فهرس الكتاب

الصفحة 1553 من 2255

إننا إزاء تحدٍّ كبير على ديننا وأمتنا؛ فماذا نحن فاعلون؟ ليس هذا بالسؤال الذي يختص بالإجابة عنه فرد واحد؛ لأنه سؤال للأمة كلها: علمائها، وزعمائها، وعامتها. فالإجابة التي أقترحها إنما هي جهد فرد مقل من أفراد هذه الأمة.

أرى:

أولًا: أن ننأى بأنفسنا عن مشاعر الحزن والضيق والأسى فإنها مشاعر سلبية لا تحل مشكلة خارجية، وإنما تنشئ مشكلات نفسية. وما أكثر ما يحذرنا كتابُ ربِّنا من أمثال هذه المشاعر السلبية! وما أكثر ما يُذكرنا علماؤنا الأفاضل بهذه المعاني القرآنية! فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في معرض تعليقه على حديث «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» :

وكثير من الناس إذا رأى المنكر، أو تغيُّر كثير من أحوال الإسلام جزع وكل وناح كما ينوح أهل المصائب. وهو منهي عن هذا؛ بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للتقوى.

ثانيًا: أن نكون على يقين بأن مداهنة أعداء الحق ومحاولة إرضائهم بالاستجابة لمطالبهم ـ وهي مطالب قديمة ـ بتغيير هذا الدين وإعادة تفسيره بما يتناسب مع أهوائهم المعاصرة، أن هذا فوق كونه خيانة علمية؛ فإنه لن يجدي شيئًا في حل المشكلة. نعم! إن الأعداء سيرضون عن كل محرف للدين بمقدار تحريفه؛ لكن هذا التحريف لن يزيدهم إلا شرًا؛ إذ يرون أن المسلم المحرف يقترب منهم مع أنهم ثابتون في مكانهم؛ فيطمعون منه ثم من غيره في قرب أكثر، ويحاولون أن يجعلوا منه وسيلة للكيد من غيره من إخوانه المسلمين. لكن القاعدة هي ما قال الله ـ تعالى ـ عن كل من زين له عمله: أنه لن يرضى عنك رضى كاملًا إلا إذا اتّبعت ملته: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} [النساء: 89] .

ثالثًا: إن الرؤساء الغربيين يصرحون بأن الحرب على ما يسمونه بالإسلام الراديكالي حربان: حرب أيديولوجية، يقولون: إنها لكسب العقول والقلوب، وحرب سنانية تساعد على تحقيق أهداف الحرب الأيديولوجية. أما نحن فما نزال منتصرين في ما أسموه بالحرب الأيديولوجية. إن ديننا هو الذي يزحف نحوهم ويكسب كل يوم من عقولهم وقلوبهم، وإن أديانهم وقيمهم وأيديولوجياتهم هي التي تولّيه الأدبار. وهذا أمر يدعونا إلى المضيّ، لا إلى التواني في نصرة ديننا بالحجج العقلية والعلمية والمعايير الخلقية. إن مشكلتنا هي في الحرب السنانية؛ لقد فرطت أمتنا في الأخذ بالأسباب العصرية لاكتساب القوة التي دعاها ربها إلى إعدادها. لقد آن الأوان لأن نبذل جهودًا كبيرة في اكتساب العلوم الطبيعية المرتبطة بالتقنية والمساعدة على اكتساب القوة الاقتصادية والعسكرية. ويجب أن تكون هذه الجهود على مستويين: مستوى شعبي عام ينشر مبادئ هده العلوم بين الناس ويجعلها جزءًا من ثقافتهم الشعبية، ومستوى تخصصي تتعاون فيه الدول العربية على الأقل، حتى يكون لنا علماء مبرزون مكتشفون ومخترعون ومنظرون في كل المجالات المرتبطة بالتقدم التقني.

إننا لا نريد أن نكون أقوياء لنعتدي على غيرنا، وإنما لنرهب ونردع من تحدثه نفسه بالاعتداء علينا. إننا نعلم أن السِّلم في مصلحتنا، نعلم هذا من ديننا ومن تجاربنا، فنحن حريصون عليه، واثقون بأن عاقبته خير إن شاء الله.

رابعًا: بما أن الغرب ليس كله كتلة واحدة صماء معادية للإسلام، بل فيه جاهلون بهذا الدين، وفيه مغررون، وفيه منصفون مدافعون عن حقوق الناس، وفيه عقلاء يرون أنه ليس من مصلحتهم شن حروب شاملة دعائية كانت أم قتالية على الثقافات الأخرى، وفيه... وفيه...؛ فيجب عند المعاملة ألّا نشمل الجميع بخطاب واحد لا يميز بين محق ومبطل، ومعتدٍّ ومنصف. إن التفرقة بين هذه الأصناف، ومعاملة كلٍّ بحسب موقفه، أمرٌ يتطلبه العدل الذي يقوم عليه بنيان الدين الحق، ثم إنه سياسة مربحة تؤدي إلى نتائج أفضل.

خامسًا: لكن التقدم الحقيقي لأمتنا لا يكتمل إلا بتقدم آخر لا يحتاج منا إلى جهد كبير. فكما نأخذ بوسائل عصرنا في التقدم العلمي التقني، فكذلك يجب أن نعتبر مقتضياته في الإصلاح السياسي. إننا لا نريد أن نكون أمة تابعة تترك الأصالة لغيرها ثم تقلده في كل ما رآه مناسبًا له من مؤسسات ومبادئ وأسماء. نريد أن نكون أمة أصيلة تؤمن بأن كتاب ربها هو دستورها الأعلى، ثم تأخذ منه المبادئ السياسية العامة، ثم تنشئ لنفسها من المؤسسات ما يناسب تلك المبادئ من مؤسسات تتناسب مع عصرها. إن كل من له أدنى معرفة بالإسلام يعلم أن مبادئ مثل: حكم القانون، والشورى، واختيار الحكام، وحرية الرأي وحقوق الإنسان، التي صار الناس يربطونها بالديمقراطية، هي مبادئ إسلامية بيّنتها النصوص، وطبّقها النبي وخلفاؤه الراشدون.

وإذا كان مثل هذا الإصلاح أمرًا يستوجبه ديننا وتستدعيه ظروفنا؛ فإنه أيضًا أمر لازم لتحسين صورتنا العالمية التي صارت ترتبط في أذهان الكثيرين، ولا سيما في الغرب، بالدكتاتورية والفيودلية والثيوغراطية، ويقال عن جهل أو سوء قصد: إنها من تعاليم ديننا.

وباء حمل اليافعات يهدد عافية الحضارة الغربية

د. محمد وقيع الله*

حكت لي إحدى المسلمات الأميركيات القصة الحقيقية التالية. قالت: إني لم اكتشف أني كنت ابنة متبناة إلا عقب إسلامي، حينها عرفت أن أمي- التي مازالت أحس أنها أمي الحقيقية- ليست هي أمي الحقيقية..!! واعتراني من القلق ما عكر صفو حياتي، وما هدأت بلابلي إلا بعد أن عرفت عبر وسيلة بحث شاقة والديَّ الحقيقيين.

وفي الحقيقة فلقد سعدت كثيرًا بالعثور على والديَّ الحقيقيين على قيد الحياة يرفلان في ثياب الصحة والعافية، ويستمتعان بأطايب الحياة، كما عرفت أن لي أخًا وأختًا أصغر مني قليلًا. ولكن النيران اضطرمت في جنبي من جديد عندما عرفت لماذا عزف والدايَّ عن تربيتي وقذفا بي إلى مستودع مهملات مستشفى الولادة !!

لقد عرفت من والدتي أن جدتي كانت هي السبب. فهي لشدة تدينها رفضت أن تقبل بوجودي في الأسرة، فأمي حملت بي من أبي أثناء أيام الخطوبة، وكان ذلك عارًا وشنارًا في ذلك الأوان، ومن ثم أصرت جدتي على التخلص مني، فبعثت بأمي إلى الدير لتكمل فيه أيام حملها، ثم لتتخلص مني مباشرة عقب قدومي إلى الحياة.

وفي الحقيقة فإن ذلك الاكتشاف قد صدع نفسي كثيرًا، إلا أنه زادني تمسكًا بالإسلام، إذ إنه بتعاليمه الاحترازية الحازمة يحمي المرء ابتداءً من مثل ذلك المصير الرهيب.

البحث عن الآباء:

هذه القصة التي روتها لي المسلمة الأمريكية يمكن أن يرويها لك كثير من الأميركيين. فبعضهم يبحث عن آبائه من غير جدوى، وبعضهم يحدثك عن رغبته في البحث، وإن كان لا يعتقد بأن الأمر يستحق النصب ودفع المال في سبيله. وأخيرًا نشأت شركات جديدة مهمتها مساعدة الأبناء في البحث عن آبائهم الغائبين، وبعضهم يحدثك عما مُنيَّ به من خذلان مبين، إذ أنه بعد أن تعرف على أبويه لم ينسجم معهما ولم يستطع أن يغفر لهما، لأنه ما وجد عندهما إحساسًا بعظم الذنب الذي جنياه. وبعضهم يحدثك بأن أبويه رحبا به لأول وهلة، إلا أنهما رفضا رجوعه إلى حياتهما، حيث لم تجدد سنوات الفرقة الطويلة حنين الآباء الطبيعي إلى الأبناء.

حمل اليافعات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت