فهرس الكتاب

الصفحة 920 من 2255

فمن تأمل المعاملات الشرعية, ورأى ارتباطها بصلاح الدين والدنيا, شهد لله بسعة الرحمة وتمام الحكمة, حيث أباح لعباده سبحانه جميع الطيبات, من مكاسب ومطاعم ومشارب, وطرق المنافع المنظمة المحكمة. (2)

وحديث واحد يكفي في جعل معاملات الناس على الخير والصلاح, وهو ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا . أو قال: حتى يتفرقا ؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما(1) )

أي صدق البائع في إخبار المشترى مثلا وبين العيب إن كان في السلعة , وصدق المشتري في قدر الثمن مثلا وبين العيب إن كان في الثمن , ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيد للآخر (2) .

هذا الحديث قاعدة كلية مطردة في جميع معاملات الناس, وليس قاصرا على البيع فحسب, بل يجب أن تنبني المعاملات كلها على هذين الأصلين العظيمين. (3) ولو أن الناس التزموا بهذه القاعدة العظيمة لصلحت جميع معاملاتهم.

الثالث: التحلي بمكارم الأخلاق, والجري على محاسن العادات: ومن فروعه تحريم المستقذرات, وما شرعه بين الخلف من الحقوق التي هي صلاح وخير وإحسان وعدل وقسط وترك للظلم.

وذلك كالحقوق التي أوجبها وشرعها للوالدين, والأولاد, والأقارب, والجيران, والأصحاب, والمعاملين, ولكل واحد من الزوجين على الآخر.

وكلها حقوق وضروريات وكماليات, تستحسنها الفطر والعقول الزاكية, وتتم بها المخالطة, وتتبادل فيها المصالح والمنافع, وبحسب حال صاحب الحق ومرتبته.

وكلما فكرت فيها رأيت فيها الخير وزوال الشر, ووجدت فيها من المنافع العامة والخاصة, والإلفة وتمام العشرة: ما يشهدك أن هذه الشريعة كفيلة بسعادة الدارين.

وترى فيها هذه الحقوق تجري مع الزمان والمكان والأحوال والعرف, وتراها محصلة للمصالح, حاصلا فيها التعاون التام على أمور الدين والدنيا, جالبة للخواطر, مزيلة للبغضاء والشحناء.

وكل هذه المصالح فلا يكون شيء أشد محافظة عليها بالطرق الحكمية السليمة من دين الإسلام

فتبين بهذا أن اتباع سياسة الإسلام كفيل للمجتمع بجميع مصالحه. (4)

وكذلك الحدود التي شرعها الإسلام, وينظر إليها البعض نظرة قاصرة, حيث لم يجاوز نظره موضع الألم من جسم الجاني, بغض النظر عن المصالح المترتبة عليها, من إقامة العدل, ومجازاة الظالم وردعه, وكبح الطامعين في الإتيان بمثل جريمته عنه, وغير ذلك كثير.

ذلك لأن الجرائم والتعدي على الحقوق من أعظم الظلم الذي يخل بالنظام, ويختل به الدين والدنيا, فوضع الشارع للجرائم والتجرئات حدودا تردع عن مواقعتها, وتخفف من وطئتها, من القتل, والقطع, والجلد, وأنواع التعزيرات التي ليست غايات, وإنما هي وسائل يحافظ بها على حياة الناس ومصالحهم.

وكلها فيها من المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يعرف به العاقل حسن الشريعة الإسلامية وكمالها, وأن الشرور لا يمكن أن تقاوم وتدفع دفعا كاملا إلا بالحدود الشرعية التي رتبها الشارع بحسب الجرائم قلة وكثرة, وشدة وضعفا. (1)

مبدأ العدل والمساواة في النظام الإسلامي

إننا إذا فحصنا الأنظمة السائدة اليوم في العالم, نجد أنها دائرة بين أمرين: ظلم الضعفة الفقراء, وتوغيلهم فيما هم فيه, أو ظلم الأقوياء الأغنياء وإعلان الحرب ضدهم, أو الأمرين معًا.

والنظام الوحيد الذي يطبق مبدأ المساواة بين الراعي والرعية, والضعيف والكبير, والناس فيه سواسية كأسنان المشط, ولم يعط لأحد امتيازات ويحرم منها غيره بدون حق، ويطبق الأحكام على الناس جميعًا, هو الإسلام.

