فهرس الكتاب

الصفحة 1559 من 2255

بينما يُشاهدُ الناس أنَّ الرسلَ منهم من يُقتل ومنهم من يُهاجر من أرضهِ وقومهِ مكذبًا مطرودًا ، وأنَّ المؤمنين منهم من يسام العذاب، ومنهم من يُلقى في الأخدود ، ومنهم من يُستشهد، ومنهم من يعيشُ في كربٍ وشدةٍ واضطهاد، فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ إنَّ الناسَ يعيشون بظواهرِ الأمورِ، وبفترةٍ قصيرةٍ من الزمان، وحيزٍ محدودٍ من المكان ، وإنما النصرُ أوسع وأشمل ، وكم من شهيدٍ ما كان يملكُ أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عامٍ كما نصرها يوم استشهاده، وإنَّ أعظمَ أنواع النصر: النصرُ على الذات والشهوات ، والسيطرةُ على الأهواءِ والمغريات، إنَّ معركة الإسلام مع الصليبيةِ لا تتوقفُ عند حدِّ فتح مدينة، والسيطرة على موقع ، ولكنَّها حربٌ طويلة الأمد .

فنهايتها تحقيقُ الغاية التي ذكر الله، (( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) (التوبة: من الآية29) وحتى تصل الأمة إلى هذه الغاية، فلا بُدَّ من تضحياتٍ وبذل، وإنَّ كلَّ نقطة دمٍ من نفسٍ مسلمةٍ زكية لن تضيعَ عند الله سُد ى، ولن تذهب هدرًا ، وإنَّما هي خطوةٌ لطريقِ النصر، ووقودٌ لنارِ العزة، ومنارات لمعالمِ القبلةِ والفتحِ المبين، فتحُ مكة لم يكن وليد تخطيط شهرٍ أو سنةٍ، لكن نتاجَ كفاحٍ دامٍ ثلاثةَ عشر عامًا في مكة ، وهو ثمنُ دماءٍ أُريقت في بدرٍ وأحد، وجزاء نفوسٍ أُزهقت فداءً لدين الله .

فتحُ مكة لم يأت باردًا جاهزًا ، لكنهُ أتى تتويجًا لدم زكي، قد خرج من عقبي النبي- صلى الله عليه وسلم- وثمنًا للبلاءِ والإيذاءِ الذي تعرض له المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام .

فتحُ مكةَ رسمَ معالمهُ دمُ أبي عمار وزوجه سمية ، وخط خطوطهُ أنين بلال وعمار، وخبا بٌ وصهيب، تحت سياط العذاب .

فتح مكة جاءَ ليُعلن للناس أنَّ النصرَ عزيزٌ ولا بُد له من ثمن ، وليقولَ للناسِ اليوم ، لا تهنوا ولا تحزنوا، فإنَّ دماءً في العراق تُراق ، وأُخرى في أقطارٍ وآفاق، إنَّما هي ثمنٌ تُقدمهُ الأمة للنصر القادمِ القريبِ بإذن الله ، النصرُ نورٌ مرتقبٌ وقودي دماءِ الشهداء ودعوات الأتقياء، وأموال الأغنياء، وشروطهُ صبرٌ على البلاءِ وشكرٌ عند الرخاء، ووفاءٌ مع خالقِ الأرضِ والسماء، (( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ) (الروم:5) .

وأخيرًا ، وأرض العراق تشهدُ ملحمةً من ملاحمِ الإسلام، وتَبرزُ للعالم صورَ الغدرِ والخيانةِ العلقيمة ، وتُروي للعالم صورةَ الحضارةِ الأمريكية ، وأرض العراق تُدكُ على أهلها، وتهدم بيوتها فوق سكانها، فما أكثر الشامتين من كُتَّابٍ وغيرهم من يقولُ بلسان الحال، (( لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ) (آل عمران: من الآية168) ولن شغلنا أنفسنا بالحديث عن هؤلاءِ وإليهم وإنَّما نوجِّهُ لهم تحذيرَ اللهِ ووعيده، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ) (آل عمران:156) .

وأخيرًا ، أيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمَ الله تُنتهك، وحدودهُ تُضاع، ودينهُ يُترك، وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها ، وعبادهُ يُهانون، وهو باردُ القلبِ، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، وهل يلينُ الدينُ إلاَّ من هؤلاءِ الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم ،فلا مبالاة بما جرى على الدين ، وخيارهم المتخرن المتلمظ ، وهؤلاءِ مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم، قد بلوا في الدنيا بأعظمِ بليةٍ تكون وهم لا يشعرون، وهو موتُ القلوب ، فإنَّ القلب كما كانت حياتُهُ أتم، كان غضب الله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل .

فلا بُدَّ يا مسلمين من الشعورِ بواجبِ النُصرة لهذا الدين، كلٌّ بحسبه ومرتبتهِ من العلم والقدرة، والغني وغيرها .

تلكم يحيى بن معاد، يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأته هذا واجبٌ قد وُضعَ عنَّا فقال ، هبي أنَّهُ قد وضُع عنَّا سلاح اليد فلم يُوضعُ عنا سلاح القلب، واللسان ، فقالت: صدقت جزاك الله خيرًا

اللهم صل وسلم .

دعاة التغريب

أصحاب الدعوات الهدامة، أمثال من يدعوا لسفور المرأة وغيره, إذا أرادوا تسويغ باطلهم في صفوف الناس، دخلوا على الناس من مداخل يظنها السفيه الجاهل شرعية, كإبليس تمامًا يدخل عليك من طريق الشر, وإلا دخل عليك من أبواب الخير، ولا غرور في ذلك، فهو معلمهم الأكبر، لا أقول أصحاب هذه الدعوات أتوا النصوص الشرعية وأقول العلماء فيها، فأخذوا بعض أقوال العلماء التي فهموها فهمًا شهوانيًا، والصقوها بالدين، وركبوا بضاعتهم عليها، وعرضوها على الناس, ونحب أن نسأل الذين يحاولون أن يسوغوا باطلهم الذي يقحمونه على إسلامنا بعزائمنا، يتحايلون على أن يسوغوا باطلهم الذي ألصقوه بالدين ونصوصه، فنقول هل تعلمون أحد من المسلمين دعى قبل اليوم بدعوتكم؟ فإذا كان ذلك لم يحدث من قبل اليوم، تستطيعوا أن تزعموا أن أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وأن علماء المسلمين قد غفلوا جميعًا عن فهم نصوص دينهم، حتى جاء هؤلاء الذين أوحى إليهم شياطينهم من الجن والأنس في باريس من أمثال قاسم أمين، فانتكس تفكيرهم بين معاهدها، وما بدا لهم حين لم يعتصموا بحبل الله المتين, الذي يذود عنهم كل شيطان مريد, وذلك حين بُعثوا إلى تلك البلاد لينقلوا إلينا الصالح النافع من علومها وصناعتها, فضلوا الطريق، وعادوا إلينا بغير الوجه الذي بعثوا به, جاء هؤلاء بعد ثلاثة عشر قرنًا من نزول القرآن، ليخرجوا لنا حقائق التنزيل التي غاب علمها عن الأولين والآخرين من الفقهاء، ويضربوا بإجماع المسلمين في الأجيال المتعاقبة عرض الحائط، أليس ابتداع هذه الدعوة في ظل الاحتلال الإنجليزي، وتزعم فريق من المتفرنجين الذين عُرفوا بموالاة ذلك الأجنبي المحتل, أليس دليلًا كافيًا على أنها طارئة علينا من الغرب، تقليدًا بأهله المنحرفين عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، بل إن أصحاب هذه الدعوات كشفوا على حقيقتهم كما قال الشاعر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة** وإن خلالها تخفى على الناس تعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت