فهرس الكتاب

الصفحة 1734 من 2255

ولعل من أدوات الصراع أيضًا - وهذا من الفتن الكبيرة - إتاحة هوامش من الحرية محسوبة تمامًا ، ومنح الفرصة للتعبير والتفكير والنشاط الإسلامي في المجتمع الغربي ، والسماح بإقامة التجمعات والندوات وعقد المؤتمرات حيث يطرح في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام ، وحتى في الساحات والشوارع ، من النقد للغرب والدعوة إلى الإسلام وبيان أحكامه ونشر تصوراته ، ما لا يمكن طرحه أحيانًا في بعض مساجد العالم الإسلامي ، والتي تخضع للمنظومة الحضارية الغربية ،وذلك جزء مهم من عملية الصراع ، ومزيد من الفتنة للإنسان المسلم اليوم حيث يرى أنه يتمتع في الغرب بالحرية الإسلامية المفقودة في الكثير من بلاد العالم الإسلامي ، خاصة عندما يعجز عن الإدراك أن الذي يمنح الحرية هنا ، هو نفسه الذي يمنح الحرية هناك ، حتى يتحقق الإيمان بالقيم الغربية والانحياز لها ، واعتبارها المخلص ، دون أن يدري أن ذلك من أخطر أسلحة وأدوات الصراع الفكري والحضاري ، وأن هوامش الحرية المحسوبة والمحكومة في الغرب للإسلام والمسلمين ، هي إحدى الوسائل الفاعلة لاقتلاع البقية الباقية من الانتماء للحضارة الإسلامية ، ذلك أن أمر هذا الصراع عجيب ، ومعادلته في غاية الصعوبة، وخاصة على الذين لا يستطيعون تجاوز الصورة إلى إدراك الحقيقة ، حيث نرى المطاردين في العالم الإسلامي ، حتى من قِبَل الأنظمة المدعومة من الغرب الذي قد لا يكون الغرب بعيدًا عن النصح والإيحاء بمطاردتهم ومحاصرتهم والتخويف منهم ، يستقبلهم الغرب كلاجئين سياسيين ، أصحاب قضايا وتوجهات فكرية ، لا تجد حماية لها إلا في الغرب، ولو فكر واحد منهم في التوجه إلى بعض بلاد العالم الإسلامي لأصبح البلد الذي يؤويه محلًا للهجوم عليه ، لأنه يؤوي الخارجين على الأنظمة ، ولا مانع أن يوصفوا بالإرهابيين في الشرق ، والأحرار أصحاب الرأي المحرم في الغرب ، حتى ولو كانوا من الذين يحاربون الإرهاب ، أما إذا كان اللجوء إلى الغرب ، فيكون السكون فظيعًا ، لأن القيم الغربية هي أم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية .

ولعل من أخطر أدوات ووسائل الصراع: محاولة الغرب استنبات بعض الكتّاب والمفكرين الذين يسمون بالإسلاميين ، على التربة الإسلامية ليقوموا بدورهم في توهين القيم الإسلامية ، وهزّ الثوابت ، وممارسة عمليات النقد الذي يتحول لهدم الذات بدل بنائها ، ويلقون عليهم الأضواء ويفسحون المجال لآرائهم ومقالاتهم ، وكتاباتهم ولقاءاتهم ، والترويج لآرائهم ؛ لأن المواجهة من الخارج الإسلامي ، سوف تكون سببًا في وحدة الأمة وتماسكها وتجميع طاقاتها واستفزازها لمواجهة التحدي ، لكن المشكلة كل المشكلة في من نصبوا أنفسهم مفكرين ومنظرين للشأن الإسلامي وهم مسكونون بالحضارة الغربية ، حتى ولو كانوا يسكنون بلاد العالم الإسلامي .

والحقيقة التي لا بد من تسجيلها هنا: أن القيم الغربية قد سقطت في عالم المسلمين ، سقطت الديمقراطية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان ، وأول من تنكر لها الغرب ؛ لأنها إنما طرحت أصلًا في بلاد العالم الإسلامي لتحقيق العمالة للحضارة الغربية ، وبمجرد أن كادت تتيح الفرص للحضور الإسلامي ، كان الغرب من أول المضحين بها ، سقطت الديمقراطية في معظم بلاد العالم الإسلامي ، وسقطت الحرية وسقطت المساواة وألغيت حقوق الإنسان في فلسطين ، وألغي الإنسان في البلقان ، والشيشان ، وأفغانستان لمجرد أن خياره الإسلام ، وتواطأ العالم الغربي كله على إلغاء خيار الإنسان في الغرب وحاول التدليس وتسمية الحروب هناك بغير اسمها لا لشيء إلا لأنهم لا يريدون السماح للأنموذج الإسلامي أن يبرز للعالم .

فهل يدرك المسلمون طبيعة الصراع ، ولا ينخدعون بالشعارات والفلسفات الغربية التي سقطت على كل المستويات ، ويحولون دون مؤامرات الغرب ، ومن ورائه اليهود في اختراق الصف الإسلامي ودفع المسلمين إلى ممارسات غير مشروعة ، حتى يتم تشويه البديل الإسلامي المطروح ، والمأمول ، بعد السقوط الحضاري الغربي لتعود دورة العمالة الثقافية من جديد .

المشروع الحضاري الإسلامي..حالة ملحة

د. محمد مورو * 2/5/1424

الحاجة إلى المشروع الحضاري الإسلامي أصبحت حالة ملحة على الصعيدين العالمي والإسلامي، بل قل إن مستقبل البشرية عمومًا، ومستقبل العالم الإسلامي خصوصًا أصبح مرتبطًا بهذا المشروع ارتباطًا شديدًا بل حيويًا.

ففي عالم يسوده الظلم والعنصرية والنهب والقهر والعنف والتطهير العرقي، واضطهاد الأقليات، في عالم المنفعة اللاأخلاقية التي أدت إلى إفساد البيئة والحياة فوق بركان نووي وذري، في عالم يموت فيه سنويًا 50 مليونًا بسبب الجوع منهم 15 مليون طفل، في عالم يستأثر فيه 20% من السكان بخيراته على حساب 80% من هؤلاء السكان، في عالم الاغتراب بسبب سيطرة الآلة وحالات الانتحار حتى في البلاد الغنية ذاتها عالم الاكتئاب واللامعقول والإسفاف وقهر الإنسان، في هذا العالم تبدو الحاجة إلى مشروع حضاري يؤكد على قيمة الإنسان، ويتعامل مع الكون والطبيعة من منطلق الصداقة والتناغم والانسجام، وليس الصراع والسيطرة والمنفعة اللاأخلاقية، مشروع حضاري يؤكد على المحافظة على البيئة وربط الإنتاج بحاجة الإنسان دون إخلال بالتوازن البيولوجي أو الاجتماعي، مشروع حضاري يؤكد على اللاعنصرية والعدل والحرية والمساواة والمسئولية الأخلاقية والاجتماعية عن الفقراء والمستضعفين، عالم بلا فقر ولا مجاعة ولا ازدواج معايير، عالم بلا اضطهاد للأقليات، أو ممارسة التطهير العرقي، عالم التعاون بين البشر وليس نهب بعضهم لحساب البعض الآخر، عالم بلا استبداد وبلا قهر وبلا عنف، وهذا كله لا يتوفر إلا في القيم الحضارية الإسلامية التي أثبتت سموها على المستوى النظري والمذهبي، وعلى المستوى التطبيقي، الأمر الذي تفتقده كل المنظومات الحضارية الأخرى، وخاصة المنظومة الحضارية الغربية التي عانى العالم الكثير بسببها ومازال يعاني، وعلى المستوى الإسلامي فإن الحاجة إلى المشروع الحضاري الإسلامي أكثر حيوية، لأن العالم الإسلامي هو الذي سوف يحمل تلك القيم الحضارية إلى العالم، ولأن العالم الإسلامي في مجمله خاضع للقهر والنهب والاستبداد بسبب الحضارة الغربية، وبالتالي فإن المشروع الحضاري الإسلامي هو وحده الطريق لهذا العالم الإسلامي نحو التحرر والتنمية والنهضة، ولا شك أن فشل مشروعات النهضة التي استندت إلى القيم الغربية في العالم الإسلامي تؤكد بدورها على أن المشروع الحضاري الإسلامي هو وحده القادر على حشد الجماهير وانتزاع طريق السيادة الحضارية والنهضة والتنمية وحل كل المشكلات والتحديات التي يعاني منها أو يواجهها العالم الإسلامي.

وهكذا فإن المشروع الحضاري الإسلامي لا بد أن يأتي على مستويين: المستوى العالمي وهو المستوى الذي علينا أن نقدم من خلاله إلى العالم طريقًا جديدًا مثيرًا للخروج من مأزق العالم المعاق ومآسيه وظلماته، وهو المستوى الذي يتضمن التأكيد على قيم الحرية، والعدل، واللاعنصرية، وعدم ازدواج المعايير والمحافظة على البيئة والتناغم معها، والمسئولية عن المستقبل ونصرة الفقراء والمستضعفين، وحماية الأقليات ووحدة المصير الإنساني وغيرها من القيم الحضارية الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت