فهرس الكتاب
وقد شجب الإسلام الترف والمترفين، لأن الترف يقوم في الأساس على التبذير والإسراف وتبديد المال وحرمان الآخرين من إشباع حاجاتهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى تفشي الأمراض الاجتماعية في أوساط المترفين، فحاجات المترفين كمالية وتطلعية لا تعطي قدرًا كبيرًا من المنافع الحقيقية بل تتوجه توجهًا تبديديًا ومظهريًا باختلاس ثمن إشباع حاجات الآخرين الضرورية وتوجيهها كوسائل إشباع كمالية وترفيهية، هذا الاختلال في توزيع واستهلاك الثروات هو الذي دفع المترفين عبر العصور والتاريخ لمعارضة كل الدعوات السماوية التي نزلت من السماء لإقرار العدل والسلام في الأرض، وهو الذي يدفع اليوم القوى الكبرى للنهب وشن الحروب على دول العالم الثالث الفقيرة، ليزداد الأغنياء والمترفون غنيً، ويزداد الفقراء والمحرومون فقرًا، والقرآن صور هذه الظاهرة في صورة رائعة في قول الله - عز وجل: ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على"أمة وإنا على"آثارهم مقتدون ) (23) (الزخرف) .
والمترفون يتميزون بالأثرة، حيث حب الذات مركز التفكير والسعي، وعلى هذا النحو فإن غاية النشاط الإنساني عندهم ليست إلا تكديس الثروات وجلب المنافع، فالأثرة لا تعرف القيم والمثل العليا المتصلة بحياة بقية أفراد المجتمع، وحياة وهموم المجتمعات الأخرى، وإنما يتركز اهتمامها على الربح وتكديس الثروات والاستمتاع غير المشروع بالحاجات، فالمترفون يحبون كل ما يمتعهم إمتاعًا حسيًا وماديًا بغض النظر عما إذا كان متفقا مع الأديان والقيم والمثل أو كان مخالفًا لها.
وقد سيطر المترفون على المجتمعات القديمة مما أدى إلى غلبة الاتجاهات المادية فيها، ويتضح ذلك من خلال سلوك المترفين الذين أترفوا في الحياة الدنيا، ولم يحل بينهم وبين الاستمتاع بما أترفوا فيه أي حائل، متجاوزين بذلك أنفسهم وغيرهم، ظلموا أنفسهم باتباع شهواتهم وظلموا غيرهم بحرمانهم من الثروة، وبارتكاب الجرائم الاجتماعية وممارسة الشذوذ والتعرض للغير.
تفسخ المجتمع
وتكون النتيجة انتشار الاتجاه المادي وطغيانه وتفسخ المجتمع وانحلال قيمه، وظهور الأمراض الاجتماعية، وتضاؤل عناصر الخير، وتصدع بنية المجتمع، فالترف يؤدى حتمًا إلى فساد المجتمع وهلاكه على المدى الطويل، ووجود الترف في مجتمع ما معناه سقوطه وتصدعه، وتوالي نزول المصائب والكوارث عليه حتى ينتهي وتندثر حضارته، قال الله - تعالى: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) 16 (الإسراء) .
ولقد سقطت إمبراطوريات وممالك ودول بسبب طغيان الاتجاه المادي بعد ما تفشت فيها الأمراض الاجتماعية والجريمة والظلم والفساد من الكذب والحسد والرشوة والمحسوبية والغش والسرقة والفجور، فيلحق بذلك أفدح الأضرار بالإنسان كفرد والمجتمع والدولة أيضًا، لأن الدولة في نهاية المطاف ليست إلا مجموعة من الأفراد وما صح للفرد صح للمجتمع الذي يتكون منه، أو الدولة التي تستند إليه، وتفشي هذه الأمراض بين الأفراد ينعكس سلبًا على أداء الدولة وتوجهاتها، وقد رأينا كيف انهارت دول وحضارات قديمة بسبب الترف، فإذا أضفنا إلى ذلك أمراض الترف البدنية كأمراض الجهاز الهضمي، والبدانة وتصلب الشرايين وغيرها أمكننا أن نعلم مدى خطورة الترف على الفرد والمجتمع على السواء.
شعور بالملل
وكلما أشبع المترفون طائفة من دوافعهم وميولهم وحاجاتهم تولدت لديهم حاجات ودوافع أخرى، لأن الانغماس في المادية يرتب بالضرورة إنسانًا استهلاكيًا يسعى دائما نحو إيجاد حاجات ودوافع وميول ليتسنى له إشباعها وإرضاؤها بكل الوسائل المتاحة، وقد تأتى على الإنسان أوقات لا يتمكن معها من إشباع هذه الحاجات والدوافع بسبب مرض أو هرم، أو لا يجد حاجات ودوافع جديدة، فتتكرر حاجاته وتتكرر وسائل الإشباع فيشعر بالسأم والضجر، ويقدم على الانتحار.
والمؤشرات الإحصائية تشير إلى الارتفاع المطرد في نسبة الانتحار في دول الغرب الغنية، ومثل هذه الظاهرة لا توجد في المجتمع الإسلامي، لأن الإنسان المسلم يعلم أنه عابر سبيل في هذه الدنيا، وهو يتوخى من خلالها الفوز برضا الله وأن وسيلته إلى ذلك عمله، لذلك فإنه يعمل ويجاهد ليحقق هذه الغاية وهو راضٍ وسعيد، وهو يعلم كذلك أن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، فحياة المسلم في رحلته من المهد إلى اللحد هي لله، وهي محكومة ومنضبطة بمنهج الإسلام.
وسوء توزيع الثروات في العالم اليوم أدى إلى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حيث شن الأغنياء الأقوياء الحروب ضد الفقراء والمستضعفين ليزداد المترفون ترفًا، في الوقت الذي انتشرت فيه أمراض الجوع وفقر الدم ونقص البروتينات والفيتامينات وأمراض التلوث البيئي بين فقراء العالم.
ولقد أصدر برنامج الأمم المتحدة للتنمية تقريرًا خطيرًا في عام 2000م أوضح فيه بلغة الأرقام كيف اتسعت الفجوة بين الفقراء والأغنياء بصورة هائلة وخطيرة وبشكل لا يبشر بالخير إزاء المستقبل بالنسبة للدول الفقيرة. ويضيف التقرير:"إن الفارق في الدخل بين ال 5% الأكثر ثراء من سكان العالم وال 5% الأشد فقرًا ارتفع إلى نسبة 74 إلى واحد في عام 1960م.كما انخفض دخل الفرد في أكثر من 80% من دول العالم عما كان عليه قبل عشر سنوات".
أمتنا .. بين ملامح الوعي .. ومؤثرات الضغط الحضاري المعاصر
وائل مرزا*
لا يملك الإنسان أحيانًا غير التأمل و هو يرى الحكمة من وراء توزيع الاهتمامات و المواقع بين أبناء هذه الأمة. و يشعر المرء أنه ربما كان من الخير - بين الحين و الآخر- أن تُصاب أمتنا بذلك النوع من"الصدمة الكهربائية"التي يشعر بها العامة و الخاصة بعد قراءة مقالةٍ لكاتبٍ معروف عن موضوعٍ من أحداث الساعة، يكون الطرح فيه علميًا ومنهجيًا ولكن، وهذا هو المهم، مغايرًا للرأي السائد التقليدي المألوف حول ذلك الموضوع. وتأتي في هذا الإطار كتابات بعض المفكرين والكتّاب ممن يحاولون الانطلاق من منهج الوسطية والاعتدال والتوازن في تحليلهم وعرضهم لجملةٍ من القضايا الحساسة في واقعنا المعاصر، وبشكلٍ يُلقي - كما يقولون - حجرًا ضخما في بحيرة حياتنا الثقافية الراكدة بمعنى معين من معاني الركود.. والهدف من هذه الكلمات إنما يتمثل في تتبع الامتدادات و المعاني الفكرية والمنهجية الكامنة وراء مثل تلك الكتابات و محاولة وضع النقط على الحروف فيما يتعلق بها.
ففي مثل تلك المواضع يلمح الإنسان من خلال كلمات الكاتب وممارسته إشارة إلى مجموعة من ملامح الوعي المنهجي المفتقدة إلى حد كبير في حياتنا الثقافية، نعرض إليها فيما يلي بشيء من التفصيل.
أول تلك الملامح يتعلق بمسألة التخصص. و من المفارقات المؤلمة أن هذه الصفة أصبحت من الصفات التي يقدّرها إنسان المنطقة على مستوى حياته الخاصة، و هو الذي كان يصطحب ابنه منذ سنوات قليلة إلى (الحلاق) لكي (يقلع ضرس الولد) ! رغم ذلك، فإن هذا الإنسان نفسه يتجاهل ويهمل إلى حدٍ كبير هذه الصفة عندما يتعلق الأمر بالشأن العام في الأمة. والمشكلة أن هذا يسري على كثيرٍ من أدعياء الفكر والثقافة ولا يقتصر على عامة الناس.