إلا أن كثيرين حاولوا في هذا السياق لي أعناق المصطلحات في محاولة للتفريق بين الحضارة والدين الإسلامي وفصلهما عن بعضهما البعض من خلال ابتكار مصطلح الثقافة العربية الإسلامية التي يتشدق البعض بأنه ينتمي لها.
هي قراءة تحليلية إذًا مفادها أنه آن الأوان لتحرر الثقافة السياسية العربية من عقالها الغربي...فمن حريق القاهرة إلى العدوان الثلاثي، وإطلاق الحركة الناصرية يحاول جلول الإشارة إلى أن من مظاهر الضعف في الثقافة السياسية العربية أن العرب ما زالوا يلطمون على وجوههم جراء هزيمة يونيو 1967، خلافًا مثلًا لليابانيين والألمان الذين خسروا حربًا عالمية دون أن يخسروا ثقافتهم واقتصادهم.. والأهم من ذلك إرادتهم في البناء والتميز.
المحور المهم في الكتاب يبحث في عناصر الخضوع والممانعة في الثقافة السياسية العربية انطلاقًا من المركز المصري، واستنادًا إلى مسلّمة تفيد أن الأصل في تخلف العرب وتقدم غيرهم يكمن في الثقافة السياسية.
قبل بونابرت، لم يسبق أن اجتاح عسكري بلدًا أجنبيًا بجيش من المثقفين وبحسب فيصل جلول، فإن اصطحاب جيش من المثقفين إلى مصر يندرج في إطار جعل المصريين يتلمسون التفوق الغربي العلمي، أي استحالة انتصارهم على الغرب، لا لأنهم لا يملكون وسائل الانتصار وأدواته العسكرية المبنية على الإرادة والافتخار الحضاري، بل لأنهم لا يملكون المعرفة الغربية التي تجعل من التفوق المادي قدرًا يصعب نفيه.
إنه الانتصار والتفوق الثقافي إذًا .. أما الوجه الآخر للحملة الثقافية على مصر فيكمن في تعزيز اعتداد الفرنسي بحضارته وبلاده وجيشه. كان التركيز الفرنسي على الحضارة الفرعونية يريد القول إن الحضارة العربية الإسلامية عابرة في هذا البلد الفرعوني أصلًا بنظر الثقافة المنبثقة من الحملة والمستمرة حتى يومنا هذا.
واليوم تقول الولايات المتحدة الأمريكية إنها احتلت العراق من أجل نشر"الديموقراطية"، فهل يتكرر السيناريو؟ هذا ما يطرحه جلول ويختتم به كتابه بالقول: إن العرب لا يحتاجون إلى ثقافات وافدة؛ فلديهم المقومات والشروط التي تتيح لهم نهوضًا مدويًا وموقعًا عالميًا جديرًا بالتقدير.
لإبداع حين يكون ستارًا للاختراق الثقافي
كمال السعيد حبيب ... ... ... ... ... 9/10/1424
تشير كلمة الإبداع إلى بناء شيء جديد على غير مثال سابق، فمثلًا أبو الأسود الدؤلي أبدع علم النحو العربي، والخليل بن أحمد أبدع العروض، والشافعي أبدع علم أصول الفقه، وأبو حنيفة أبدع علم القياس، ومالك هو الذي أبدع علم المصالح المرسلة والقياس، فضلًا عن المبدعين في علوم الطب والرياضيات والكيمياء والفلك وغيرها من العلماء العرب المسلمين، ولعمر بن الخطاب أولياته التي أبدعها علي غير مثال سابق في الإدارة والنظم السياسية والاجتماعية، أورد بعضها أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الإبداعي في المالية والاقتصاد الأموال.. ولو أرسلت لنفسي عنانها لوجدتني أذكر كل المبدعين من علمائنا الذين أسسوا في كل منحى علمًا متينًا وفكرًا سديدًا؛ ففي علم السير -أي العلاقات الدولية- وضع محمد بن الحسن الشيباني مؤلفه الضخم"السير الكبير"، وله أيضًا"السير الصغير"، ناهيك عن قواعد المنهج الراقي في علم الحديث، والتي تعد أساسًا لما يطلق عليه اليوم"مناهج البحث".
في المرحلة الأولي من بناء العلوم الإسلامية كانت الحضارة العربية الإسلامية تتأسس بناء على حركة الحضارة ذاتها في الكون وفي الآفاق، وبمنهج عالم عادل جعل الكثير من المستشرقين يتحدثون عن عظمة الحضارة العربية الإسلامية على الحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة الغربية ذاتها، ويكفي أن نتذكر كتاب سجريد هونكه"شمس الإسلام تسطع علي الغرب"، ولدينا اليوم ثروة هائلة من التراث الذي تركه أسلافنا جعل من يطلقون على أنفسهم"الحداثيين المعاصرين"ينتحلونه لأنفسهم، ويتمحكون به، ويصدرون كتابًا بعنوان"آباء الحداثة العربية"رغم أنه من الناحية المنهجية لم تكن الحداثة وما بعدها ومناهجها المعقدة وغير المفهومة مثل البنيوية والتفكيكية قد ظهرت بعد، وهي كلها مناهج غربية أقرب للطابع العبثي الذي يبدد البيان والفكر واللغة ويحيرها أكثر مما يساعدها على البيان والوضوح.
وعرفت الحضارة العربية الإسلامية جدالًا ومدافعة مع الحضارات الأخرى اليونانية بفلسفتها والرومانية بقوانينها وعقلانيتها، وطوعت هذه الحضارات لقيم الحضارة العربية الإسلامية، فلم تكن حضارتنا أبدًا مغلقة على نفسها، ولكنها كانت تحافظ دائمًا على خصوصيتها وعلى قيمها، وكانت على وعي دائمًا بأن البعد القيمي والحضاري لابد من الحفاظ عليه، فهناك ثقافة وإطار مرجعي كان المبدع المسلم يضعه في اعتباره.
وقد لاحظت وأنا في تركيا أن عظمة الفن العثماني في البناء والخطوط والنقش كانت تضع في اعتبارها القيم الإسلامية المتصلة باحترام القيم الإسلامية التي لا تضاهي الخالق، فلم نجد رسومًا تنزع لمضاهاة خلق الله، ولم ألاحظ أي فنون متصلة برسم ذوي الأرواح.
ولم نجد شاعرًا يثير الغرائز والفتنة بين المسلمين بقصد إشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا، ذلك لأن الفن والإبداع مقصده الأساسي هو تحقيق المتعة والإحساس بالجمال وفق المرجعية الإسلامية، نعم عرفت بعض مراحل الرخاوة الحضارية من يحاول الخروج على هذه القواعد؛ لكن لم يكن ينظر لهذه المحاولات بالاحترام أو التقدير أو النظر إليها علي أنها فن وإبداع، وعامة من قام بهذا هم من الشعراء الذين لا وزن لهم كتعبير عن الروح الإسلامية.
الاختراق الثقافي البريطاني
لكنه مع التحول الحضاري لصالح الحضارة الغربية بدأ مثقفو الأمة يتحولون منبهرين تجاه الفنون والأفكار وطرق الكتابة الغربية، وكان يمكن أن يكون ذلك إضافة للحضارة العربية الإسلامية لو كان من يفعل ذلك على وعي بأنه يتعلم لكي يوظف علمه من أجل نهضة أمته وفنونها وأفكارها وطرق حياتها، لكن النخبة -للأسف- هي التي اندفعت كالحمر المستنفرة التي فرت من قسورة!، تلهث وتجري وراء كل ما يقذفه الغرب إلينا دون نظر أو روية، أو بذل أي جهد في محاولة تنقية وتطويع ما يؤخذ من الغرب لقيمنا وعلومنا وحضارتنا، وهنا وجدنا المثقف المرتبط بالأجنبي المحتل، ووجدنا المثقف المرتبط بمصالح الغرب وقيمه وأفكاره، ووجدنا عملاءً وليسوا مفكرين أو مبدعين.