايكس أستاذ علم السلوك التنظيمي في جامعة كنت ، فإن المساكن التي يعيش فيها شخص واحد فقط ستفوق في عددها تلك المساكن التي تقطنها العائلات والأقران خلال عقد من الزمان ، وفي أحياء لندن الراقية فإن نصف البيوت تقريبا يسكنها أفراد يعيشون وحدهم .

إنها الكلفة الباهظة للتقدم المادي والتقني بعيدا عن القيم الروحية، ونتيجة خطيرة للفلسفة المادية في الحياة وهيمنة العلمانية والإيمان الأعمى بالعقلانية ، فظاهرة الانتحار تنتشر حتى في صفوف النخبة والمثقفين و المغنيين والفلاسفة ، فقد بنى العديد من المفكرين الأوروبيين مذاهبهم الفلسفية على الانتحار باعتباره دليلا على حرية الاختيار في الحياة ( هكذا ! ) مثل الفرنسي البير كامو الذي أدت نظريته هذه إلى انتحار العديد من القراء الشباب الذين تأثروا بها ، ووضع العديد حدًا لحياتهم مثل أرنست هيمنغواي و نيتشه والمغنية مارلين مونرو و غيرهم كثير ، وكان هؤلاء هم أنفسهم الذين بشروا بالقيم الغربية المادية وأخلاق القوة والتقدم والعقل ، فراحوا ضحية هذه القيم ، فهل يستيقظ أبناء جلدتنا الذين يدعوننا صباحًا ومساءً إلى التقليد الأعمى للغرب والسير في ركابه ؟ .

إذا أردنا دعوة الغرب للإسلام فلا بد أن نبرهن بأننا غير مسلمين!

الإسلام اليوم - حوار: طه عبد الرحمن 1/8/1423

د. عبد الحليم عويس، مؤرخ إسلامي له باع طويل في هذا الفن، إذ عمل أستاذًا للتاريخ الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لمدة 17 عامًا، وسبق أن درس قبلها في جامعات الكويت والجزائر.

شغل في فترة من حياته منصب مستشار رئيس رابطة الجامعات الإسلامية، وله العديد من المؤلفات الإسلامية.

استضفناه في موقع"الإسلام اليوم"عبر هذا اللقاء الماتع الذي خصصناه عن الحضارة الغربية وإنسانية المجتمع الغربي، فأكد لنا أن حضارة الغرب ليس"لديها مشروع إنساني"، بينما توازن الحضارة الإسلامية بين العقل والروح، فهي تقدر الأشياء بقدرها ولا تبخسها حقها.

وأكد أن هنالك فوارق عديدة بين الحضارة الغربية والإسلامية ، فالمشروع الإسلامي يعطي أولوية للبناء الداخلي ، في حين أن حضارة الغرب كالمسيخ الدجال لا ترى إلا بعين واحدة .

كما تحدث عن قضايا أخرى ، جاءت في الحوار التالي:

فوارق الحضارات

سؤال:هل يمكن إيضاح الفوارق بين منهج الإسلام كحضارة في مختلف المجالات ، وبين منهج الحضارة الغربية ؟

جواب:لا شك أن منهج الإسلام في ذلك يقوم على عدة أمور أولها تقدير الله حق قدره، فنحن لا ننس أننا أصحاب منظومة دينية، ولا ننكر أن الدين هو أساس الحياة، وكما يقول فلاسفة كثيرون أن الإنسان يستطيع أن يعيش بدون أشياء كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يعيش بغير دين .

فالمنظومة الإسلامية الحضارية تعطي للدين أولوية وتقدر الله حق قدره،

أما المشروع الغربي للحضارة فقد أنزل الله منزلة لا تليق به حتى جعلته بطلا في بعض الأساطير عند اليونانيين، وجعلت هناك إلها للخير وإلها للشر، وثالثًا للجمال ورابعًا للحب.

إلا أن المشروع الحضاري الإسلامي يعطي الكمال المطلق لله وينزهه عن الشبيه كما في قوله - تعالى- { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .

كما أن الإسلام وضع حلولا فاصلة بين الحلال والحرام، والأشياء التي حرمها لم يكن تحريمها عبثًا، ولكن لأنها ضارة بالإنسان .

أما الحضارة الغربية، فقد أغفلت جانب مراقبة الله، فالحرية عندها بديل عن الدين، والعقل بديل عن الله، والحرية لها حدود نسبية يتفق عليها البشر، وبالتالي نستطيع أن توسعه أو تضيقه كما فعلوا في بلاد السويد عندما أباحوا كل شيء، ولذلك فهم الآن يعانون الأمرين من ذلك، بعد ارتفاع معدلات الجريمة والانتحار بنسب مخيفة، وهذا ما يؤكد علة أن الإنسان لم يخلق كي يضع لنفسه دينا باسم الحرية .

ونحن المسلمين نؤمن بالعقلانية أكثر من الغرب، ولكن العقلانية المنسجمة مع ما أنزل به الوحي وهو القرآن الكريم .

الأمر الثالث في الفوارق بين المشروعين الإسلامي والغربي هو أن المشروع الحضاري الإسلامي يعطي أولوية للبناء الداخلي، فالله -عز وجل- يقول { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } . فالنهضة والحضارة لا تقومان بالعوامل الخارجية ولا بالمعونات .

لذا فأنا أرى أن ما يأتينا من مساعدات أوروبية وأمريكية هو وبال علينا، لأنه يعودنا الخمول والكسل، فيجب أن تعتمد الأمم في بناء نهضتها على الأفراد والعوامل الداخلية وأهمها الإنسان، وعلاقته بالكون وبمن حوله من البشر، واستغلال الإنسان للوقت والاستفادة منه .

أما في الحضارة الغربية فهي حضارة شيئية فقط، وتجعل من الإنسان وسيلة ، فهي تعد المرأة سلعة تباع وتشترى، ثم تدعي بعد ذلك أنها تدعو لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل وهي في الحقيقة تمتهن كرامتها .

أما الحضارة الإسلامية فهي - كما ذكرت - حضارة متوازنة تقدر الأشياء بقدرها ولا تبخسها حقها، وترى أن الروح أيضا ضرورية ، كما أن العقل ضرورة، فالإسلام يجمع بين هذه الثلاثية في تآلف شديد .

كما أن الأخلاق في الحضارة الإسلامية مطلقة وليست نسبية كما هي في الحضارة الغربية، فالسرقة هي السرقة، والكذب هو الكذب لا تحوير لهما كما هو في الغرب .

مدنية زائفة

سؤال:هناك آراء في المشروع الغربي يطلقها البعض على أنها مدنية وعمارة للإنسان ، فما ردكم على ذلك ؟

جواب:حضارة الغرب ليس لديها مشروع إنساني، فهي كالمسيخ الدجال لا ترى إلا بعين واحدة، وكل العرب والمسلمين الذين يعتقدون أن لها مكانًا بين الحضارات، فإنهم سرعان ما سيكتشفون زيف اعتقادهم، وإذا ساروا في فلكها فإنهم يسيرون في طريق الانتحار والغواية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت