{ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } (8) { فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى } (9) .
{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } (10) { أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } (11) .
{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } (12) .
ولعل حديث الرسول الكريم « إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها » (13) من أقوى الأدلة على احترام الإسلام لاستغلال الأرض وعالم الأشياء الموجهة للخير والمتناسقة مع حاجات الإنسان وأهدافه من الحياة .
وعندما يزهد الإسلام في الدنيا - في بعض الآيات كما ذكرنا -
(1) سورة آل عمران الآية 49
(2) سورة الرحمن الآية 10
(3) سورة الرحمن الآية 11
(4) الرحمن 10 واقرأ الآيات التالية لها
(5) سورة لقمان الآية 20
(6) سورة الحجر الآية 19
(7) سورة الحجر الآية 20
(8) سورة الأعلى الآية 4
(9) سورة الأعلى الآية 5
(10) سورة النازعات الآية 30
(11) سورة النازعات الآية 31
(12) سورة النحل الآية 10
(13) مسند أحمد بن حنبل (3/184) .
ويجعلها (متاع الغرور) فإنما يوجه الإنسان إلى أن يبقى هو القائد للأشياء ، والموجه لها ولا يصبح موقعه منها مثل موقع الإنسان المعاصر من التكنولوجيا التي أصبحت تقوده إلى المجهول ، ( كما يوضح رينيه دوبو في كتابه إنسانية الإنسان ) ، وبالتالي تختل النسبة بين الإنسان والفكر والأشياء ويقع الانهيار .
-ومن الغريب الجدير بالذكر أن عوامل ميلاد الحضارة أو بنائها هي كذلك عوامل سقوطها ، فعندما ينحل الإنسان ويفقد الرؤية يتحول هو نفسه ( بالظلم أو بالترف أو بهما ) إلى عامل هدم لنفسه ولمجتمعه وحضارته ، وكذلك تتوارى الفكرة الصائبة وتحل محلها الفكرة النفعية التبريرية ، وفي النهاية تطغى الأشياء وتصبح هي السمة الحضارية الطاغية ، بل ينظر إليها من خلال مظاهر الترف والاستمتاع على أنها هي الحضارة ، بينما هي في هذه المرحلة وبهذا الطغيان السرطان الذي دخل إلى جسم الحضارة .
الحضارة والتحضر السقوط في التبعية الاصطلاحية
قضايا ثقافية
الحضارة والتحضر
السقوط في التبعية الاصطلاحية
محمود سلطان
عندما انتقد ( جاكوبز وستيرن ) مصطلح ( حضارة ) ووصفه بأنه( مصطلح
فضفاض مشكوك في قيمته ) [1] كان يعني أن ثمة طعنًا على صدقية الاجتهادات
التي تصدت لتعريف المصطلح ، ولأنها أي تلك الاجتهادات - يشوبها شكوك في
حيدتها العلمية ، على الأقل ، وربما يكون اتساع شقة الخلافات بين علماء
السوسيولوجيا ( علماء الاجتماع ) حول المضمون المعرفي للمصطلح - والذي لا
يزال قائمًا حتى الآن - هو الذي حمل ( جاكوبز ) على انتقاد النزعة نحو الإسراف
في الاحتكام إلى مصطلح ( حضارة ) ومشتقاته في قياس مستويات تحضر
المجتمعات . بيد أن ثمة ملاحظات أخرى أكثر أهمية ، هي - في اعتقادتنا - في
طليعة الأسباب التي تدعونا إلى عدم الارتياح ( للوظيفة المعيارية ) للمصطلح ،
ولعل أبرزها: أن الصياغات المختلفة التي تناولته يُشْتَمُّ منها رائحة التحيزات
الأيديولوجية والسياسية والعرقية ( السلالية ) بشكل واضح ، وإذا علمنا أن جل هذه
الصياغات قد خرجت من تحت عباءة علم الاجتماع الرأسمالي ( أو الاشتراكي )
الغربي ، فإن استخدام المصطلح ، لم يكن بريئًا ( للأغراض العلمية ) ، وإنما دخل
حلبة ( التنظير الأيدلوجي ) للحضارة الغربية ، على النحو الذي يحفظ ( للأخيرة )
استعلاءها ( وازدارءها ) لثقافة الآخرين وحضارتهم .
فعندما استخدم kant كلمة حضارة بمعنى ( السلوك ) قوبل بنقد شديد ، خاصة
من علماء الاجتماع الغربيين في الوقت الحديث من الذين عاصروا صعود
الرأسمالية الغربية في الفترة من القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين ،
وكانوا - في غالبيتهم - شديدي الحرص على استبعاد الاتجاهات التي ثبت في
يقينها أن الحضارة تعبر عن الإنجاز ( الروحي والأخلاقي ) للأمة ! إذ إن التسليم
بهذا التعبير الأخير يعني تراجع الحضارة الغربية من مركزيتها الاستعلائية لتتبوأ
منزلة أدنى ، وهي المكانة التي يأبى الغربيون أن يروا حضارتهم فيها ، ومن ثم
درجوا على استخدام ( فائض المادي ) معيارًا للحضارة ؛ إذ إن هذا الاستخدام -
وبحكم تقدمهم التكنولوجي - يُدخِل لهم إحساسًا زائفًا بالتفوق الحضاري .
نذكر هنا - على سبيل المثال لا الحصر - أن ألمانيا في عهد النازية الهتلرية
و الولايات المتحدة الأمريكية حتى عشية الحرب العالمية الثانية كانتا تفتقران إلى
أي مشروع أخلاقي ( أو إنساني ) يمكن أن يحملاه إلى العالم ؛ فالأولى ارتكزت إلى
( التفوق العرقي ) الذي أباح للألمان اجتياح العالم وتدميره بوحشية ، أما الثانية
فكان يطاردها شؤم الإبادة الجماعية للهنود الحمر ، بالإضافة إلى افتقارها إلى
التراكم الحضاري الممتد عبر التاريخ ، أي أنهما كانا يعانيان - بوعي أو بغير
وعي - من عقدة العجز عن القيام بدورهما الرسالي ، ولم يجدا عوضًا عن هذا
العجز إلا أن يشهرا في وجه العالم ( تقدمهما المادي ) لإيهامه بأنهم الأكثر
( تحضرًا ) ولقد شارك واحد من أبرز علماء الاجتماع الألمان ، وهو
( ألفريد فيبر ) - والذي عاصر صعود الهتلرية - في تزييف الوعي بمفهوم
( الحضارة ) للتستر على السقوط الأخلاقي للنازية ؛ حيث حمل على كل من
رأي في الحضارة تعبيرًا عن الإنجازات الروحية للشعوب ، واعبرها دلالة على
( العلم والتكنولوجيا فحسب ) وبالمثل نحا علماء الاجتماع الأمريكيون المنحى نفسه ،
حتى إن ( ميرتون ) استبدل في مؤلفاته - عشية إلقاء القنبلة الذرية على مدينتي
( هيروشيما ) و ( ناكازاكي ) اليابانيتين - كلمة ( حضارة ) بمصطلح( المستوى
التكنولوجي )، تمهيدًا لتسويق النموذج الأمريكي في التكنولوجيا والاقتصاد
والأنساق السياسية ، والذي كان يقفز قفزات واسعة نحو ( العولمة ) في ذلك
الوقت .
وكان أبرز تجليات ( خروج المصطلح ) وانفلات صياغاته عن( الحياة
العلمية )ودخوله ساحة ( التحيزات الأيديولوجية ) هو ظهور مصطلح( حضارة
الأطلسي )الذي زعم أن الأوربيين استوطنوا أمريكا وأن حضارة الأخيرة كانت
بالنتيجة وثيقة الصلة بأوربا بالمعنى الاقتصادي والسياسي والأيديولوجي . ولا شك
في أن الدعاية لهذا المصطلح كان يهدف إلى إثبات أن أمريكا دولة قديمة وأنها
ليست ( مقطوعة ) حضاريًا ، وأنها سليلة الحضارة الأوربية من جهة ، والتأكيد
على وجود ( جذور ) تاريخية بين الحلف العسكري - السياسي الراهن بين المنظمة
المعروفة باسم ( حلف شمال الأطلسي - الناتو ) من جهة أخرى [2] .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التعريف الذي وضعه ( تاليور ) E . B . Tylo صلى الله عليه وسلم
لمفهوم الحضارة في كتابه ( الثقافة البدائية ) لا يزال يحظى برضى قطاع ليس
بالقليل من علماء الاجتماع والأنثروبولجيا الأكثر رشدًا واستنارة في العالم وقبولهم
له ، ويصفه ( جي روشية ) بأنه أكثر التعريفات جدة [3] . وقد استخدم ( تايلور )
مفهومي: ( ثقافة ، وحضارة ) بمعنى واحد ، ويمكن لأحدهما أن يحل محل الآخر ؛
إذ يقول في مطلع كتابه:( إن الثقافة أو الحضارة ، بالمعنى الأثنوغرافي الواسع
للكلمة هو هذا المجموع المتشعب الذي يضم المعارف والمعتقدات والفن والقانون
والأخلاق والتقاليد وجميع الإمكانات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه
عضوًا في مجتمع معين ) [4] .
لقد اقترب هذا التعريف من المضمون الأكثر قبولًا لمفهوم الحضارة ، وأعاد