وسيكون ما يصطلح عليه بعبارة"إعادة فتح باب الاجتهاد"حلقة أساسية في هذا الجهد، بل هي جوهره وحجر الزاوية فيه إذا أردنا الدقة، وما لم يتحقق هذا وفق شروطه المحددة، فإن أي محاولة لإصلاح منهج الفكر لن تأتي بنتيجة.. إن قدرة قياداتنا الإسلامية وهي تنسج الخيوط الأولى لمشروعها الحضاري، هي أن تكون قيادات مجتهدة قديرة على تحكيم"الفقه"في مواجهة المعطيات المتجددة والمتغيرات المزدحمة في الزمن والمكان.
والمشروع والحالة هذه، يتطلب فقهاء مفكرين أو مفكرين متفقهين؛ إذ لا يكفي أن يكون هناك مفكرون لا يملكون آليات الاجتهاد، ولا مجتهدون لا يملكون خبرات العصر المعرفية.
الخندق العميق الذي حفرته قرون الانفصام النكد يجب أن يُردم، والبداية الحقيقية للنهوض لن تكون ما لم يتم اللقاء ثانية بين القطبين.
وبموازاة الجهد الفكري يتحتم ممارسة وتنفيذ شبكة من الأنشطة العملية على مستوى الأفراد والجماعات والمؤسسات والنظم والحكومات، وكلما ازدادت مفردات هذه الأنشطة في النوع والكم أتيح للنسيج أن يزداد مساحة وتجذّرًا.
ها هنا أيضًا كان العديد من الحلقات الإسلامية قد بدأ يعمل منذ زمن بعيد، لكنهم في معظم الأحيان ما كانوا يصلون إلى الهدف الذي وضعوه نصب أعينهم، الأمر الذي قاد بعضهم إلى الكف عن العمل، وساق الآخرين إلى حافات اليأس والإحباط، ومضت فئة ثالثة تضرب على غير هدى.
وما كان يعوزهم ـ ببساطة ـ سوى اثنتين:
أولاهما: أن يعطوا لأنشطتهم العملية بطانات فكرية مرسومة بعناية في ضوء الثوابت الشرعية من جهة، ومطالب اللحظة التاريخية وتحدّياتها من جهة أخرى، أي أن يبدؤوا من إصلاح المنهج الفكري، ثم يمضوا في تنفيذ مطالبه على أرض الواقع، وهذا ما لم يتحقق بالشكل المطلوب.
أما ثانيتهما: فهي أن يعملوا مع الحلقات الأخرى على مدى جغرافية عالم الإسلام بمنطق التنسيق والتعاضد والتعاون والتكامل، وهي أمور بدهية طالما أكد عليها كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك فقد أدير لها الظهر، ليس هذا فحسب بل ترك المجال لبدائلها السلبية، كالارتجال والجهد الانفرادي والعزلة والنفي والاصطراع أن تحل محلها .. إن تاريخنا المعاصر هو ـ باختصار ـ تاريخ تفتيت للقوى وهدر للطاقات ما شهدته أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات.
ولحسن الحظ فإن مهندسي المشروع النهضوي أخذوا يدركون، منذ أكثر من عقدين من الزمن، المطالب المشار إليها جيدًا، ويدركون معها عوامل التعويق التي وضعت الأمة أو الجماعة في الحلقة المفرغة، فإذا استطاعوا أن يجعلوا هذه الرؤية بقطبيها الفكري والعملي واضحة تمامًا قبالة الوعي الإسلامي المعاصر، متحققة بأكبر قدر من الكفاءة في نسيج الحياة اليومية، فإنهم يكونون قد بدأوا البداية الصحيحة التي لابد وأن تصل بهم إلى الهدف المرتجى.
خطوة خطوة وحلقة حلقة، قد يستغرق قطعها أو تنفيذها زمنًا طويلًا، لكنها لن تكون ـ بأي حال ـ قفزة في الفضاء، أو دعوة فضفاضة لا تقود إلى شيء .."بطيء لكنه مؤكد المفعول"كما يقول المثل الإنكليزي.
والسؤال الآن: هو أن الأمة الإسلامية ليست ـ دائمًا ـ في حالة تقبل لهذا الجهد الثنائي في أحد جانبيه أو كليهما معًا: الفكر والعمل، بل قد تكون مهيأة ابتداء لوضع العوائق
أمام المحاولة وإحباطها، وهذا صحيح .. وصحيح كذلك أن الحياة الإسلامية على امتدادها في الجغرافيا، وعلى استعدادها الطبيعي لقبول الخبرات الأصيلة وطرد المزيف والدخيل، تنطوي دائمًا على مفاصل أو مساحات تسمح بشكل أو آخر في تنفيذ هذه الحلقة أو تلك من حلقات المشروع، ويبقى على القيادات الفكرية أن تكتشف حجم الفرصة المتاحة هنا أو هناك، لتوسيع مساحة النسيج وإحكام حبكه، وهي مهمة ليست هينة، كما أنها ـ مرة أخرى ـ تتطلب أقصى قدر من التنسيق والشمولية وتجاوز الارتجال أو بعثرة الطاقات.
قد يكون من بين الفرص المتاحة: التعاون مع قيادات الطرف الآخر، أو وضعه أمام الأمر الواقع وإرغامه على القبول.. أو العمل بمعزل عنه في الهامش المتاح، وهو بالتأكيد هامش واسع يسمح كما هو ملاحظ عبر العقود الأخيرة، بتنفيذ العديد من المحاولات على المستويين الفكري والعملي.
وعلى الرغم من أن بعض هذه المحاولات تعرّض للوأد بسبب عدم قدرة مهندسيها على الاستمرار حينًا، واستحالة تجاوز العوائق حينًا آخر، وقيام الطرف المضادّ بإحباط المحاولة حينًا ثالثًا .. إلاّ أن حلقات عديدة أخرى مضت تشق طريقها وتزداد تجذّرًا وعطاء .. وهي بمجموعها ـ إذا أحسن توظيفها ـ تعين على نسج خيوط المشروع وتأكيده.
علينا دائمًا أن نفكر بإعداد البدائل المناسبة لكي تحل محل خبرات لم تعد صالحة لمطالب الزمن أو المكان .. وخبرات أخرى تعرضت للحصار والمصادرة والوأد لهذا السبب أو ذاك.
بدائل تكون جاهزة تمامًا للنزول إلى الميدان وملء الفراغ الذي قد تترتب عليه انكسارات واقعية ونفسية، كانت السبب في كثير من الأحيان للتداعيات التي شهدتها الجماعات الإسلامية عبر القرن الأخير.
إن بمقدور المرء أن يتذكر ـ في ختام هذه التأشيرات ـ نقاط الارتكاز التي يمكن الوقوف عليها لتنفيذ بعض حلقات المشروع، والتي أخذت عبر العقدين الأخيرين بوجه الخصوص تتلقى ـ فعلًا ـ روافد العطاء فتزداد بفضل الله تدفقًا، ولكن، مرة ثالثة ورابعة، تبقى الحاجة قائمة إلى اعتماد الصيغ التي تجعل هذه الروافد تتجمع إلى بعضها لكي تصب في الهدف الواحد .. الذي هو في نهاية الأمر هدف حضاري.
هناك ـ على سبيل المثال ـ الأداء الفكري (على مستوى الدورية، الكتاب، العمل الموسوعي، المدرسة، الجامعة، المعهد، الندوة، الملتقى، المؤتمر ..) .
الأداء العلمي (على مستوى البحث، الدراسة، الكشف والاختراع ..) . الأداء الاجتماعي (على مستوى المنظمة الخيرية، المؤسسات الخدمية أو المالية أو الاقتصادية ..) .
الأداء الإعلامي (على مستوى الصحيفة، المسرح، السينما، الإذاعة، التلفاز، الفيديو، الكاسيت ..) .
هناك أيضًا الأداء التربوي أو الدعوي أو السياسي بحلقاته وآلياته كافة. هناك ـ فضلًا عن هذا كله ـ إمكان توظيف الفرص والإمكانات التي وضعها هذا الدين بين يدي المنتمين إليه فيما لم يضعه دين أو مذهب آخر في الأرض: ( المسجد .. المنبر .. الحج .. الزكاة .. الصدقات .. الأوقاف .. الخ ) . وهي جميعًا ـ إذا أُحسن التعامل معها لتحفيز عطائها ولو في حدوده المتاحة ـ وليست القصوى، فإن بمقدورها أن تفعل الأفاعيل، وأن تعين على نسج حلقات المشروع النهضوي، شرط أن تتهيأ قيادات كفؤة تعرف كيف توظف الفرص جميعًا بأكبر قدر من التناغم والانسجام بين مقاصد الشريعة ومطالب اللحظة التاريخية .. قيادات يصير فيها الفقيه مفكرًا والمفكر فقيهًا، وتتلقى الحياة الإسلامية الضائعة على أيديها ما يعينها على المضيّ إلى هدفها بأكبر قدر ممكن من ضمانات المسير.
مشروع بناء الوعي الحضاري
د. مسفر القحطاني 29/7/1427
كتبت في مقالات ماضية حول ضرورة بناء الوعي خصوصًا الحضاري منه, وسأتجاوز بيان الأهمية إلى الدخول في مشروع عملي يعيد هذا الوعي إلى الأذهان ويقرّبه إلى الأفهام, ويمكن تطبيقه في الميدان, ولعلي في هذا المقال أن أعرض إلى أحبابي القراء مُسوّدة هذا المشروع؛ لأتمكن من معرفة رؤاهم و نقدهم و مقترحاتهم في تطوير آلياته، ليصبح واقعًا حيويًا نتلمس آثاره في أنفسنا ومجتمعنا, ولعلي أعرض أبرز محاور هذا المشروع بشكل موجز لضيق زاوية المقال: