فهرس الكتاب

الصفحة 1595 من 2255

حينما يفترض الغرب أن شرط صلاحياتك للبقاء ألاّ تكره الغرب ومفاهيمه الخاصة التي تتجه لسحق الآخرين، في حين أنه يمارس صناعة الأزمة المصعِّدة لمفهوم العداء ليس عند المسلمين فقط، بل هذه ظاهرة مشاهدة في القوى العالمية القائمة، فهو يطرح معادلة من الصعب على كل قوانين العلم والعقل أن تستوعبها أو تحترمها.

إن كراهية الغرب ليست أزمة صنعها المسلمون، بل ثمة مؤثرات متعددة في هذا الواقع.

وكثير من المجتمعات والشعوب في العالم كله تكره الغرب، وحتى تلك الدول التي قد تتأثر ببعض الأنماط السلوكية الغربية تبقى على تقاطع مع الغرب في مفاصل أكثر أهمية.

ومن المهم أن يدرك المفكرون هناك أن شيئًا من مظاهر الإعجاب بالغرب لا تعني الإيمان به بكل تأكيد, وأن وجود مطاعم (ماكدونالد) التي لفتت نظر (فوكوياما) في المغرب لا تعني الكثير!

العالم بشتى دياناته يعيش ظاهرة عامة من الكراهية للغرب وحتى التجمعات اللادينية تراهن على هذا الخيار، ومن المفضّل أن نحافظ على تذكر تجربة الغرب مع الاتحاد السوفيتي الذي لم يكن يشكل مفهومًا دينيًا.

والغرب يرى لنفسه حق كراهية الآخرين، ووصفهم بالشر، وصناعة مشاريع للصراع معهم، لكنه يختار أن تبادل الشعور بينه وبينهم يُعدّ جريمة من الضروري أن يصدّق عليها كل العالم تحت قانون"إن لم تكن معي فأنت ضدي"، وهذا القانون يفترض أن يؤمن به الغرب نفسه حين يُقدمه له العالم الإسلامي أو غيره من القوى الحضارية التي تفضِّل حتى الآن أن تتمتع بوجودها وسيادتها فقط، لكن الغرب في صراعه يتحرك تحت مفهوم تعطيل حركة الوجود لهذه القوى أيًا كانت آلية الوصول إلى هذا الهدف ودرجتها الأخلاقية.

ربما من المشكل في العقلية الغربية أنها عقلية ذاتية مطالِبة، من الصعب أن تستوعب خيارات الآخرين ومطالبهم، وليس سرًا أن الغرب يكره القوى الحضارية المنافسة له، وفي مقدمتها العالم الإسلامي الذي قد تكون خطواته أكثر سرعة في ممارسة تعويق الاستبداد الغربي.

إننا لم نطالب الغرب يومًا ما ألاّ يكرهنا إذا كان يفضل ذلك، ونفضل أن نتركه يمارس خياراته، لكننا نطالب أن يكون هناك قدر من الأدب الأخلاقي.

والإسلام يستوعب التعامل مع الغرب، لكن المشكل أن مفهوم الحرية في الغرب لا يستطيع أن يستوعب التعامل مع الإسلام؛ لأن العلمانية تمارس سلطة يرسمها الأقوياء فقط في الغرب، ويصعدون لها ويحاولون إقناع العقلية الفردية في الغرب بها، تحت مواعدة قادمة في تصفية قوى الشر والإرهاب، كما يردّد الساسة وكثير من رجال الثقافة والفكر والإعلام هناك، لكن من المهم أن نؤكد للغرب في شتى طبقاته ومستوياته أننا قد نبدو بسطاء، لكن من الجيد أن يفهم الغرب أننا لسنا كذلك، وأننا نتمتع بدرجة كافية من الذكاء. إن الغرب قد يصنع للعالم الإسلامي من حيث لا يريد ما عجز عن الوصول إليه.

وإذا كان الغرب يعتقد أنه خرج من عصر الظلمات من قرون قريبة، فإننا تجاوزنا عصر الظلمات منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، وإننا في الوقت نفسه نفضل خيار التعامل بالعدل، والاتجاه للإصلاح البشري، ومعالجة الفساد والشر بشرط أن يكون لدى الغرب استعداد للاستماع إلى الحل الإسلامي المعتدل الذي هو رسالة الخير التي نحبها لكل الناس في العالم، ونبي الإسلام أرسل رحمة للعالمين، ويقول كما في الرواية الواردة عنه في كتب السنة الصحيحة:"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة"فأي ضمان يمكن أن تقدمه رسالة للآخرين أرقى من هذا المفهوم؟!

ومن الأفضل هنا أن يراجع الغرب موقفه في أخلاقيات التعامل مع القضايا الإسلامية.

من وجهة نظرنا هذا هو الحل، ويبدو أنه حل يتسم بالاعتدال والعقلانية، ومن الأفضل أن نحترمه جميعًا، وأن نتجاوز المزايدة على الإسلام والمجتمعات الإسلامية لصناعة الصراع؛ لأن الغرب هنا بكل تأكيد يتصرف بغباء.

إن قُرّاء الفلسفة الغربية يدركون أن ثمة مشكلة كامنة في العقلية الغربية وهي سيطرة عقلية الصراع، وفرضها على الفرد الغربي للمشاركة والتفاعل معها، لكن من المهم أن يدرك الغرب أن الصراع يقود إلى النهاية والحتمية، وهذا بكل تأكيد لا يستطيع الغرب التعامل معه واستيعابه.

إن من أهم أسس الحضارة السماح للفرد فضلًا عن المجتمع بممارسة الخيارات الثقافية والاجتماعية، لكن الدوائر المتسلطة في الغرب غير مستعدة أن تمنح المسلمين هذا الحق حتى في تفسير الإسلام، فهي تريد أن تملي صياغة خاصة في مفهوم الإسلام، من أهم أسسه المحافظة على سيادة الغرب، وتسخير العالم الإسلامي حتى على مستوى العواطف والولاء له.

هذه سطحية في قراءة الغرب لمشكلته وأزمته ونمط علاجها، ومن المهم أن يُدرك أنه يفكر ويتصرف بغباء ، ويتحرك إلى مصير مجهول.

إننا نتطلع -من وحي رسالة الإسلام- أن نساعد الغرب في قراءة مشكلته والبحث معه عن الحل الذي يتسم بالعدل والعقلانية، لكن نبدو غير متشائمين حين يختار الغرب الخيار الثاني الذي لن يكون المسلمون مؤهلين لصناعته, لكنهم مؤهلون للتعامل معه.

التعصب الأوربي الصليبي!!

د. محمد مورو 19/2/1426

منذ أن سطع نجم الحضارة الإسلامية ـ كحضارة عظيمة تحمل قيمًا كريمة وتسعى لإسعاد البشر، وتحقيق مجتمع العدل والحرية والانحياز إلى المستضعفين- وهي في حالة صراع دائم ومستمر ضد القوى الشيطانيّة المتربصة بها, وعلى رأس تلك القوى الشيطانية كانت الحضارة الأوروبية التي لم تترك جريمة إلا وارتكبتها في حق البشرية. بدءًا من قهر الإنسان وقمعه، وانتهاء بنهبه وسلب ثرواته.

الحضارة الأوروبية حضارة إغريقية وثنية ذات قشرة مسيحية (1) ، وقد أنتجت هذه الخلطة العجيبة بين الوثنية الإغريقية وبين القشرة المسيحيةـ أنتجت الروح الصليبية التي تتسم بها الحضارة الأوربية في مواجهة الأمة الإسلامية.

الحضارة الإسلامية بما تتسم به من عدل وتسامح وحرية ـ هي التي أنتجت أمثال عمر بن عبد العزيز الذي أمر بهدم جزء من المسجد ورده إلى الكنيسة.

وحتى في لحظات ضعف الحضارة الإسلاميةـ نجد أن رجلًا مثل الأمير عبد القادر الجزائري، وهو الذي عانى شخصيًا، وعانت معه بلاده الجزائر من المذابح والمجازر والنهب والقمع الاستعماري الصليبي الفرنسي ـ نجده هو نفسه يحمي نصارى لبنان أثناء نفيه في دمشق سنة 1860 فيما عُرف بطوشة النصارى (2) .

وهي الحضارة التي أنتجت أمثال الشيخ الباجوري شيخ الأزهر في عهد عباس باشا الأول ـ ذلك الشيخ الذي رفض الإفتاء بنفي بعض النصارى في السودان عندما طلب عباس الأول ذلك، وقد قال الشيخ الشجاع.

(إنه لم يطرأ على ذمة الإسلام طارئ، ولم يستول عليها خلل، وهم في ذمته إلى اليوم الآخر) (3) .

أما الحضارة الأوروبية الصليبية فهي حضارة مجرمة. أليست هي التي أبادت الهنود الحمر في أمريكا؟ أليست هي التي مارست عمليات الخطف والاستعباد والاسترقاق لأهالي أفريقيا؟ وقتلت منهم (45) مليونًا يوم أن كان سكان إنجلترا مثلًا ثلاثة ملايين؟

أليست هي الحضارة التي ذبحت خمسة ملايين جزائري في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر 1830 ـ 1962 (4) .

أليست هي الحضارة التي زرعت الكيان الصهيوني في فلسطين؟

الحضارة الأوروبية حضارة مجرمة بكل إفرازاتها السياسية والفكرية. الرأسمالية والاشتراكية. الملكية والجمهورية. الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية.

فعلى سبيل المثال عانى شعب الجزائر معاناة شديدة على يد الملكيين والجمهوريين على السواء، على يد المحافظين والليبراليين الفرنسيين على السواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت