لقد تعامل أسلافنا الأوائل مع هذه الحضارات بفكر الأٌسود . فالأسد لا يقع على جيفة مهما عصفت به الحاجة ونال منه الجوع . لقد عبوا من هذا الحضارات عبا . أخذوا منها ما ينفعهم ويلائم أوضاعهم ."واستطاعوا- مثلا - أن ينتفعوا بتراث الإغريق العلمي بعد أن عربوه وهذبوه وأضافوا إليه . وأيد ذلك فقهاؤهم وأئمة دينهم - بل ساهموا فيه . ولم يتوقفوا إلا فيما رأوه معارضا لعقيدتهم وفكرتهم..المهم أن المسلمين كانوا غاية في المرونة أمام الجانب العلمي بتعبير عصرنا وكذلك الجانب الإداري , والتنظيمي والعمراني والصناعي . لم يجدوا أي حرج ديني في اقتباس ذلك من غيرهم والزيادة والتفوق فيه ما استطاعوا" (6) دون انبهار أو انكسار أو ذوبان للشخصية أو فقدان للهوية .
إن محاربة الانبهار ببريق حضارة الغرب واجب على كل غيور على مستقبل هذه الأمة. كما وأن تبصير كتيبة المنهزمين و المنبهرين من أبناء أمتنا بعظمة حضارتنا الإسلامية وتاريخنا الإسلامي وردهم إليها واجب على كل من يبغى لهذه الأمة أن تعود لتسود. كما وأن معالجة الآثار السلبية التي استشرت في مجتمعاتنا من جراء الانبهار بحضارة الغرب هي التحدي الكبير الذي يقع على عاتق الدعاة والمصلحين . ويبقى بث الأمل في نفوس الأمة , وتقوية ثقتها بنفسها , وبحضارتها , وبثقافتها وبهويتها الإسلامية هو الخطوة الكبيرة صوب تحقيق الإصلاح الحضاري والفكري الذي نأمله لأمتنا الإسلامية والذي اسأل الله أن يكون قريبا .
1-نقلا من مقال التربية الأساس الأول للأستاذ أحمد البراء الأميري- مجلة المعرفة
2-الشيخ عبد المجيد الذنداني - توحيد الخالق
3-الأستاذ محمد قطب حول التفسير الإسلامي للتاريخ
4-المرجع السابق
5-الشيخ عبد المجيد الذنداني - توحيد الخالق
6-د يوسف القرضاوي - الخصائص العامة للإسلام
طارق حسن السقا
الرياض في:
25 صفر / 1428هـ
15 مارس /2007م
عولمة الغضب1
الشيخ الدكتور/ عبد العزيز كامل
منذ زمن ليس بالطويل، يلحظ من يراقب العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، أن هناك استدراجًا واستغضابًا واستفزازًا متعمدًا للمسلمين، يتنامى ويتنوع بصورة مطردة، في شكل غزوات عسكرية، أو حملات ثقافية وإعلامية، أو محاصرات اقتصادية، وأخيرًا... تهجمات دينية. وأصبحنا لا نكاد نرى مكانًا في العالم الإسلامي غير مستهدف بجل أو كل تلك التحديات.
وتتجاوز حملة الاستغضاب والاستدراج لتخرج من النطاق الجغرافي للعالم الإسلامي لتنتقل إلى المسلمين المواطنين أو المستوطنين في أكثر بلدان العالم الغربي بغرض إشعار كل مسلم في العالم أنه تحت المواجهة، بشكل أو بآخر، إما أمنيًا أو اقتصاديًا أو حضاريًا أو عسكريًا أو سياسيًا أو ثقافيًا..!
من اللافت للنظر أيضًا أن من يستغضبون عموم المسلمين اليوم، ليسوا من أبناء طائفة واحدة من النصارى، حتى يقال إن بينهم وبين المسلمين ثأرًا أو قضية، ولكن عداء أولئك يصدر من جميع طوائفهم، بروتستانتية كانت أو كاثوليكية أو أرثوذكسية، مع قدر غير قليل من التعاون الجلي والخفي مع اليهود؛ فهؤلاء جميعًا مع اختلاف بعضهم مع بعض إلى حد أنهم يلعن بعضهم بعضًا، ويكفِّر بعضهم بعضًا؛ إلا أنهم يجتمعون في هذا المسار، مسار التحدي والاستكبار على المسلمين. فمن جرائم البروتستانت المتواترة والمتكاثرة من الأمريكيين والبريطانيين والأستراليين والدانماركيين والنرويجيين، إلى جحود الكاثوليك من الفرنسيين والإيطاليين والأسبان، إلى أحقاد الأرثوذكس من الروس والصرب، إلى تعاون كل هؤلاء وتواطئهم مع حثالات اليهود في الشرق والغرب؛ فالهجمة اليوم عامة، وهي مستأنفة تمثل امتدادًا لهجمات استعمارية بروتستانتية وكاثوليكية وأرثوذكسية ويهودية طالت غالب أوطان المسلمين على مدى ما مضى من قرن ونصف. والآن تمتد لتشمل العالم الإسلامي دفعة واحدة لإغضابه دفعة واحدة، ودفعه إلى الارتباك والارتجال.. طمعًا ـ ربما ـ في إحداث (فوضى خلاَّقة) دولية.!...
إنها عولمة من نوع جديد: عولمة للغضب.. تهدف إلى تدويل الغضب الإسلامي بعد إيقاظه!
لقد نجحت عولمة الغضب في صهر العالم الإسلامي كله في بوتقة غضبية واحدة، بعد تلك الجريمة النكراء الشنعاء التي تطاول فيها سفهاء الروم من سكان أوروبا على النبي الكريم المرسل إلينا وإليهم وإلى الناس أجمعين ـ صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا ـ فلأول مرة في التاريخ المعاصر، تحدث على مستوى المسلمين (انتفاضة عالمية) تعم كل مكان في الأرض، لتشمل كل نَسَمَة مسلمة تشهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، ولأول مرة يجري التعامل مع (العالم الإسلامي) على أنه شيء واحد، في مقابل (العالم الغربي) ، فتصدر التصريحات وتلقى البيانات وتوجه الكلمات والوساطات إلى: (العالم الإسلامي) وليس إلى بلد معين أو منظمة معينة أو تجمع إقليمي معين؛ فهل كان هذا مقصودًا..؟! هل أراد هؤلاء أن يكرسوا هذا التقابل المتناقض بين (عالمين) ، ليكون ذلك من الآن فصاعدًا لغة التخاطب بين العالم الإسلامي والعالم الغربي؟!
لقد عاش العرب والمسلمون في السنوات الأخيرة وهم يتصورون أن الصراع اختُصر مع أمريكا وحليفتها (إسرائيل) وأن الغرب ليس أمريكا فقط، فإذا هم اليوم (يفاجَؤون) بأن الغرب عالم واحد وموقف واحد، ويناصر بعضه بعضًا {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73]
فهل نحن بصدد دخول عملي في (عولمة) للصراع مع المسلمين، أو ما يطلقون عليه صراع الحضارات؟! وهل هو تدشين مبكر لملاحم عالمية جديدة لا يعلم مداها إلا الله..؟!
الذين بشروا بـ (صراع الحضارات) يعلمون أن هذا الصراع، هو تاريخ البشرية في الماضي والحاضر والمستقبل؛ حيث كان جزء كبير منه صراعًا بين الحق والباطل، ولهذا لم يكن صراع الحضارات أو الثقافات أو الأديان شرًا كله، بل كان في أحيان كثيرة طريقًا وحيدًا، يُكْرَه عليه المؤمنون لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإفاضة البلاغ للعالمين، ودفع شر الأشرار وبأس الكفار بجهاد وجلاد الأخيار {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .
والفساد اليوم يهدد الأرض كلها بحماقات الغرب المحادِّ لله ورسله... فساد في الاعتقاد وفساد في الأخلاق وفساد في الإعلام وفساد في المجتمعات وفساد في الأسر وفساد في العلاقات وفساد في البيئة، ومع هذا يراد (عولمة) كل هذا الفساد بالقوة؛ لأنه يمثل نموذج الحضارة الأخير الذي ينبغي إخضاع كل الحضارات له، ولو أدى ذلك إلى صدامها وصراعها.
أليس هذا ما تؤمن به وتدعو إليه وتسير فيه الصقور والنسور الحاكمة في أمريكا وبريطانيا وأستراليا وفرنسا وإيطاليا... وأخيرًا.. (الدجاج المتوحش) في كل من الدانمرك والنرويج وإسبانيا...؟!
دعك من الشعوب، في التهائها وغفلاتها، فهي تُستَغَل وتُستغفَل من كبرائها وزعمائها، لتساق إلى أتون مواجهة، قد لا ترضى بها ولا توافقها عليها.