ومن العوامل المؤثرة أيضًا على طريقة التفكير: أن معرفتنا للحق تتأثر بأقوال الرجال وشهرتهم ، فنحن نحاكي الرجال في أقوالهم واعتقاداتهم ، لمجرد إمامتهم وشهرتهم ، حتى إنَّ عقل الإنسان ينغلق ويصبح وقفًا على ذلك الشيخ ، حتى لا يرى حقًا إلا ما جاء عن إمامه الذي آمن بقدراته وإمكاناته ، فهو يقبل ويرفض ويُصدّق ويُكذّب ويأخذ ويعطي ، بناءً على قول الشيخ وتوجيهيه ، بدون النظر إلى الحجة أو البرهان .
وبدون أن يكون له حظ من التعقّل أو التفكير ، وما مثل هذا الإنسان إلا كما قال الشافعي:"كمثل حاطب ليل ، يحمل حزمة حطب ، وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري"
ومن طرائف المقلدة: ما نقله الماوردي ، حيث قال:"ولقد رأيتُ من هذه الطبقة رجلًا يُناظر في مجلس حفل ، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة ، فكان جوابه عنها ، أن قال:"إن هذه دلالة فاسدة ، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها ، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه ! فأمسك عنه المستدل متعجبًا"!!"
وما أجمل قول أبي يوسف:"لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا ، حتى يعلم من أين قلنا"."مجلة البيان"عدد (82) ص (96-99) .
الخاتمة:
إن الصحوة الإسلامية بحاجة ماسة إلى العقول الناضجة المستنيرة ، القادرة على التفكير والإبداع ، وعلى المُربِّي أن يستشعر أهمية ذلك ، فيحيي هذه الملكة في نفوس أتباعه ، فلأن يقود أسودًا متوثبة يقظةٍ ، خير له وأنفع من أن يقود قطيعًا من الخرفان ، التي لا تعي ولا تدرك ؛ ولن يقوى المربي على ذلك إلا إذا كان أسدًا ، فهل من أسود !
وتأمل حال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حين قال على المنبر:"إذا أصبتُ فأعينوني ، وإذا أخطأت فقوموني"فقال له رجل من بين الناس:"إذا أخطأت قوّمناك بسيوفنا"! فعمر بن الخطاب لا يرضى بتعبيد الناس للناس ومصادرة عقولهم وتغييبهم عن الساحة ، بل يطالبهم بالمشاركة ، والناس لا يرضون بالتبعية والعجز ، وهكذا تُبنى الأمم .
إن الإحساس بضرورة النمو والتحسين يقود إلى الإبداع والتجديد وتطوير الطاقات ، فالتفكير المبدع: هو الذي يحوّل الركود والرتابة والتلقائية إلى حركة حيّة منتجة ، تتطلّع دائمًا إلى المزيد ، وكما قال الفضل:"التفكر مرآة ، تُريك حسناتك وسيئاتك"وقال ابن القيم:"التفكر والتذكر بذار العلم ، وسقيه مطارحته ، ومذاكرته تلقيحه".
"مجلة البيان"عدد (82) ص (101 ، 97) .
هذا ما نعلم،وفوق كل ذي علم عليم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .
] غالب هذا البحث مأخوذ من ( فصول في التفكير الموضوعي) لعبدالكريم بكار
حكم الشرع في اختلاط الجنسين في الدراسة الجامعية
حضرة الأخ المكرم رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت حفظه الله ووفقه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد فقد وصلنا خطابكم رقم 95 في 27 محرم 89هـ تسألون فيه عن حكم الشرع في اختلاط الجنسين في الدراسة الجامعية وما يترتب على ذلك من المفاسد والجواب عما سألتم عنه وفقنا الله وإياكم:
أن من الغريب أن يوجد في أمة مسلمة عربية اختلاط الجنسين في الجامعات والمدارس مع أن دين الإسلام الذي شرعه خالق السموات والأرض على لسان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يمنع ذلك منعا باتا والشهامة العربية والغيرة الطبيعية العربية المملوءة بالأنفة تقتضي التباعد عن ذلك وتجنبه بتاتا وتجنب جميع الوسائل المفضية إليه وسنذكر لكم في جواب سؤالكم وفقنا الله وإياكم طرفًا من الأدلة القرآنية والسنة النبوية ثم نشير إلى شهامة الجنس العربي وابتعاده عن التلبس بما لا يليق ولو لم يكونوا مسلمين .
أما القرآن العظيم:
فمن أدلته العظيمة التي لا ينبغي عنها بحال من الأحوال أن الله أنزل فيه أدبًا سماويًا أدب به خير نساء الدنيا وهن نساء سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فأمر فيه جميع الرجال أن لا يسألوهن متاعا إلا من وراء حجاب ثم بين أن الحكمة في ذلك أن تكون قلوب كل من الجنسين في غاية الطهارة من أدناس الريبة بين الجنسين ، وقد تقرر في علم الأصول أن العلة تعمم معلولها وتخصصه والعلة في هذه الآية المتضمنة هذا الأدب السماوي الكريم الكفيل بالصيانة والعفاف وحفظ الكرامة والشرف معممة لحكم الآية الكريمة في جميع نساء المسلمين إلى يوم القيامة ، وإن كان لفظها خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قوله تعالى (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) ).
ثم بين حكمة هذا الأب السماوي وعلته ونتيجته بقوله جل وعلى (( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ).
فدل ذلك بمسلك الإيماء والتنبيه من مسالك العلة إن علة السؤال من رواء الحجاب هي المحافظة على طهارة قلوب كل من الجنسين غاية الطهارة حيث عبر تعالى بصيغة التفضيل في قوله (( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ).
ودل هذا التعليل بأطهرية قلوب الجنسين ، إن حكم الآية عام للنساء المسلمات إلى يوم القيامة لأن أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن مطلوبة إجماعًا فلا يصلح لقائل أن يقول المطلوب طهارة قلوب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقط وطهارة قلوب الرجال من الريبة معهن فقط بل ذلك مطلوب في جميع النساء إلى يوم القيامة كما لا يخفى فدل ذلك على أن العلة المشاء إليها بقوله (( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) ).
مقتضية تعميم ها الحكم السماوي النازل بهذا الأدب الكريم المقتضي كمال الصيانة والعفاف والمحافظة على الأخلاق الكريمة والتباعد من التدنس بالريبة ، فسبحان من أنزله ما أعلمه بمصالح خلقه وتعليمهم ومكارم الأخلاق .
قال صاحب مراقي السعود في بحث تعميم العلة حكمها تارة وتخصيصها إياه تارة في مبحث القياس الأصولي المعروف بقياس التمثيل وقياس الفقهاء في كلامه على العلة:
وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تخرم
وقال في نشر البنود شرح مراقي السعود في شرحه لقوله: وقد تعمم لأصلها ، وما نصه يعني أن العلة يجوز أن تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالتعميم أي جعله عاما اتفاقا كحديث الصحيحين (( لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ) ).
بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب إذ يعني أن العلة عممت حكمها فلا يجوز للقاضي أن يحكم في حال عطش وجوع مفرطين أو حزن وسرور مفرطين أو حقن وحقب مفرطين .
والحقن مدافعة البول والحقب مدافعة الغائط لأن كل ذلك مشوش للفكر مانع من استيفاء النظر في دعاوى الخصمين والحكم بينهما فعمم التعليل بالغضب الحكم بمنعه في كل حال مشوشة للفكر معانعة من استيفاء النظر وبه يتضح أن قوله تعالى: (( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) )يقتضي عموم الحكم في جميع النساء وإن كانت الآية الكريمة نازلة في خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم ويؤيد ما ذكرنا من تعميم الحكم أن الخطاب لواحد يشمل حكمه جميع الأمة إلا بدليل خاص وهو على المقرر في أصول المذهب الحنبلي يكون خطاب الواحد بنفسه صيغة عموم مقتضية عموم الحكم في جميع المكلفين وغير الحنابلة يقول خطاب الواحد يقتضي عموم الحكم لكن بواسطة لا بنفسه وتلك الواسطة نوعان أحدهما قياس باقي المكلفين على ذلك الشخص الواحد المخاطب لأن الأصل استواء جميع الناس في أحكام التكاليف الشرعية إلا ما أخرجه دليل خاص ، النوع الثاني هو قوله صلى الله عليه وسلم (( ما قولي لامرأة إلا كقولي لمائة امرأة ) ).