فهرس الكتاب

الصفحة 921 من 2255

وأسلم ملك نصارى العرب جبلة بن الأيهم بن جبلة في زمان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه, فلما بلغ عمر إسلامه فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة . ، فركب في خلق كثير من قومه . قيل: مائة وخمسين راكبًا .

فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وطء إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل .

ومن الناس من يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري إلى عمر ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر فاعترف جبلة .

فقال له عمر: أقدته منك ؟

فقال: كيف، وأنا ملك وهو سوقة ؟ .

فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقوى .

فقال جبلة: قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية .

فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترضِ الرجل أقدته منك .

وأصر عمر على حتمية الاقتصاص منه؛ حتى أدى الأمر إلى فرار الرجل إلى الشام, والخروج عن الإسلام, كل ذلك وأمير المؤمنين يرى أن عليه الأخذ بحق هذا المظلوم الضعيف.

ولقد لقن عمر رضي الله عنه الناس بموقفه هذا درسا في غاية الأهمية, وهو أن عز الإسلام إنما هو في التزام العدالة والمساواة, وإن أدى ذلك إلى نفور بعض من في نفسه الكبر والتعالي على الناس عنه.

ضاع درع عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, وهو أمير على المؤمنين في ذلك الوقت, فبحث عنه حتى وجده عند يهودي، فادعى كل واحد منهما أن الدرع له, فاحتكما إلى شريح ، فسأل عليّ بن أبي طالب البيّنة فعجز عن إقامتها ، فوجّه اليمين إلى خصمه اليهودي فحلف، فقال شرح: البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر ، وحكم بالدرع لليهودي ، فاستغرب اليهودي ذلك الأمر، وقال: قاضي أمير المؤمنين يحكم لي عليه! ، وأسلم .

إن شئت المزيد من هذه النماذج المتفردة ارجع إلى تاريخهم, فإنه مملوء بها. وكون هؤلاء الأفذاذ هكذا واحد من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة.

وفي الختام أقول: يتمحض من استظهار هذه الجوانب الخمسة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم شخصية لم يعرف التاريخ له مثيلا, وأن العالم - بما فيه من المؤمنين والكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم - مدين له بالاحترام والتوقير؛ للتغيير والإصلاح اللذين أوجدهما في العالم بأكمله. وأن عدم الاعتراف بهذه الحقيق عناد ومكابرة.

والله أعلم, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أخوكم في الله: أبو محمد مور كِبِي, خريج كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية (المدينة النبوية)

البريد الإلكتروني: mo صلى الله عليه وسلم kebe@hikmah.o صلى الله عليه وسلم g

الموقع الخاص: www.guiss.net

داكار - السنغال

أقوال العلماء في الرسالة المنسوبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الجهاد

بحث مختصر يبين سوء فهم دعاة العصرانية

ومروجي قصر الجهاد الشرعي على"الدفاع"فقط لكلام ابن تيمية في الرسالة السابقة

سليمان بن صالح الخراشي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:

فقد نُشر لقاء مع أحد الباحثين الفضلاء في إحدى الصحف أثبت فيه رسالة"قاعدة في قتال الكفار.."لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بدليل أن البعض قد نسخها ولم يُنكر نسبتها للشيخ، ثم استنبط منها -كما يقول-:"أن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- خلص بما تقدم في هذه الرسالة المهمة ووضحه فيها: أن قتال الكفار وجهادهم لا لأجل الكفر ذاته، وإنما هو الدفاع عن الدين. أي أن الإسلام في أصله دفاعي وليس هجوميًا"!

ونحن لا ننازعه في صحة نسبة هذه الرسالة من عدمها لشيخ الإسلام؛ لأن هذا أمر يخضع للأدلة، مما تختلف فيه أنظار الباحثين. إنما ننازعه في هذا الفهم"الخاطئ"لكلام شيخ الإسلام بأنه لا يرى"جهاد الطلب"!! وهو في ظني ما حدا ببعض العلماء أن ينكروا نسبة تلك الرسالة إليه -بشدة- دفعًا لمثل هذا الفهم الذي روج له دعاة العصرانية في هذا الزمان، وألصقوه زورًا بشيخ الإسلام.

وقد استند من نفى هذه الرسالة إلى عدة أمور -تستحق التأمل-:

الأول: ما يلاحظه الباحثون من كثرة الكذب والتزوير على شيخ الإسلام -رحمه الله-، سواء في رسائله أو فتاواه، إما من خصومه -وما أكثرهم!-، أو ممن يريد الترويج لأفكاره مستغلًا اسم الشيخ العَلَم. فقد نُسب إليه على سبيل المثال: ديوان شعري، ودعاء لختم القرآن، وفتوى بحياة الخضر، وفتوى القول بالتجسيم التي افتراها ابن بطوطة.. وغير ذلك. مما يجعل المنصف لا يتعجل بنسبة شيء للشيخ -رحمه الله- ما لم يتوثق من ذلك، لا سيما وقد أنكر هذه الرسالة كبار العلماء في هذا الزمان؛ وعلى رأسهم الشيخ سليمان بن سحمان، ومفتيا الديار السعودية: الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز -رحمهم الله جميعًا- كما سيأتي إن شاء الله.

فلابد لمن يريد إثبات الرسالة بعد هذا أن يتحقق من: وجود سند لها إلى شيخ الإسلام، أو وجودها مكتوبة بخطه، أو إثبات تلاميذه والمهتمين بكتبه لها. وهي أمور لم تتحقق -حسب علمي- إلى الآن.

الثاني: أن المتأمل في الرسالة يلمح فيها نوع تصرف أو اختصار، لما يجده من مثل هذه العبارات التي تتكرر بين صفحاتها،"ثم ذكر""ثم تكلم""إلى أن قال" (انظر: ص119، 125، 127، 128، 136، 137 من نسخة الفقي)

ولهذا علق الشيخ محمد بن مانع -رحمه الله- في هامش نسخته عند مروره بأحد هذه المواضع:"يستفاد منه أن في الكلام اختصارًا" (1)

الثالث: أن لشيخ الإسلام -رحمه الله- كلامًا آخر في رسائله الثابتة عنه يخالف ما فهمه البعض من هذه الرسالة؛ وهو أنه ينكر جهاد"الطلب"، -سيأتي بعضه إن شاء الله-.

إذن: فبعض الذين أثبتوها وفرحوا بها! زعموا أن شيخ الإسلام لا يرى جهاد"الطلب"في هذه الرسالة.

والذين أنكروها أرادوا دفع هذا الزعم المغلوط الذي يعارض النصوص الشرعية، ويعارض كلام شيخ الإسلام الآخر.

والصواب -في ظني- أن يقال: بأنه حتى لو قيل بثبوت هذه الرسالة (2) فإنه ليس فيها ما ينفي جهاد"الطلب"كما تصور البعض ممن لم يفهموا مقصد شيخ الإسلام منها، فخلطوا بين أمرين.

فشيخ الإسلام قد أنشأ هذه الرسالة للرد على قول فقهي ضعيف يقول أصحابه بأن قتال الكفار هو لأجل"كفرهم"، ولهذا فهؤلاء يرون قتل"كل كافر"سواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء كان مسالمًا أو محاربًا، وسواء كان من الرهبان أو لم يكن، وسواء كان شيخًا كبيرًا أو شابًا فتيًا.

ولا يستثني هؤلاء من القتل إلا الصبيان لعدم بلوغهم، وكذا النساء؛ لأنهن يصبحن سبيًا بنفس الاستيلاء عليهن؛ فهن كالمال.

ولهذا قال -رحمه الله- في أول هذه الرسالة مبينًا سبب كتابتها:

"فصل في قتال الكفار:"

هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر؟

وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء:

الأول: قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم.

الثاني: قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب أحمد.

فمن قال بالثاني قال: مقتضى الدليل قتل كل كافر، سواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء سالمنا أو حاربنا. لكن شرط العقوبة بالقتل أن يكون بالغًا، فالصبيان لا يقتلون لذلك. وأما النساء فمقتضى الدليل قتلهن، لكن لم يقتلن لأنهن يصرن سبيًا بنفس الاستيلاء عليهن، فلم يقتلن لكونهن مالًا للمسلمين كما لا تهدم المساكن إذا ملكت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت