المعادلة التي قد تنتج عن التوافق بين أمريكا وبين هذه الحركات؛ تقوم على السماح لهذه الحركات بالوصول إلى السلطة، وفتح الحريات السياسية لها، مقابل قبول هذه الحركات بالنظام الديمقراطي، والتعددية السياسية، وتداول السلطة، وإصلاحات اقتصادية و سياسية ليبرالية، ودعم حقوق المرأة وحقوق الأقليات. بالإضافة إلى قبول مبدأ التسوية والحل السلمي في الشرق الأوسط.
وإذا كان عدد كبير من المحللين الغربيين والعرب يستبعد هذا السيناريو (23) ، فإنّ تجربة حزب العدالة والتنمية الأخيرة في تركيا، تقدم مؤشرًا على احتمالية هذا السيناريو، حيث قدّم هذا الحزب في برنامجه الانتخابي فكرًا سياسيًا إسلاميًا ذا صبغة ليبرالية براغماتية، تتكيف مع المعادلة السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، حيث أكد الحزب حرصه على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأكد التزامه الكامل بالديمقراطية، ودعا إلى الحرية الدينية، وقبل بالسلام مع إسرائيل، وبإقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة، والقبول بقرارات الأمم المتحدة في القضايا الإقليمية، والإصرار على التحالف مع الناتو، والمضي قدمًا في برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي وبرنامج الخصخصة (24) ،.. ، هذا البرنامج الذي استند عليه حزب العدالة، ووصل بموجبه إلى السلطة يشكل معالم تجربة إسلامية جديدة ترصدها الدوائر الغربية وبالتحديد الأمريكية بدقة، ويمكن رصد حالات من التطور في الخطاب الإسلامي في عدد من الدول العربية نحو الخطاب الواقعي العقلاني، كالرسالة التي أرسلها المثقفون السعوديون ردًا على وثيقة المثقفين الأمريكان، بعنوان (على أي أساس نتعايش(25 ) ) ، والتي تحمل في طيّاتها معالم تطور و تشكل فكر سياسي إسلامي جديد عند أكثر الفئات التي كانت محسوبة على الانغلاق - في الدوائر الغربية- وهم السلفيون (26) ، حيث بدا واضحا بروز نوع من السلفية الإصلاحية، التي تتبنى خطابًا سياسيًا أكثر انفتاحًا وتعايشًا مع الواقع (27) .
الثالث: أن يستمر الوضع الحالي في المستقبل القريب دون تغيير كبير يذكر، من خلال مدافعات سلمية ومد وجزر في العلاقة بين الأنظمة العربية والحركات الإسلامية، مع استمرار الحملة الأمنية على التيار الجهادي، مع بقاء الولايات المتحدة طرفًا ضابطًا غير مباشر في هذه العلاقة. ويترجح هذا السيناريو في حالة عدم حدوث تطورات إقليمية جذرية في المنطقة، وهذا ما لا يتناسب مع التصورات الأمريكية التي تسعى إلى إعادة تشكيل الحالة السياسية والثقافية وربما الجغرافية. (1) فواز جرجس، أمريكا والإسلام السياسي، دار النهار، بيروت، ط1، 1998، ص 82-84. انظر كذلك: جون سبوزتو، الإسلام السياسي والسياسة الخارجية الأمريكية، في: أحمد يوسف، مستقبل الإسلام السياسي (وجهات نظر أمريكية) ، المركز الثقافي، بيروت، ط1، ص 134.
(2) فواز جرجس، مرجع سابق، ص 85-87.
(3) سبوزيتو، مرجع سابق، ص134.
(4) انظر: محمد سليمان ومراد الشيشاني، الإسلاميون والسلطة والمجتمع (حالة الأردن) ، مركز الأردن الجديد، عمان، قيد النشر، ص75-79.، وقارن ذلك بـ: سميح فرسون، جذور الحملة الأمريكية المناهضة للإرهاب، مجلة المستقبل العربي، 284 ، ع2002، ص10.
(5) نيوزويك (الطبعة العربية) ، 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2002،ص24-25.
(6) المرجع السابق، ص23.
(7) المرجع السابق، ص23.
(8) سياسة الإدماج اقترحها ريتشارد هاس -مدير مكتب التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية- خلال خطاب في نيسان/2002، يتضمن العمل على توحيد وإدماج وتنسيق الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، انظر مزيدا من التفاصيل: مايكل هدسون، مآزق إمبريالية، إدارة المناطق الجامحة، مجلة المستقبل العربي، ع284،2002،ص 39.
(9) المرجع السابق، ص40.
(10) فواز جرجس، مرجع سابق، ص 24-40.
(11) نفس المرجع،ص 24-40.
(14) انظر: سبوزيتو، مرجع سابق، ص114، ود. مايكل كولنزدون، أين تقف الحركات الإسلامية اليوم، في أحمد يوسف، مرجع سابق ص70، وقارن ذلك في تقرير لمعهد بروكنز أعده بي، دبليو . سنفر، زمن الخيارات الصعبة: المآزق التي تواجه السياسة الخارجية المتحدة نحو العالم الإسلامي، عن صحيفة الرأي الأردنية، 25 تشرين الثاني، 2002. وقارن ذلك ب:Stephen Zunes,Us Policy Towa صلى الله عليه وسلم d Political Islam, Fo صلى الله عليه وسلم ign Policy in Focus,Sept صلى الله عليه وسلم mbe صلى الله عليه وسلم 12,2001,www.fpif.o صلى الله عليه وسلم g
(15) نصير عاروري، حملة جورج بوش المناهضة للإرهاب، المستقبل العربي، ع284،2002، ص57.
(16) مجلة الاجتهاد، ربيع 2002، ع54، ص201-213.
(17) الجزيرة نت، 11/10/2001.
(18) انظر: بي، دبليو سنفر، مرجع سابق، وغراهام فوللر، الحركات الإسلامية والمصالح الغربية، حتميات استراتيجية، في أحمد يوسف، مرجع سابق، ص 49، وقارن ذلك بـ:stephen Zunes,Us Policy Towa صلى الله عليه وسلم d Political Islam, op.cit.
(19) وثيقة الأمن القومي الأمريكي بعد 11 سبتمبر، عن صحيفة الرأي الأردنية، 17-18/10/2002.
(21) نقصد بأزمة الشرعية المزدوجة بأن هذه الأنظمة تفتقر إلى الرضا والقبول الشعبي، المبني على الانتخابات الحرة، وأنها تتهم من قبل شعوبها بالتواطؤ مع أمريكا ضد إرادة الشعوب، كما أنها بات ينظر إليها في المؤسسات الثقافية والإعلامية الأمريكية على أنها فاشلة وفاسدة، وأن فشلها في تأمين حقوق الإنسان وحرياته وفي التنمية هو الذي ولَّد الإرهاب والعنف الذي انتقل ليصيب الأمريكان.
(22) انظر: دبليو.سنفر، مرجع سابق. وكذلك: محمد سليمان، الإسلام السياسي بعد صدام حسين، صحيفة المرآة الأردنية 28/10/2002، ص12-13.
(23) انظر على سبيل المثال: Danielpipes, Ame صلى الله عليه وسلم ican Policy Towa صلى الله عليه وسلم d Islam, www.danielpipes.o صلى الله عليه وسلم g/a صلى الله عليه وسلم icle/955
(24) انظر برنامج حزب العدالة والتنمية الانتخابي على موقع الحزب على شبكة الإنترنتhttp://www.akpa صلى الله عليه وسلم ty.o صلى الله عليه وسلم g.t صلى الله عليه وسلم /
(25) مجلة الاجتهاد، بيروت، ربيع 2002، ع54،ص232-243.
(26) انظر: محمد سليمان، رسالة من مكة: هذه لغة الحوار بين الشعوب، موقع الإسلام اليوم الإلكتروني:www.islamtoday.net.
(27) انظر: محمد سليمان، أوراق نقدية العمل الإسلامي وقضية التغيير، دار سمرقند، عمان، ط1، 2002، ص69-78.
منهجية الفكر الإسلامي
د. عبد الحميد أحمد أبو سليمان * 5/7/1424
في ظل الظروف الحضارية للفترة الأولى من الحضارة الإسلامية أدت طاقات العقل المسلم وإطار المنهج الأصولي دورهما على تعاظم في القصور بمضي الزمن وتباعد الظروف الزمانية والمكانية لواقع الأمة وتحدياتها عن ظروف وممارسات الصدر الأول، وممارسات السنة النبوية على عهد الرسالة ونزول الوحي.
وأمكن لذلك العقل وذلك المنهج أن يفجرا -رغم كل الظروف والعقبات التي جابهها الإسلام والمسلمون- قدرًا هائلًا من الطاقة الإسلامية، ووضعت الإنسان والعقل الإنساني في إطار جديد، وفتحت أمام العقل الإنساني المسلم آفاقًا فسيحة من العمل والإبداع، وقدمت للإنسانية تراثًا وفكرًا حضاريًا تنظيميًا وقانونيًا وعلميًا غير مسبوق، أضاء حلكة الأفق الإنساني الذي خيمت عليه الخرافة والضلالات والأوهام والجور والخسف والحرمان من الحقوق والحريات الإنسانية كافة.