في حين يعترض الدكتور ماهر الشريف على فكرة أن العالم توحد فعلًا أو يشهد صيرورة توحيد، اقتصاديًا وتجاريًا وتكنولوجيا، كي يصبح في الإمكان الربط بين هذا التوحيد وتوحده على المستوى الثقافي ويعتبر أنّ السياسات الرأسمالية قد عمّقت الانقسام في العالم لا مثيل له.
تركز المستشارة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة الدكتورة نجوى الفوّال ، على البعد الثقافي لظاهرة العولمة، وترصد التغييرات الايجابية المصاحبة لها في النقاط التالية:
تجاوز الفرد للدائرة الضيقة للإعلام الوطني في ظل الثورة التكنولوجية.
اتساع مساحة الحرية أمام المتلقى، وتزايد قرة القنوات الفضائية غير الحكومية على مناقشة جميع القضايا بطرح الرأي والرأي الآخر، بحيث صارت تلك القنوات ساحات للممارسة الديمقراطية التي تفتقدها على مستوى الواقع أغلب دول الجنوب.
تنشيط الصناعات المختصة للاتصال المرئي، وفتح مجالات للعمل أمام العمالة المتخصصة وان كان التطور المتلاحق في تكنولوجيا الفضائيات قد ترك أثرًا حول عملية إحلال العمالة المدربة والاستغناء عن سواها، بحيث أصبحت سوق العمل هنا أكثر تخصصًا.
فتح ظهور شبكة الإنترنت وانتشارها عالميًا مجالات لا حدود لها للمعرفة واكتساب المعلومات لتسهيل الاتصال بين الأفراد ومن ثم بين الثقافات، ومع نهاية القرن العشرين تنامى باطراد الاتجاه نحو المزج بين هذه الشبكة وبين وسائل الاتصال الجماهيري، إلى حد يتنبأ فيه البعض بأن يُصبح الكمبيوتر الشخصي هو وسيلة الاتصال المجمعة لباقي الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية، وذلك في المستقبل القريب.
كذلك تورد المستشارة بالمركز القومي، الجوانب السلبية في الظاهرة، مثل نقل أساليب وقيم حياة جديدة ومختلفة، ومخاطر التشوه الثقافي، والمنافسة الحادة بين التقاليد والمستورد، في ظل الهوة الكبيرة في امتلاك تقنيات الاتصال واستخدامها بين الشمال والجنوب.
ومذكِّرًا بالفترات التي كان العرب هم القوة المحركة وراء عملية"كوكبة"للعالم، على المستويين التجاري والثقافي على الأقل، يطرح الدكتور سعيد -في مقال له بالأهرام_ سؤالا هامًا:
"هل الانكماش على الذات، والاكتفاء برفض"الكوكبة"أو"العولمة"قد حمى العرب ومكنهم من الحصول على الأمان؟ ناهيك عن"التقدم". ويجيب بالنفي على السؤال معتبرًا"أننا لم نحصل على كل هذا لأننا أخذنا في تجنب العالم والتكنولوجيا، ورفضنا العقل وأخذنا نتعقب عقولنا العظيمة فنعمل فيها الذبح والسجن والنفي، وارتبط رفض كل موجة من موجات"العولمة"بموقف بدا دفاعيًا وانتهى بالانكماش الحضاري والمادي لمجتمعاتنا العربية والإسلامية، وبالخضوع في نهاية المطاف للاستعمار... العولمة ستكون بكل تأكيد تهديدًا داهمًا لأمن العرب وتقدمهم، إذا ما حررنا العقل من المخاوف واستجبنا للتحدي". وتكون هذه الاستجابة للتحدي-حسب رأيه- بالعمل العربي المشترك على جميع المستويات وفي جميع المجالات، والانفتاح على الآخر بكل ثقة وديناميكية وتحرر من الانكماش، وإنجاز مهمات التحديث في جميع المجالات، واحترام الحريات الاساسية للإنسان، وإنجاز التحولات الديمقراطية، وصياغة سياسة علمية وتكنولوجية فعالة، والإصلاح السياسي والدستوري... أي مشروع حضاري عربي شامل ومتكامل."
عرضنا بعض المواقف العربية تجاه بعض موضوعات العولمة والتي لا يمكن بالطبع الإلمام بمختلف جوانبها، على امل أن نكون فد قدمنا للقارئ العربي ما يضيف إلى معرفته جديدًا، ويضعه بصورة التحولات التي تترك أثرها كل يوم على واقعه المعيشي والحياتي بشكل عام.
مصادر:
الاهرام الدولي 29/اكتوبر 1999 .
كتاب العرب والعولمة، أسامة أمين الخولي، بيروت، مركز دراشات الوحدة العربية.
مجلة وجهات نظر، العدد العاشر، نوفمبر 1999 .
مجلة الهدف، العدد 1291، 1999 .
نشرة صادرة عن المركز الاتحادي للبحوث السياسية- ألمانيا، 1999 .
المصدر:http://www.ibn صلى الله عليه وسلمushd.o صلى الله عليه وسلم g
التقدم العلمي في ظل العولمة والنموذج الاسلامي لتفاعل الحضارات
* أ.د. أحمد فؤاد باشا
مقدمة:
يتحدثون الآن عن (( العولمة ) )باعتبارها السمة المميزة لحضارة العصر المادية في سعيها إلى الهيمنة
وفرض سيطرة النموذج الغربي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا. ولكن هذا يخالف ناموس التفاعل الحضاري الذي يحكم العلاقة بين الثقافات العالمية الكبرى على أساس الاحتفاظ بالتمايز والخصوصيات. ولقد كانت (( عالمية ) )الاسلام وحضارته من أهم خصائص النموذج الاسلامي الذي حقق انتشارًا ودوامًا متلازمين على الأرض لم تحققهما حضارة أخرى عبر عصور التاريخ الانساني.
وإن ما يحدث في الحاضر والمستقبل من تفاعل وتبادل بين ثقافات الأمم المختلفة ينبغي أن يكون امتدادًا لعمل نفس القانون الذي اتبعته حضارات العصور القديمة والمتوسطة والحديثة، برغم الفارق الكبير بين وسائل الاتصال وآلياته ومعدلاته في كل من تلك العصور.
ـ التقدم العلمي في ظل العولمة:
إن صياغة تعريف جامع مانع ـ كما يقول المناطقة ـ لمصطلح (( العولمة ) )ليس بالأمر اليسير، نظرًا لتعدد مفاهيمه التي تتأثر كثيرًا بتعدد الاتجاهات إزاءه رفضًا أو قبولًا بدرجات متفاوتة.
والأفضل ـ فيما نرى ـ أن يتم تعريف (( العولمة ) )بتحديد أهم خصائصها وصفاتها ومظاهرها التي تدل عليها. ويمكن ـ من جانبنا ـ أن نجسد هذه الخصائص والصفات بصورة إجمالية في أمرين مهمين جدًا:
ـ الأمر الأول نستشفه من تحاشي أنصار (( العولمة ) )وبعض فلاسفتها إدخال الدين ضمن مجالات نشاطها، فهم يحصرونها بصورة رئيسية في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، وفي بعض الأحيان يدرجون مجال العلم والتقنية. وهم بهذا الاختزال، يجعلون منها (( علمانية ) )جديدة تستبعد الأديان من دائرة التأثير.
ـ الأمر الثاني هو ذلك التحيز الذي يصل إلى درجة التعصب للنموذج الغربي، وتعميمه، وفرض سيطرته وهيمنته، مع السعي إلى اختراق خصوصيات الغير وطمس القسمات التي تتشكل منها شخصيات الأمم والشعوب الأخرى، وخاصة المستضعفة منها، وهو ـ أي النموذج الغربي المدعم بالتفوق المادي والثقافي ـ يسخر من أجل هذا كل إنجازاته العلمية والتقنية، وقدراته الاقتصادية، وإمكاناته الإعلامية، بل وقوته العسكرية إذا اقتضى الأمر، ليفرض تصوراته الخاصة عن السلام والأمن والحرية وحقوق الانسان، وغير ذلك من المفاهيم التي لها عند كل أمة، بل عند كل توجه فكري وسياسي، تصور خاص.
وهذان الأمران اللذان يجسدان أهم خصائص العولمة الغربية ومظاهرها التي تدل عليها قد صاحبها خلال السنوات الأخيرة ظهور اتجاهات نقدية جعلت كثيرًا من الشعوب، بل الحكومات في الغرب نفسه، تخشى هذا الخطر القادم، وترفض الاستجابة لدعواته، والانخراط تحت لوائه.