يخطئ من يتصور أن مشروع سيد قطب قد انتهى أو أن واقعه وزمانه قد تجاوزه عالم الواقع وعالم الفكر، ومن يتصور ذلك لا يبعد كثيرًا عن فهم الغلاة في سيد قطب ، الذين حوّلوه إلى مجرد نصوص ودلالات فقهية أو عقدية ، وليس هكذا مشروع سيد قطب ، فمشروع الرجل هو تجديد إيمان المؤمن بدينه، وشحذ هممه نحو نهضة أمته وصناعة مستقبل أفضل لها وللبشرية، والتحذير الدائم من الخضوع لنمطية الواقع، أو التقولب في عصر من العصور البائسة ، وإنما العصر الحقيقي هو"عصر الجيل القرآني"هو عصر الإسلام الذي يؤسس لحضارة جديدة يظلها شرع الله وهديه ، فكر سيد قطب ثورة متجددة في عالم الفكر وعالم الواقع ، وهي تزهر في عقول ووجدانات من قرؤوه ويقرؤونه على مر الأيام ، ولا يوجد أديب إسلامي من بعده ، ولا مفكر إسلامي ، ولا داعية إلا وكان للرجل بصمته في فكره وفي مواقفه ، حتى من تكلف مخالفته أو التحفظ على بعض كتاباته ، ومن ثم يبقى مشروع سيد قطب مشروعًا مستقبليًّا تجديديًّا ، يلهم الأجيال الجديدة بروح العطاء للإسلام والعمل على نهضة أمته ، ويجعل نفوسهم مفعمة بالهمم العالية المستعلية على ضغوطات الواقع وتحديات الطريق ، وموصولة بمسيرة التاريخ الفذ والأمة الواحدة منذ آدم -عليه السلام- وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ، ولذلك لا يعيد القارئ لكتاب الظلال على سبيل المثال قراءته الآن ، إلا ويجد فيه ذات الروح التي وجدها منذ سنوات بعيدة ، يقرؤها الشيخ أو الكهل فيستحضر بها مشاعره وهو شاب متدفق الحماسة والإقبال، وتنفعل بها نفسه من جديد ، وهذه خصيصة يصعب حضورها في أية كتابات فكرية أو أدبية أخرى ، وللأمانة فإن توالي الأحداث الجديدة في العالم وانكشاف مواقف السياسات الدولية ومعها الأخلاق والطموحات عارية مفضوحة بصورة لم تشهدها البشرية من قبل هي من الأمور الواضحة التي تعيد الاعتبار لسطور سيد قطب عندما عرى هذه المعاني كلها قبل أربعين سنة مضت ، في الوقت الذي كان ينظر الكثيرون -حتى من أهل الإسلام- إلى ما يقوله نظرة شفقة واستهتار، يرحمه الله
نهاية التاريخ أم نهاية المثقف؟ (1/2)
سلمان بن فهد العودة 13/4/1426
1-مثقف أم كاتب بلاط؟
لم أستطع أن أمسك خيطًا واضحًا في مجموع أطروحات الكاتب الأمريكي (فرنسيس فوكوياما) سوى خيط الولاء للإدارة الأمريكية.
فأطروحته الشهيرة في تمجيد الديموقراطية الغربية, وأنها نهاية التاريخ تعني: توقّف الحياة والإبداع والأشواق الإنسانية للمعرفة والترقي والطموح.
وإذا كان (فوكوياما) يقول بتواضع: إنه لا يملك نظرية كنظرية ماركس في التاريخ فلقد صدق، وكان تواضعه في محلّه، فمدار نظريته على إطراء النتائج المشهودة لتطورات السياسة الغربية.
ولا خلاف على جوانب من إنجازات النظم الديموقراطية، بيد أن هذا لا يعني أنها نهاية التاريخ.
وهجومه غير الموضوعي على الإسلام واعتباره (فاشية القرن الحادي والعشرين) كما في نيوزويك ( السبت 5 يناير 2002) يكشف عن تطابقه مع رؤية الإدارة الأمريكية في صناعة الإسلام وترسيمه عدوًا للحضارة والحرية.
وهجومه على المجتمع السعودي الموصوف لديه بالتطرف, في الوقت الذي يعترف فيه بضعف وضحالة معلوماته عن هذا المجتمع... ليس سوى صدى باهت للحملة الإعلامية الرسمية, وشبه الرسمية على السعودية والعروبة والإسلام.
وتصويره بأن مشكلة الإسلام هي في التباسه بالسياسة, وحاجته إلى فصل الدين عن السياسة على غرار ما حدث في أوروبا هو ما تنادي به الإدارة الأمريكية من تفريغ الإسلام من محتواه السياسي.
وكنت أشعر بإشفاق حين أراه يقول: إن المشكلة لا ترتبط بعلاقة الإسلام بالغرب، بل بالمعركة داخل الإسلام نفسه...
بينما التقرير الذي نشرته مؤسسة (راند) والتي كان فوكوياما أحد أعضائها يومًا ما يؤسس لافتعال صراعات بينية داخل القوى الإسلامية، ومحاولته دعم أطراف على أخرى بحجة دعم الاعتدال والعصرنة.
ولست أدري إلى متى هذه الثقة لدى مثقف بأن الإدارة الأمريكية تمثل الشفافية والصدق والخير في مقابل محاور الشر العالمية؟!
وإلى متى تظل الجهود الجبارة لمقاومة الغلو إسلاميًا, غير ذات جدوى ما دامت لا تتطابق مع الأجندة الأمريكية؟!
ولماذا في الوقت الذي يعلن فيه فوكوياما رفضه للتدخل الأمريكي في صياغة الإسلام ينجر (ضمن حديثه للأستاذ قاسم الذي نُشر في صحيفة المدينة في ملحق الرسالة) إلى تصنيف المسلمين الأمريكيين إلى مسلمين متطرفين تدعمهم السعودية، وهم من ذوي الأصول الأفريقية، وهذه عنصرية بغيضة، و اتهام لأبناء بلده...
وكان يمكن أن يتهم الإدارة بتصعيد الخلاف الفكري، وتحويله إلى تهم قانونية، وهذا مؤكد في حالات عديدة.
بينما يطالب بنسخة معاصرة...
ما هي مقاييس الخطأ لدى ( فوكوياما) في تدخل الإدارة الأمريكية في أفغانستان؟
ثم في العراق؟
هنا لم يأت الحديث قط عن حقوق الإنسان ولا عن حريات الشعوب، وإنما كان الخطأ وفق معيارية مرتبطة بالسياسة الأمريكية ذاتها ومصالحها.
لماذا الحديث عن التدخل الأمريكي في مناطق مختلفة من العالم على أنه (ضلوع في مسألة أمنية) ، وأن هذا يسوّغ استثناء الجنود الأمريكان من المحاكمة الدولية؟
لم نفترض أن الأمن القومي الأمريكي هو المحور الوحيد الذي يرسم السياسة, وأنه يمر عبر عواصم العالم؟
ولم نفترض أن السياسة هنا هي التدخل.. بينما يقول فوكوياما: إنه ضد استخدام القوة؟!
2-حرب الإرهاب أم حرب الإسلام؟
إن دوائر كثيرة في الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تتجه إلى إيجاد صورة من الصراع مع العالم الإسلامي، خاصة دول الارتكاز, ومن المؤكد أن الغرب يعي هذا الانتقاء ومَن وراءه.
لقد بدأ الغرب بملاحقة ما يسميه بالإرهاب في أفغانستان ثم العراق، ثم وسع الدائرة إلى رسم مستقبل معاقبة لمجموعة من الدول الإسلامية، ثم بدأت الرؤية الغربية - بشكل كبير - تتجه إلى شمولية الصراع، وملاحقة الرؤية الإسلامية التي سجلت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر رفضها لهذا العمل تحت مفهوم ينطلق من مبدئية ومصلحية الإسلام.
هذا التحضير لشمولية الصراع مع مجموعة القوى الحضارية الإسلامية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية تحاول دوائر في الغرب سياسية وإعلامية وثقافية واقتصادية أن تبحث عن مسوّغ يمكن أن يستوعبه عقل الفرد الغربي.
وهنا تحاول هذه الدوائر أن تقدم صياغةً مناسبةً عن المفهوم والفكرة الإسلامية لتعبئة العقلية الفردية في الغرب؛ لتقبُّل هذا الصراع الذي من المؤكد أنه يتجه لغير صالح الغرب، والذي سيكون مسؤولًا عن مستقبل أكثر مرارة ومفاجأة من تصرف خاص وقع في الحادي عشر من سبتمبر.
إن استدعاء صراع القوى الحضارية بين العالم الإسلامي والغرب يعني تعقيد المشكلة الغربية التي يصعب عليها أن تستوعب مرارة المواصلة في مرحلة ربما تكون الخيارات الإسلامية أكثر تأثيرًا فيها!!
ومع هذا فإننا ندرك أن هذا الصراع لا يصنع الأفضل لكل الأطراف.
إننا هنا يجب أن نحترم أمانة التاريخ، وأن نقرأ الأمور بجدية أكثر، وربما كانت مجموعة القوى الغربية المفضلة لهذا الخيار تركض وراء الوهم، أو تفضل مشاهدة نشوة الغرور.
إن الغرب حين يتصرف كقوي مستبد، فإنه يقول للآخرين: يجب أن تتصرفوا كمستبدين أقوياء، وهذه مصادرة لمنطق الفضيلة والعقل.