واقرأ إن شئت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, وتاريخ خلفاءه الذين تخرجوا في مدرسته, كيف كان تطبيقهم لهذا المبدأ, ولا يحابون فيه أحدا كائنا من كان.

ففي فتح مكة حدث أن سرقت امرأة من كبرى قبائل قريش, فضاق قومه بذلك ذرعا ليقينهم أن الخبر إذا بلغ الحاكم صلى الله عليه وسلم سيقيم عليها الحد, فتناجون الأمر بينهم ثم أمروا أسامة بن زيد ليشفع لها من الرسول صلى الله عليه وسلم, وهو حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وابن حبه, فجاء يشفع فيها إلي رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم فغضب عليه

النبي صلى الله عليه وعلى وسلم غضبا شديدا, وأنكر شفاعته قائلًا: (أتشفع في حد من حدود الله ) وهذا استفهام إنكار واستفهام استغراب أن تقع الشفاعة في حد من حدود الله من هذا الصحابي الجليل, ثم قام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخطب وقال: ( إنما ضل الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه, وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد, وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها(2 ) )

وفي هذا الحديث إقرار لمبدأ المساواة أمام أحكام الشريعة وتحذير للحكام من أن يقيموا الحدود على الضعفاء دون الأقوياء الذين يحاولون بالوساطات والضغوط تخطي الأحكام.. ولا شك أن بقاء الدول واستقرار المجتمعات منوط بالدرجة الأولى بإقرار العدالة وإنما يجد خصوم الدول السبيل إلى القضاء عليها من خلال الظلم الذي يقع منها فهو مبرر قوي لاجتماع المظلومين وحافز للتضحية من أجل إسقاطها. (3)

وقد كان هلاك الأمم السابقة أنهم كانوا ينفذون العقوبة على الضعفاء والفقراء، ولا ينفذونها على الأقوياء والأغنياء ، فجاء الإسلام وسوى بين الناس في الحقوق والواجبات .وقد طبق رسول الله- صلى الله عليه وسلم حدود الله على الجميع بلا استثناء، حتى إنه- صلى الله عليه وسلم- أقسم لو أن فاطمة بنته سرقت لقطع - صلى الله عليه وسلم- .

و يوم بدر كان المسلمون يتعاقب كل ثلاثة على بعير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو لبابة وعلي بن أبي طالب يتعاقبون على بعير واحد ، فقالا: نحن نمشي عنك يا رسول الله، فقال:

( ما أنتما بأقوى مني ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) (2) .

وقبل موته صلى الله عليه وسلم وقف أمام الناس وقال: ( أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد مني اليوم ـ أي فليقتص مني اليوم ـ، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد مني اليوم، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليستقد مني اليوم قبل أن لا يكون هناك دينار ولا درهم ) من تتصور من هؤلاء القادة"الديمقراطيين"أن يجرأ على هذا ؟

فالإسلام هو النظام الوحيد الذي يضمن للعالم الحكم بالسوية, ونسخ الطبقية في الحقوق والواجبات، والفوارق بين الأفراد في المعاملات، بالأخوة والمساواة في جميع ذلك.

وقد بان فشل هذه الأنظمة التي تدعي الحفاظ على حقوق جميع الرعية بالسوية, وأن هذه الدعوى يناقضها واقعها، وسياستها، وقوانينها.

فحقوق الإنسان التي تتنازع الأمم شرف وضعها، قد وضعها وطبقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بقرون، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، وكثير من فضلاء الأمة الإسلامية الذين أناروا تاريخ العالم؛ مثل عمر بن عبد العزيز وغيره.

وفيما يأتي نماذج من عدالة هؤلاء, وتطبيقهم مبدأ المساواة بلا استثناء:

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للناس: « أما والله ما أرسل عمّالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم ؛ ولكن أرسلتهم ليعلّموكم دينكم وسنة نبيكم ، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليّ ، فوالذي نفسي بيده إذن لأقصنّه منه، وقد رأيت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقصّ من نفسه » .

وتخاصم عمر رضي الله عنه - وكان أمير المؤمنين - ورجل أمام شريح، فاختار خصمه شريحا للفصل بينهما ، فحكم شريح على عمر، فعيّنه عمر قاضيًا على الكوفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت