وعبر زعماء العالم والمواطنون العاديون عن التعاطف مع سكان جنوب الولايات المتحدة ومعظمهم من السود والملونين الذين عصف بهم الإعصار وما أعقبه من فيضان.
لكن كثيرين صدمتهم أيضا حالة الفوضى التي نقلت صورها إلى أنحاء العالم، مذكرة بالفوضى التي سمح بها جيش الاحتلال الأمريكي للغوغاء بنهب وسلب الممتلكات العامة إثر سقوط العاصمة العراقية بغداد، والتي بدت في الحالتين على أنها جزء من الثقافة الأمريكية التي يبشر بها بوش العالم!.
فقد انتشرت أعمال السلب في الشوارع المليئة بالحطام وآثار الكارثة بينما آلاف الجثث ملقاة في الشوارع والمستنقعات المائية وتحت الأنقاض، وآلاف الناس الذين ظلوا على قيد الحياة تجمعوا في"نيو أورليانز"بانتظار ما ستقدمه لهم السلطات من طعام وماء وأغطية.
وكأن المشهد الدرامي الذي لحق بمدن الجنوب الأمريكي جاء انتقاما لما ارتكبته قوات الاحتلال الأمريكي من مجازر بحق آلاف الأسر العراقية من أطفال وفتيات ونساء ورجال، وما تبع ذلك من أعمال اغتصاب وانتهاك لحقوق الإنسان.
صحيفة"الصن"الأوسع انتشارا في بريطانيا وصفت المشهد بالقول:"فوضى في الولايات المتحدة".
بينما كانت صحيفة"هاندلسبلات"الألمانية اليومية أكثر تأثرا بالكارثة فكتبت عنها تحت عنوان:"نهاية العالم الآن".
وقد أعادت صور الكارثة التي قتلت الآلاف، إلى الأذهان ذكريات الأزمات في أفقر دول العالم مثل موجات المد"تسونامي"العام الماضي في آسيا التي خلفت أكثر من 230 ألفًا بين قتيل ومفقود. لكن البعض يرى أن التحرك المسؤول من قبل المسؤولين والناجين إزاء تلك الكوارث كان أعلى مستوى أخلاقي من التسيب والنهب الهمجي الأمريكي الذي أعقب الإعصار كاترينا.
وقال ساجيوا شيناتاكا، 36 عاما، وهو يتابع مباراة كريكيت في كولومبو بسيريلانكا:"أنا أشعر بالاشمئزاز تماما. بعد موجات المد أراد شعبنا حتى من فقدوا كل شيء مساعدة الآخرين الذين كانوا يعانون. لم يتعرض سائح واحد للسلب في المنطقة أثناء موجات المد. الآن وفي ظل كل هذا الذي يحدث في الولايات المتحدة يمكننا أن نرى بسهولة أين يقع الجزء المتحضر من العالم".
وأبرزت كثير من الصحف ـ كما تقول الشرق الأوسط ـ الانتقادات للسلطات المحلية وعلى مستوى الولايات وللرئيس الأمريكي جورج بوش. وقارن البعض بين الجهد الأخرق في عمليات الإغاثة والكميات الهائلة من الأموال والموارد التي توجه للعدوان على العراق، من أجل تحقيق مصالح فئة من العسكريين وصناع السلاح وتجار البترول المتحكمين.
وقالت صحيفة"ليبراسيون"الفرنسية ذات الميول اليسارية"إن غرق مدينة حديثة في الماء والفوضى مشهد قاس فعلا لمدافع عن الأمن مثل بوش".
وأضافت أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي يعيش مبتهجا بعيدا.. لا بد أنه يكاد يموت من الضحك"."
وقالت موظفة في شركة عالمية في كوريا الجنوبية إنها ربما ليست مصادفة أن لحق الضرر بالولايات المتحدة.
وأضافت الموظفة التي رفضت نشر اسمها حيث إن لها مديرًا أمريكيا:"ربما كان عقابا لما فعلته في العراق. كثير من الناس الذين أعمل معهم يفكرون بهذه الطريقة. تحدثنا عن هذا الأمر في ذلك اليوم".
وأشار معلقون إلى أن الغالبية الساحقة من ضحايا الإعصار، أمريكيون سود منعهم الفقر من الفرار من المنطقة مع اقتراب الإعصار على عكس بعض من جيرانهم البيض.
وتحتل"نيو أورليانز"المركز الخامس في الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسكان الأمريكيين السود وتبلغ نسبة السود بين سكان المدينة 67 في المائة.
وقال تقرير في صحيفة"الغارديان"البريطانية:"يكتسب الأمر بعدا عنصريا في واحدة من أفقر ولايات البلاد حيث يكسب السود نصف ما يكسبه البيض".
وقال وزير خارجية لوكسمبورغ"جان اسلبورن"في انتقاد مغلف للفكر السياسي الأمريكي إن الكارثة أظهرت الحاجة إلى دولة قوية يمكنها أن تساعد الفقراء.
وقال طبيب التخدير"ديفيد فوردام" (33 عاما) ، متحدثا في محطة لمترو الإنفاق في لندن، إنه أمضى وقتا في الولايات المتحدة ولم يفاجأ بأن البلاد وجدت صعوبة في التعامل مع الوضع.
وأضاف:"ربما فكروا ببساطة أنه يمكنهم الجلوس في الهواء الطلق وسيكون كل شيء على ما يرام، لكن الأمر لا يصدق على أية حال".
وقد توقعت شركة"ريسك مانجمنت سوليوشنز"الأميركية المتخصصة في إدارة الكوارث، أن تتجاوز قيمة الأضرار التي ألحقها الإعصار"كاترينا"الذي اجتاح الاثنين الماضي لويزيانا ومسيسيبي، مائة مليار دولار.
وأوضحت الشركة أن نصف هذه الكلفة على الأقل ناجم عن الأضرار التي سببتها الفيضانات التي اجتاحت نيو أورليانز.
وكانت الشركة قد قدرت الاثنين قيمة الأملاك المدمرة والتي تحظى بتغطية شركات تأمين بـ 25 مليار دولار.
وقالت المجموعة الأميركية إن هذا التقدير ينبغي إعادة النظر فيه إثر تصدع سدود تحمي أكبر مدن لويزيانا.
01-شعبان 1426 هـ
04-سبتمبر-2005
إيدز الحضارات والمجتمعات
حفيظ الرحمن الأعظمي
الترف ظاهرة خطيرة مثل الطغيان، كلتاهما ظاهرتان متلازمان، والترف كان القاسم المشترك في الحضارات البائدة والأمم المنقرضة الغابرة، ولما كان المسلمون يتنسمون ذرى المعالي والمجد كانوا بعيدين كل البعد عن الترف وحياة البذخ والدعة، كان العمل ديدنهم والإخشوشان طينتهم، فتبوؤا قيادة العالم.
حتى إن الرسول - صلى الله عليه وسلم -كان يقضى أيامًا وليالي وهو جائع رغم أنه أحب الخلق إلى الله، ودعوته مستجابة عند الله إذ هو إمام الأنبياء، ولما امتدت رقعة الخلافة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى إفريقيا بأدغالها ومجاهيلها غربًا، وإلى أرخبيل إندونيسيا شرقًا، حتى وصل المسلمون إلى جدار الصين لدك حصون بنى الأصفر، في مثل تلك الأبهة كان عمر وإخوته الخلفاء الراشدون يلبسون ملابس مرقعة، ولما استسلم المسلمون للدعة وأخلدوا إلى الراحة بدأوا يتدحرجون من عليائهم.
فالإنسان جسد وروح، والتوازن بين شقيه لازمة ضرورية لاستمراره فوق الكوكب، فقد دعا الإسلام إلى ضرورة إيجاد التوازن بين هذين الشقين، بحيث لا يطغى جانب على آخر، وتفسد بالتالي حياة الإنسان، ولقد جاء منهج الإسلام وسطيًا قائمًا على الاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط ولا إسراف ولا تقتير.
إشباع الحاجات
ومن هذا المنطق كره الإسلام الانغماس الكلي في المادية، ودعا إلى إشباع الحاجات في وسطية معقولة، وهذا الإشباع المحسوب المعتدل يعمل على تدعيم خيرية الإنسان، وقوة وسلامة المجتمع البشرى، وضمان إشباع حاجات كل البشر، وعلى هذا النحو لا تقتصر الثروة على قلة قليلة من البشر، لا يتداولها إلا الأغنياء والمترفون بل تدور بين الجميع ليأخذ كل واحد منها نصيبه.
فالثروة منحة من قبل الخالق - جل وعلا - للجميع، ولذلك جاء الخطاب الخاص بها بصيغة الجمع، والإنسان أيًا كان موقعه وأيا كان ثراؤه له منها ما يشبع حاجاته دون إسراف، وعليه أن يحافظ على هذه النعم والثروات التي مكنه الله منها لتؤول إلى غيره وهى صالحة وجيدة إن كانت من السلع المعمرة، وعليه أن يبذل عنايته وحرصه بالطبع دون أن يضمن النتائج، فالأعمال دائمًا بالنيات، وقد لا يرقى العمل إلى مستوى النية، وهكذا فإن الإسلام يحرص على أن يلتزم المسلم بمنهج إشباع الحاجات دون زيادة أو نقصان ليضمن للجميع نصيبًا عادلًا من الخيرات والثروات.