وأيضًا إن كانت هذه الأخبار دليلًا على فساد العقيدة بالجملة لم تدل على أن ذلك الفساد , وتلك العقيدة الفاسدة , لن تزول ولن تفارق أهلها ، وإنما تدل على وجودها بالجملة . ولا ننازع في هذا . فقد كان أهل نجد مشركين قبل رسول الله عليه السلام كما كان غيرهم . وقد كفر طائفة منهم بعد موته عليه السلام واتبعوا مسيلمة الكذاب . ويبين ذلك أن العقيدة التي ينقم منها هؤلاء هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب . وهذه الدعوة ما وجدت في نجد إلا منذ قرنين تقريبًا . وأما قبل ذلك فأهل نجد كانوا كغيرهم يتولون ما تولى سائر الناس ، وهم ذلك الوقت وفي تلك الحال عند هؤلاء مهتدون راشدون ليس عندهم فتن ولا زلازل بل هم موحدون حقًا وراشدون حقا . فهذه الأحاديث ، بعد كل تنازل وتواضع ، لا تدل إلا على أنه يضل منهم فريق . ولا ننازع في هذا إجمالًا . وعلى هؤلاء أن يبرهنوا أن الدعوة الموجودة الآن في نجد هي ضلال وفتنة ، وأين هم من ذاك ، وأن يبرهنوا أنه ليس ما خالفها من البدع والخرافات ضلالًا وخرافة .
وبعد . فقد قال في القاموس ( النجد ما أشرف من الأرض . الجمع أنجد وأنجاد ونجود ونجد . والطريق الواضح المرتفع وما خالف الغور أي تهامة، وتضم جيمه، مذكر. أعلاه تهامة واليمن وأسفله العراق والشام وأوله من جهة الحجاز ذات عرق ) .
ومما يلحق بهذا ما يستدل به بعض الجهلة وهو بعض ما يذكره بعض أهل السيرة ـ إن صحت الرواية ـ أن المشركين لما اجتمعوا في دار الندوة للتآمر في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي القضاء عليه ليخلصوا من دعوته جاءهم الشيطان في هيئة شيخ وقور تقي ، وادعى لهم أنه من أهل نجد جاء ليبدي رأيه في هذه المشكلة التي شغلت
رؤوس قريش ، وهي مشكلة محمد عليه السلام ودعوته ، فرحبوا به ، وأدخلوه معهم ، وهم لا يدخلون في مثل هذه الحال طبعًا إلا من يظنونه من ذوي الدهاء والرأي والحنكة ، فأخذوا يديرون الآراء ، والشيخ النجدي ـ كما زعم ـ يرجعها عليهم رأيًا رأيًا مبينًا لهم ضعفها وسخفها ، إلى أن أقر لهم رأي الأخير وجوده ، وهو أن يأتوا من كل أسرة من أسر قريش الشريفة بفتى مارد جريء ويعطوه سيفًا صارمًا ، ثم يضربوا رسول الله عليه السلام بسيوفهم المرهفة ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في الأسر فيهدر . فتفرقوا على ذلك مصممين عليه .
قال هؤلاء الجهلة: إن تمثل الشيطان بصورة شيخ نجدي دليل على فساد عقيدة النجديين . وهذا جهل فاضح . والقصة لا تدل على أكثر من أن قريشًا ، وهم من نعرف أهل النخوة والادلال والإعجاب بالرأي ، وهم مضرب المثل في الذكاء وصحة الفكرة وتوقد القريحة وسلامة الرأي ، يسلمون لرجال نجد الزعامة السياسية ، والإمامة الدينية ، ويسلمون تفوقهم عليهم بالآراء والدهاء . ولهذا أدخلوا الشيطان حين ما انتسب إلى نجد وادعى أنه نجدي ، وأشركوه في ذلك الحفل الذي جمع زعماء قريش ورؤوس ساستها ، وجعلوا قوله هو القول ، ورأيه هو الرأي . ويدل أيضًا على أن الشيطان يعرف للنجديين ذلك ، ويعرف أن قريشًا تعرفه لهم ، وهذا غاية التعظيم والمدح للنجديين خلاف ما ظن هؤلاء . ولو كان يعلم أنه إذا انتسب إلى غير نجد أدخلوه وقبلوه لما وجد مانعًا من أن ينتسب ، ولعله لو فعل ذلك لطردوه .
والشيطان قد يتصور في صورة ويقول: أنا رسول الله . ويتصور في صور العلماء والعباد المعروفين بالإمامة والدين . يفعل ذلك للإضلال والإغواء . وقد يجيء بعض الناس ويقول له: أنا الله ، وقد أحللت لك كذا وكذا مما حرمت على غيرك ، ليفسد على ذلك الإنسان دينه وعقله . فما في انتساب الشيطان إلى بعض الناس أو بعض البلاد نقص في ألئك الناس ولا تلك البلاد ، والعكس أقرب . فإنه غالبًا يتصور بصور الصالحين ، أو من يظن أنهم صالحون ، ليستطيع التغرير والتضليل . وقد رووا أنه جاء إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني الصالح المشهور وقال له: أنا رب العزة يا عبدالقادر . وقد أحللت لك كذا وكذا
مما حرمته على غيرك . فقال له الشيخ عبدالقادر: إخسأ . أنت الشيطان الرجيم فقال الشيطان: نجوت مني يا عبدالقادر بفقهك ، ولقد أضللت بهذا خلقًا كثيرًا من العباد والزهاد . والله أعلم .
فياليت قلبي في صدور لوائمي
رجعت ولكن لا إلى حكم حاكم
تريد من الأيام ما ليس كائنًا
ولم تجمع الأيام للمرء مرة
قضى الله أن الأمر والنهي والغنى وأن يقدم السباق كل مؤخر وما كان هذا الداء في الناس حادثًا
شكاه الألى كانوا تولوا وبعدنا فان كنت ترضى بارد العيش فانسلخ
فاني رأيت الضر والعقل أصبحا تحاول إرضاء الحسود ولم يكن
وماذا رأى الحساد عندك غاظهم حسدت على الروح التي قد سئمتها
ولو كان حسادي يطيقون حملها
رويدك بعض الشكو ما ثمَّ سامع وما أنت لاق عادلا تشكي له
فكل بني الدنيا بغاة وجدتهم
أضعت رجاء كنت جهلا حملته
فما سمعوا شكوى جهيرًا خطابها
ولاحفظوا ودًا ولا حفظوا يدًا
عفا الله عنهم ما شكوت وما شكا
وما أخروا حرًا أغر مقدمًا وما ضيعوا الآداب والعلم والعلا
أليس عجيبًا أن تضيع بأمة
وأن تمنع الماء القراح ويرتوي شؤون بها ما في فؤادي من الضنى
فيشكوا كما أشكو من الغيظ والأسى
وعذّت ولكن في شدوق الأراقم1
سعادة محمود لدى الجد عالم
ذكاء وحظًا ، فاحترق أو فقاوم
لكل بليد القلب قسمة قاسم
عن المجد والعلياء عند التزاحم
ولكنه في الناس من عصر آدم
سيشكوه منهم كل أروع حازم
من العقل واستلهم نفوس البهائم
قرينين من راض بهذا وناقم
ليرضيه إلا أن ترى في الرمائم2
وقد أصبحت دنياك أبكى المآتم
وما الروح إلا الريح ذات السمائم
لجدت بها ، فعلي ببذل الدراهم
ولا ثم مرجو لكسب المكارم
ولا دافعًا من مرهقات المظالم
فهم ظالم باغ يعوذ بظالم
على معشر كانوا جنود المغارم
ولا حذروا من ذاهبات الملاوم
جذذت بها زند العدو المصادم
لك العلم فيهم حظوة المتعالم
وما قدموا غِرًا لوجه العظائم
بما استحفظوها في العيون النوائم
وتحفظ فيها سارحات السوائم3
من الأمل المعسول صفر البراجم
فياليت قلبي في صدور لوائمي
ويعذرني فيما تكلمت لائمي
المؤلف
1 الحيات 2 الأموات 3 البهائم
معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث
راجعه عدد من طلبة العلم
بقلم
عبدالله بن صالح العجيري
البريد الإلكتروني:abosaleh95@islamway.net
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد..