فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 2255

فهذا تحرير قاسم أمين الذي لبس لباس الدين، في كتابه عن تحرير المرآة، وحرف النصوص الشرعة عن وجهها، ها هو ينكشف على حقيقته، وذلك أنه حين واجه تلك المعارضة الشديدة، التي أحرجته كثيرًا بعد تأليفه كتاب عن تحرير المرآة، ها هو يسفر عن وجهه الحقيقي، ويخلع عنه ثوب الحياء، وقناع التدين, ويكشف في جرأة وصراحة عن أهدافه المغرضة، في كتابه الجديد الذي سماه المرآة الجديدة، حين بد فيه تأثيره بالحضارة الغربية واضحًا، من خلال ما يسمى بالمنهج العلمي، فيقول في كتابه عن التشريع الفسيولوجي، والتجربة في البلاد التي منحت المرآة حريتها، قد أثبت أن المرأة مساوية للرجل في الملكات، ويستشهد فيقول: إن العفة تكتسب بمنهج الحرية للمرأة، وإن اختلاف الأجواء لا أثر له في ذلك، ويقول نحن لا نستغرب أن المدينة الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرآة، وتقدير شأنها، فليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى، ويقول والذي أراه أن تمسكنا بالماضي هو من الأهواء، التي يجب أن ننهض لمحاربتها جميعًا، لأنه ميل إلى التدين والتقهقر، وهذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له من الدواء على أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدينة الغربية، ويقفوا على أصولها وفروعها وأثارها، وإذا أتى هذا انحلت الحقيقة أمام عيوننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أن من المستحيل أن يتم إصلاح ماضي أحوالنا إذا لم يكن مؤسسًا على العلوم العصرية الحديثة، على أن قال هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوروبيين، ونشيد بتقليدهم، وحملنا على أن نستلفت الأنظار على المرآة الأوربية

الحادي عشر من سبتمبر.. حوادث وتحولات -1

د. عبدالله بن ناصر الصبيح 7/9/1423

(الحلقة الأولى)

خلال الخمس عشرة سنة الماضية تعرض العالم لحوادث ضخمة أثرت في مساره وكان أول هذه الحوادث انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينات ونتيجة لذلك نشأ العالم ذو القطب الواحد وتمكنت أمريكا من السيطرة على العالم فكانت بئس المسيطر وعانى العالم من جبروتها وطغيانها. ثم جاء غزو العراق للكويت في أول التسعينات وحدثت حرب الخليج الثانية، وكانت نتيجة الحرب زيادة السيطرة الأمريكية وظهور ما يسمى بالعالم الجديد والعولمة. ونتائج حرب الخليج الثانية متسقة مع نتائج الحدث الأول (سقوط الاتحاد السوفيتي) ، فكلاهما مكنا للولايات المتحدة الأمريكية من فرض هيمنتها وتسلطها .

وكانت الأسس الفكرية للعولمة قد طرحت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ولكن وجود الاتحاد السوفيتي منع من تطبيقها ، فلما سقط ولم يعد هناك قوة أخرى يخشاها الغرب وأمريكا معه أمكن إعادة صياغة تلك الأفكار بما يسمى بالعولمة أو النظام العالمي الجديد. ومن ألف باء العولمة حرية حركة المال والتنقل .

وآخر هذه الحوادث التي تعرض لها عالمنا هو ما حدث في الحادي عشر من شهر سبتمبر من ضرب نيويورك وواشنطن أو ما سماه عبدالله النفيسي بغزوة مانهاتن.

الحدث كان ضخما بحيث لم يكن أحد يتصوره وكان فريدا ، فهذه المرة الأولى التي تضرب فيها الولايات المتحدة في عقر دارها. يقول نائب الرئيس الأمريكي ديكوتشيني عن الحدث في كلمة أثناء حفل سنوي لجمعية خيرية كاثوليكية:"للمرة الأولى في تاريخنا نعاني من وقوع ضحايا هنا في الداخل في أميركا أكثر من وقوع ضحايا بين قواتنا في الخارج". ويقول:""العدو أظهر قدرة على إلحاق ضرر بالغ بالولايات المتحدة"."

ويقول جراهام شرودر المستشار الألماني في حديث لصحيفة دي تسايت الألمانية عن الأمريكيين بعد الحادي عشر من سبتمبر"إنهم جرحوا في الصميم جسديا ونفسيابشكل لم يعرفه تاريخ الولايات المتحدة من قبل حتى أكثر من ذيول حرب فيتنام والهجوم على بيرل هاربر. فالهجوم لم يكن ضد هاواي بل نيويورك, وقال الإرهابيون سنضرب قلب الرأسمالية العالمية, لكنهم أصابوا في الوقت نفسه شيئا آخر. فنيويورك ليست رمز نمو رأس المال بل رمزا للمهاجرين من مختلف دول العالم الهاربين من ملاحقة حكامهم وكانت حصنا لكل من يريد بناء مستقبله".

ترى ما التحولات التي سوف تعقب هذا الحدث؟ هذا ما سوف ألقي الضوء عليه في هذا المقال. وفي حديثنا عن التحولات لن نتناول من الذي قام بالحدث فيكفينا أن الحدث وقع وأنه نسب لجهة إسلامية ، وإثبات نسبته ونفيها لهذه الجهة أو تلك لن يجدينا في رصد التحولات السياسية والاجتماعية مادامت حركة العالم في أرض الواقع على هذا الأساس.

يقال عن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها بلد الحرية، وأنها البلاد الوحيدة التي لا يشعر الأجنبي فيها أنه أجنبي لأن جميع السكان تقريبا ينطبق عليهم ما قاله جون كيندي عن المجتمع الأمريكي إنه"أمة من المهاجرين"، فكل من فيها أجانب تقريبا. وكل فرد قيمته الحقيقية بما يتقنه، فهو يستطيع أن يعمل ويبدع ويكشف عن مواهبه وطاقاته وبقدر ذلك يتقدم وظيفيا وينال حقوقه. وقوة الدولة وتقدم المجتمع إنما يأتي من هؤلاء المبدعين الذين معظمهم أجانب. والإدارة الأمريكية مدركة لذلك، ولهذا اتخذت عددا من الوسائل لاستقطاب الأجانب من شتى بقاع الأرض، وشجعت على ذلك من خلال السحب العشوائي السنوي الذي تقوم به وزارة الخارجية الأمريكية وبموجبه تمنح راغبي الإقامة"البطاقة الخضراء"وهناك أيضا برامج المنح التي تقدمها الجامعات الأمريكية والمؤسسات العلمية للدارسين من العالم النامي لمواصلة دراستهم في الجامعات الأمريكية.

ويقال أيضا بأن المجتمع الأمريكي يمتاز بحرية التعبير وصيانة الحرية الفردية التي هي إحدى المبادئ الأساسية والحقوق التي كفلها الدستور الأمريكي. ومن خلال الحرية وصيانة الحقوق تقدم المجتمع الأمريكي على غيره من المجتمعات واستطاع أن يحافظ على توازنه ويتغلب على ما يواجهه من مشكلات.

هذه عناصر قوة في المجتمع الأمريكي، ولكن بعد الحادي عشر من سبتمبر يتوقع أن يمر ذلك المجتمع بتحولات تضعف تلك العناصر أو تذهب بها. ومن ذلك أن الأجانب القادمين من الدول النامية سوف يشعرون أنهم أجانب وأنهم موضع شك. فبعد الحدث مباشرة رأينا النزعة العنصرية تحركت في المجتمع الأمريكي فأصبح الأجنبيي لا يأمن على نفسه سواء كان في الشارع أو يتسوق أو في منزله أو محل عبادته، وسواء كان مسلما أو غير مسلم. وعدد من الأجانب تعرضوا لاعتداءات وبعضهم قتل، وممن قتل بعض الأقباط والسيخ. وهذه الاعتداءات العشوائية ربما لا تستمر طويلا ، ولعلها تتوقف بعد أن يفيق الشعب الأمريكي من صدمة الحدث ولكن الأخطر منها أن الأجنبي أصبح موضع شك في ولائه من قبل صاحب العمل ومؤسسات الدولة الرسمية. بل إن قدرات الشخص الإبداعية ومواهبه وطموحه ربما كانت سببا في الشك فيه وجلب المتاعب الأمنية له. فهو إن درس الطيران تساءل الآخرون لماذا، وإن درس الكيمياء تساءلوا لماذا، وكذلك إن درس الفيزياء أو الكومبيوتر أو غير ذلك تساءلوا لماذا، وافترضوا سوء النية في عمله. والحكومة الأمريكية لا تخفي ذلك بل تسعى جاهدة في جعل هذا الشك أمرا مشروعا ومن حق أجهزتها الأمنية أن تتصنت على كل أحد وأن تستوقف كل أحد وتستجوب كل أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت