وقد حسب هؤلاء وأظهروا للناس أن هذه الأخبار تشير بالفتن والزلازل إلى هذه الدعوة التي تقول: يجب أن يرجع الخلق كافة إلى الخالق وحده ، وإلا يعتمدوا على سواه ، لا على نبي ولا من دونه ، ولا يأخذوا إلا بالأسباب العادية المشروعة ، وبعد ذلك يرجعون إلى الله فلا يدعون أحدًا . والتي تقول: إنه ليس وراء الله للمرء مذهب . وإنه يلزم المسلمين عمومًا أن يكونوا كما كان رسول الله ، وكما كان صحابته ومن تبعهم بإحسان بلا زيادة ولا نقصان ، ولا اختراع ولا ابتداع . وإنه يجب أن يقف المسلمون حيث وقف القرآن ، وحيث وقفت السنة , اعتقادًا وعملًا ، بلا تجاوز ولا مغلاة ولا إهمال . وإنه لا بد أن يقيم المسلمون حدود الإسلام وأحكامه وعقوباته وإن غضب الشرق والغرب ، وإن غضب الناس أجمعون ، أو ترك الناس ذلك أجمعون . وإن الإسلام لا يمكن أن يسترجع سالف مجده ، وأن ينهض النهوض المرموق إلا إذا عمل المسلمون بكتابهم وبسنة رسولهم .
نعم حسب هؤلاء وأوهموا بعض الأغرار أن هذه الأحاديث النبوية تشير إلى ذم هذه الطائفة وإلى ذم إصلاحها الذي جاءت به ، والذي شكرها العاقلون عليه كافة وترنموا بمدحه وإطرائه في شرقها وغربها .
ونحن هنا نذكر ما ذكره العلماء شراح الأحاديث في هذه الأحاديث ، وما فسروها به ، ليبصر الحق مريدوه . وما علينا بعد ذلك أن يعاند معاند ، أو يكابر مكابر ، أو يغضب
غاضب . ولنقتصر على ما ذكره أشهر شراح الحديث في شرح أشهر كتاب حديثي وأصحه وهو ( فتح الباري شرح صحيح البخاري ) للحافظ ابن حجر العسقلاني قاضي قضاة مصر في عصره ، وهو منقطع النظير في فنون الحديث وروايته في زمنه . ولم يشرح البخاري فيما نعلم مثله . ولم يأت بعده حسب معرفتنا من يجاريه أو يدانيه في علم الرواية . قال في الجزء السادس صفحة 220 بعد قوله رأس الكفر نحو المشرق: ( وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس . لأن مملكة الفرس ، ومن أطاعهم من العرب ، كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة ، وكانوا في غاية القوة والتكبر والتجبر ، حتى مزق ملكهم كتاب النبي كما سيأتي في موضعه . وإستمرت الفتن من قبل المشرق كما سيأتي بيانه واضحًا في الفتن ) . ثم قال في كتاب الفتن صفحة 10 الجزء الثالث عشر بعد حديث إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر ( وإنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان رضي الله عنه كان بها ، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان ، والقتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين ، وكل قتال وقع في ذلك العصر تولد عن شيء من ذلك أو عن شيء من ذلك أو عن شيء تولد منه . ثم إن قتل عثمان كان أشد أسبابه الطعن على أمرائه ثم عليه بتوليته لهم . وأول ما نشأ ذلك من العراق ، وهي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب وبين الحديث الآتي إن الفتن من قبل المشرق ) . ثم قال في الجزء الثالث عشر صفحة 36 ( كان أهل المشرق يومئذٍ أهل كفر فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الفتنة تكون من تلك الناحية ، فكان كما أخبر . وأول الفتن كان من قبل المشرق ، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين , وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به . وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة . وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها , وهي مشرق أهل المدينة . وأصل النجد ما ارتفع من الأرض وهي خلاف الغور فانه ما انخفض منها وتهامة كلها من الغور ، ومكة من تهامة . انتهى . وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي: إن نجدًا من ناحية العراق , فإنه توهم أن نجدًا موضع مخصوص ، وليس كذلك ، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورًا انتهى كلام ابن حجر .
ونحن نقول بعد ذلك: إننا إذا طالعنا الخرطة وجدنا العراق شرقا عن المدينة شمالًا ووجدنا بلاد العجم شرقًا شمالًا عن المدينة أيضًا . وإذا ما كلفنا أنفسنا ساعة من الزمن وقرأنا شيئًا من تاريخ الفتن التي وقعت في صدر الإسلام زمن الخليفتين عثمان وعلي وزمن من بعدهم من الخلفاء والأمراء وجدنا جميع الفتن في غير نجد ، ليس لنجد منها شيء . وكلها ولد وفرخ في العراق والشام ومصر وبلاد فارس . وليس هنالك فتنة أعظم من قتل عثمان وعلي وعمر رضي الله عنهم ، وأعظم من القتال بين الإمام علي ومعاوية ، وبين الإمام علي ومعاوية ، وبين علي والخوارج ، وبين علي وعائشة . وليس لنجد من ذلك شيء ولا غمست يدها في قليل ولا كثير من دمها . وكذلك إذا ما تعقبنا التاريخ من ذلك العصر إلى هذا العصر لم نجد في نجد من الفتن والزلازل ما وجدناه في مصر والعراق والشام وسائر البلاد ولا يمكن أن يكابر في ذلك مكابر .
لنفرض أن الدعوة السلفية الموجودة الآن في نجد هي ضلال وباطل . وأعاذها الله من ذلك . فهل يمكن أن تكون أحق باسم الفتن والزلازل من الإلحاد والتنصير والفسوق والخلاعة الموجودة في سائر البلاد الإسلامية اليوم ؟! فهل يمكن تنزيل الأحاديث المذكورة على نجد دون هذه البلاد التي انغمست في هذه الرذائل من قدميها إلى رأسها ؟! وهل يقول ذلك إلا من لم يرزق شيئًا من الإنصاف والعدل .
ولفظ الفتنة عند ما يطلق يعبر عن الحروب والقتال ونحو ذلك ولا يعبر عن الآراء والعقائد الفاسدة . فلو سلمنا أن هذه الأحاديث تعني نجدًا وتعني أنها موقع للفتن والحروب ، ولن نسلم ذلك , لم يدل على أن تلك العقيدة باطلة وضلالة ، وإنما يدل على أنه يحدث فيها أحداث وحروب داخلية ، وهذا لا شك فيه . ونحن لا نخالف أنه قد وجد في نجد حروب بين المسلمين لا يرضاها الله ولا يرضاها دينه ولا يرضاها النجديون أنفسهم ، مثل ما وقع من الدويش وإخوانه حتى قضى جلالة الملك عبدالعزيز على ذلك وجذ جذورهم واستأصل شأفتهم . وأي بلاد خلقها الله تسلم من ذلك . ويبين ذلك أنه روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: ( هل ترون ما أرى ) قالوا لا . قال( فإني لأرى الفتنة تقع خلال
بيتكم كوقع القطر ) فإن كان وجود الفتن في بلد دليلًا على فساد عقيدة ذلك البلد دل على فساد عقيدة ذلك البلد دل هذا الحديث على فساد عقيدة أهل المدينة المنورة .
وأيضًا لا شك أنه ما من بلد إلا ويوجد فيها فتن وزلازل وشياطين . فهل يدل ذلك على فساد عقائد الجميع . وقد حدث في سائر البلاد من الأمور القبيحة والعقائد المغضوب عليها ما لم يوجد في نجد . فهل وجد في نجد ما وجد في غيرها من البلاد ، وفيها من إدعى الربوبية وقال لأهلها ( أنا ربكم الأعلى ) فقالوا له سمعًا وطاعةً وكرامةً .