فهرس الكتاب

الصفحة 1561 من 2255

فمثلا أقر مجلس النواب الأمريكي جملة قوانين تعطي السلطات الفدرالية سلطات واسعة للمراقبة والقمع حربا للإرهاب. وتبنى النواب مشروع القانون الذي أطلق عليه اسم"قانون وطني". والقانون يتناول تخفيف القواعد التي تنظم التنصت على الهاتف والتوقيف الاحتياطي للمهاجرين المشبوهين. وبموجبه تستطيع السلطات الاستمرار في احتجاز أي أجنبي مشبوه في أنشطة إرهابية سبعة أيام من دون تدخل القضاء.. وتحدث النائب الديموقراطي بارني فرانك عن هذا القانون وأمثاله فقال:"إن مشروع قانون يمنح المسؤولين جميع السلطات ويضعف الحواجز على صعيد الحريات الفردية هو مشروع قانون سيء".

كما انتقدت القانون لورا مورفي زعيمة اتحاد الحريات المدنية الأمريكي قائلة: إن هذا القانون مبني على افتراض خاطٍئ وهو إن الأمن يجب أن يتحقق على حساب الحريات المدنية. وقالت إن تلك الصلاحيات الجديدة يمكن أن تستخدم ضد المواطنين الأمريكيين الذين ليسوا مجرمين وكذلك المهاجرين الملتزمين بالنظام.

وهذا التغير الذي يهدد أهم ميزة للمجتمع الأمريكي ليس مقصورا على الأجانب بل ربما طال الأمريكي الأبيض، ونسيج الأعراق الذي يتكون منه المجتمع الأمريكي، ولكن كيف ذلك؟

المجتمع الأمريكي ليس مجتمعا متجانسا وإنما هو خليط من شعوب وأعراق ليست من الناحية الواقعية متماثلة في الحقوق ولا في الاستفادة من خيرات المجتمع كما أن العلاقات بينهم تتسم بشيء من التوتر. والمجتمع مقبل على مرحلة تتصف بسمتن بارزتين هما:

1.الخوف المتمثل في ماقد يعرض للمجتمع من حوادث تفجير وعنف. وقد تمثل الخوف في

ازدهار تجارة الوسائل الأمنية.

2.الكساد الاقتصادي أو إن شئت فقل الانهيار الاقتصادي. فبعد حوادث شهر سبتمبر سرحت الشركات ولاسيما شركات الطيران عشرات الآلاف من العمال، وفي خبر بثته (البي بي سي) جاء فيه إن نسبة الفائدة بلغت في انخفاضها حدا لم تبلغه منذ أربعين سنة. وكان من ثمار هذا الكساد أن تضاعفت أعداد المشردين ممن لا مأوى لهم homeless.

وفي ظل ظروف كهذه يكون التنافس بين العرقيات المكونة للمجتمع على أشده، ويأخذ الصراع بينها صورا متقدمة لأنه ليس صراع في الكماليات بل في الضروريات وهو أشبه ما يكون بصراع الوجود.

وهذا الصراع الذي محوراه تحصيل الأمن وتأمين لقمة العيش سوف يدفع إلى السطح أنواعا أخرى من الصراع كامنة في رحم المجتمع.

مثلا في أمريكا الأحزاب والتجمعات اليمينية التي تعادي الحكومة الفيدرالية وتتربص بها. وهذه يقدر عددها بأكثر من ثلاثمائة حزب ، وهي تؤمن بالعنف وتعادي جميع الأعراق عدا العرق الأبيض، كما تعادي الحكومة الفيدرالية، وترى أن سبيل تغييرها هو العنف. وقد اشتبكت في معارك معها في تكساس في منطقة واكو عام1993 وفي عام 1995 فجرت مبنى الحكومة الفيدرالية في أوكلاهوما وفي عام 1996 سيطر أحرار مونتنانا على منطقة قريبة من مونتانا وأعلنوها دولة مستقلة أكثر من ثمانين يوما.

وهذه الأحزاب لا تتردد في استخدام العنف ضد الحكومة الفيدرالية، وترى أن ما يصيب المواطنين من جراء ذلك أمر مشروع بل ترى أنه لا يمكن تفادي ما يصيبهم في حالة القيام بعمل عسكري ضد الحكومة الأمريكية، كما ترى أنه لا يمكن أن تعدل الحكومة الأمريكية من سلوكها، والإصلاح لا يكون إلا بإزالتها واجتثاثها. وأجواء الخوف والتوتر مناسبة لكي تتحرك تلك الجماعات والأحزاب وتقوم بأعمال عنف. والبعض يعزو الجمرة الخبيثة إلى تلك الأحزاب.

والأحزاب اليمينية العنصرية تقوم على فلسفة أن أمريكا للبيض وحدهم، وهذه الدعوة العنصرية سوف يكون لها قابلية اجتماعية أكثر في ظل الخوف والتوترالاجتماعي.

كما سوف تزداد الحساسية الاجتماعية في ظل الحرمان الذي تعانيه بعض الأعراق كالسود . وفي مقابل التنظيمات اليمينية المتطرفة توجد تنظيمات أخرى سوداء متطرفة تؤمن بتفوق العنصر الأسود وترى أنه لا سبيل إلى التعايش بين السود والبيض وتؤمن بالعنف في تحقيق أهدافها.

إن هذه التغيرات المتوقعة التي بدأت تطل برأسها جعلت صحيفة نيويورك تايمز تستنج أن أمريكا ما قبل الحادي عشر من سبتمبر لم يعد لها وجود. وترى أن ما هو أخطر من الإجراءات هو أنها دائمة وهذا يعني أن عالما جديدا بدأ في التكون.

الحضارة الغربية مع ما فيها من السوء والانحراف لا تخلو من خير هو نتيجة للفطرة البشرية الخيرة. وحينما ننتقد هذه الحضارة فإننا لا ننكر الحق الذي فيها ، ولا نرفض ما وفقت فيه من صواب سواء في مجال القيم أو في مجال التطبيق.

والعدل والإنصاف يوجبان علينا الإقرار بما عند غيرنا من حق حتى ولو كان عدوا شانئا بادي العداوة. والرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر النجاشي قبل أن يسلم فقال: إنه لا يظلم عنده أحد، فأثنى على ما عنده من العدل. وذكر صلى الله عليه وسلم حلف الفضول وكان من أحلاف الجاهلية فقال:"شهدت حلفا في دار عبد الله بن جدعان ، ولو دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت"، وكان غاية ذلك الحلف ألاّ يدعوا مظلوما في مكة إلا أنصفوه.

ومن قام به مشركون لا يرجون ثواب الله و اليوم الآخر، ولم يكن شركهم مانعا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الثناء على عملهم الطيب. وعمرو بن العاص - رضي الله عنه - أثنى على الروم سلف الحضارة الغربية المعاصرة، روى مسلم في صحيحه قال:"قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"تقوم الساعة والروم أكثر الناس"، فقال له عمرو أبصر ما تقول؟ قال أقول سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف ، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك" (صحيح مسلم، باب الفتن و أشراط الساعة، ح 5158) ونحن يمكن أن نستفيد مما عند غيرنا من صواب وحق حتى وإن كانوا مشركين أونصارى أو يهود. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه استفاد من نظام الخراج في العراق المأخوذ من الدولة الساسانية وهو نظام ضريبي متكامل، وفي الشام طبق النظام الضريبي البيزنطي. ودولة الفرس الساسانية مجوسية والدولة البيزنطية الرومية نصرانية.

واستفادتنا مما عند غيرنا لا يناقض ما لدينا من الهدي الرباني المنزّل ذلك بأننا لا نستفيد من غيرنا مبادئ جديدة ولكن نستفيد منهم كيفية تطبيق المبادئ والقيم . والتطبيق هو جهد بشري نحن مكلفون به نجتهد فيه فنصيب ونخطئ كما نفعل في بقية أعمالنا البشرية.

مثلا العدل من القيم التي ألحت عليها الحضارة الغربية في وثائقها ، ولا سيما وثيقة حقوق الإنسان، وهذه القيمة ليست جديدة علينا استفدناها من الحضارة الغربية بل هي مما جاء به ديننا. ولكننا قد نستفيد من الحضارة الغربية بعض صور تطبيق العدل من الصور التي سبقونا فيها، ومن هذه الصور نظام اختبار الطلاب ، وما استفاده من التقدم العلمي في التربية وعلم النفس ونظام ترقية الموظفين ، وما استفاده من تقدم علمي في الإدارة. مثال آخر، حماية البيئة قيمة حضارية ضرورية من أجل سلامة الإنسان وعمارة الأرض وديننا أمر بها، والحضارة الغربية عنيت بها ، ومن أجلها نشأ عندهم ما عرف بأحزاب الخضر ووضعوا النظم والمعاهدات المنظمة لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت