فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 2255

إن المعالم الواجبة التحقق في الفكر المبدع للحضارة معالم كثيرة وأهمها هي ( إيجابيته ) وحركته ( ديناميكيته ) فالفكر السكوني السلبي أو الانعزالي لا يصنع حضارة مهما كانت أخلاقيته أو مثاليته .

وهذا الفكر من أبرز واجباته أن يقدم تقنينا سليما لعلاقة الإنسان بمبدع الكون ، ثم يقدم تفسيرا لعلاقة الإنسان بالكون ، ولعلاقته بأخيه الإنسان .

فثمة مهمة محددة للفكرة الحضارية المؤهلة لإطلاق طاقات الإنسان نحو فعل حضاري حركي إيجابي - أهمها بإيجاز:

1 -تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالإنسان ( تشريعيا وأخلاقيا ) وفي الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة حديث عن العقيدة الإسلامية والشريعة والأخلاق- وهو يستغرق حيزا كبيرا - موجها لتغطية هذا الجانب .

2 -وتقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالكون ، وهل هي علاقة تسخير إذلالي أو هي علاقة تسخير فطري ودود ، كما هي وجهة النظر الإسلامية ، فالكون قد هيأه الله أصلا ليسخره الإنسان ، وأعطاه العقل القادر - بعون الله - على التسخير .

3 -تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بخالق الكون ، وواجبات الإنسان نحو خالقه وكيف يحقق عبوديته له ، ويمثل جانب ( العبادات ) والشروط المطلوب توافرها في (المعاملات ) وتوجيه (المعاملات ) - أي التعاملات الدنيوية - إلى حيث يرضى الله ويحب يمثل هذان الجانبان أبرز الوسائل لأداء الإنسان واجبه نحو الله سبحانه وتعالى .

إن قيمة ( الفكرة ) في المصادر الإسلامية الأصلية لا نستطيع التعبير عنه - بتفصيل - في هذا البيان الوجيز ، فهو مما يحتاج إلى بحث خاص ، لكننا نقول: إن مرحلة الفكرة هذه عنصر أساسي في مرحلة الحضارة ، والأفكار المطروحة قادرة على القفز بالأمم من كل مراحل السقوط ، وعندما تسقط الحضارة في ذروة من التاريخ ، وتكون الأفكار سليمة وموجودة على النمو الذي تتكفل به المصادر الإسلامية فإن إمكانية إقلاع الأمة من جديد يكون أمرا ميسورا . مهما كانت ضآلة الأشياء التي تملكها ، ومهما كانت خسائرها - إبان مرحلة السقوط - في عالم الأشياء ، فالأفكار تبقى هي الرصيد المخزون للأمة عندما تفقد الأشياء لقد كانت الفكرة الإسلامية هي التي أطلقت قطار الحضارة الإسلامية ، وضمنت له الاضطراد في التاريخ ، وكان الإنسان المسلم المعبأ بهذه الفكرة عن يقين جازم ، والذي يحس بأنه مبتعث بها في التاريخ ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله - كما قال ربعي بن عامر في وجه رستم - كانت الفكرة وكان إنسانها هما اللذان أنجزا ميلاد الحضارة الإسلامية (( ولقد واصل المجتمع المسلم بالفكرة تطوره ، وأكمل سبكه روابطه الداخلية بقدر امتداد إشعاع هذه الفكرة في العالم ) ) (1) .

4 -ولقد مرت بالأمة الإسلامية هزائم كثيرة وتعرضت لصنوف من الاحتلال التتري والصليبي والاستعماري لكنها استطاعت تجاوز المحنة بفضل الله ثم بفضل الفكر الذي كان يقودها ، ومن هنا تبدو خطورة ( غزو الأفكار ) - بواسطة التنصير والشيوعية واليهود - في العالم الإسلامي ، وهو ما عمد إليه الاستعمار بعد أن أدرك عدم جدوى الغزوات العسكرية التي لم يكسب منها شيئا إلا ما تعلمه في جامعات المسلمين ومدارسهم ، وهو يغزوهم أو يحاربهم ، ورجع به إلى بلاده ، فالأفكار هي الرصيد الصحيح الذي تلجأ إليه الأمم ، وهي الوقود المخزون في الباطن والأعماق إذا انتهت البضائع من أسواق ( الأشياء ) في مراحل الاستهلاك أو الاستنزاف الحضاري !!

(1) انظر بتصرف مالك بن نبي شروط النهضة 68 طبع بيروت

3 -الأشياء وقيمتها الحضارية:

إن قيمة الأرض في الإبداع الحضاري قيمة لا تنكر ، فهي مناط الزراعة ، وهي مناط الرعي ، وهي - بدرجة ما - مرتبطة بالتصنيع . وبقدر ما يستطيع الإنسان استغلال الأرض الاستغلال الأمثل ، وتطوير عطائها وتوجيهه بقدر ما يستطيع إبداع حضارة إنسانية موجهة .

-وأمامنا أمثلة حية في عصرنا ، حيث تقهر الحضارة في ميلادها وفي دورتنا الحالية في التاريخ بتأثير القهر الاستعماري الأمريكي الذي يفرض على السودان وعلى مصر وغيرهما عدم زراعة القمح بصورة تكفيهما أو تكفي للتصدير ، وتبقى الأرض في بلاد كثيرة في العالم الإسلامي في مرحلة بدائية الاستغلال بينما يزرع الياباني الأراضي التي فوق الجبال ، وبينما يزرع الشخص الأمريكي وحده ألف هكتار ، بينما هذا . . . تحرم الأمم المستعمرة ( وإن حملت اسم الاستقلال ) من تطوير زراعتها ، ويستأجر الاستعمار رجالا يضمنون الحفاظ على تخلفها ، ويضمنون أيضا إجهاض الفكر وإنهاك الإنسان .

لقد حث الله تعالى وجاءت السنة بمئات الآيات والأحاديث التي تحث على ( العمل ) وعلى استغلال الأرض ، وعلى الصيد والزراعة والصناعة والتجارة .

{ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } (1) .

{ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ } (2) .

{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا } (3) .

{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا } (4) .

(1) سورة المائدة الآية 2

(2) سورة النحل الآية 5

(3) سورة النازعات الآية 31

(4) سورة يس الآية 80

{ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } (1) .

{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } (2) .

{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا } (3) .

{ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } (4) .

{ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } (5) { تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } (6) .

{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ } (7) .

{ وَمِنْ أَصْوَافِهَا } (8) ( أي أصواف الأنعام ) { وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } (9) .

{ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } (10) .

{ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا } (11) ( أي في الجنة ) { حَرِيرٌ } (12) .

{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا } (13) .

{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } (14) .

{ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ } (15) .

(1) سورة الحديد الآية 25

(2) سورة النحل الآية 14

(3) سورة هود الآية 37

(4) سورة هود الآية 41

(5) سورة القمر الآية 13

(6) سورة القمر الآية 14

(7) سورة النحل الآية 81

(8) سورة النحل الآية 80

(9) سورة النحل الآية 80

(10) سورة الغاشية الآية 16

(11) سورة الحج الآية 23

(12) سورة الحج الآية 23

(13) سورة الإنسان الآية 15

(14) سورة النحل الآية 81

(15) سورة الإنسان الآية 13

{ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ } (1) .

{ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ } (2) { فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ } (3) (4) .

{ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } (5) .

{ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } (6) { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت